د. يوسف بن عدي
اذا كانت الغراماتولوجيا قد فتحت آفاقا فلسفية جديدة حين رسمت حدود العلامة الصوتية وحررت مكامن الكتابة وآثارها من مركزية الصوت… فان علم السؤال باعتباره نظرية للمساءلة قد نبهنا الي أسبقية المساءلة لذا سمح مايير لنفسه بنقد الانطولوجيا وتفكيك الفلسفة من أرسطو الي سارتر وهايدغر.
كتاب: من الميتافيزيقا الي علم السؤال منشورات عالم التربية. غ2006 صفحة 5ف.
أولا: لغة المفارقات في تاريخ الفلسفة لقد احتدم السجال الفكري والمعرفي حول طبيعة العلاقة ما بين الفلسفة والتاريخ، وذلك من جراء ان طبيعة الفلسفة هي التطلع الي الامساك بما هو جوهري وماهوي، والتاريخ من حيث هو مختبر التحولات ومنبع المتغيرات، بل ان هذه المجادلة الفلسفية قد امتدت الي رصد طبيعة العلاقة ما بين الفلسفة وتاريخ الفلسفة وهكذا فقد تعددت الرؤي واختلفت وجهات النظر من قبل الفلاسفة والمفكرين لتاريخ الفلسفة وطرق تصورهم وصياغة مقولاتهم ومفاهيمهم وفق مرجعياتهم الابستيمولوجية والميتافيزيقية والتاريخانية، اذ نجد من الفلاسفة من يعتبر ان تاريخ الفلسفة ليس الا تاريخ المذاهب والمدارس والتيارات غالارسطية والسينوية والديكارتية… ف.* قراءة في كتاب: نحو قراءة جديدة لتاريخ الفلسفة: من الميتافزيقا الي علم السؤال ترجمة وتقديم عز الدين الخطابي وادريس كثير وتصدير عبد الكريم غريب. منشورات عالم التربية، الطبعة الاولي 2006. ومن ثمة، فان نص: نحو قراءة جديدة لتاريخ الفلسفة (2006) المنشور من قبل الأستاذين عز الدين الخطابي وادريس كثير اللذين تمكنا من ترجمة نصوص متميزة وقوية للمفكر البلجيكي ميشال مايير. هذا الأخير الذي يقدم رؤية جديدة تستند علي تاريخ العلوم والأهواء والانطلوجيا والبلاغة… وكل ذلك وفق ما يسميه هذا الفيلسوف (مايير) بعلم السؤال.
لا شك ان هذه القراءة الجديدة لتاريخ الفلسفة ومساراته، والتي تتأسس من خلال العودة بالفلسفة الي وظيفتها الأولي كما برزت مع اليونان، أي وظيفة السؤال والاستفهام. والمفارقة الكبري بالنسبة اليه حيث ان الفلسفة التي تأسست كمساءلة لم تطرح علي نفسها سؤال تأسيسها أي ما يشكل ماهيتها الحقيقية غصفحة 3ف. ولعل هذا التصور الماييري غنسبة الي ميشال ماييرف انما يسعي لاثبات ان تاريخ الفلسفة ولحظاته المتتالية وتحولاته المتوالية انما ينبني علي الخروج من المغالطات ورفع المفارقات للتورط في مفارقات اخري… إذ أن المفارقة والمأزق هما اللذان يؤسسان الفكر الأصيل والفلسفة الخالصة، وفق علم السؤال والذي يمس كل المجالات يستقرئها ويستنطقها بما فيها مجال الأخلاق والايتيقا ومجال الفلسفة السياسية. غصفحة 6ف. وهكذا تمكن ميشال مايير من تتبع مسار الميتافيزيقا الغربية اعتمادا علي مفاهيم: المفارقة والمأزق والمغالطة والانفتاح من جراء ذلك علي آفاق فلسفية جديدة ضمن ما سماه هذا الفيلسوف بعلم السؤال غصفحة 7ف.
ثانيا: اللوغوس القضويمحو لنظرية المثل والتباس الوجودلقد تمكن افلاطون من تفسير شروط الجواب، من خلال صياغة التساؤل السقراطي بشكل جديد، وذلك باستثمار مفارقة مينون: اما اني اعرف ولست في حاجة للتعلم، او لا اعرف فلا اعلم بأني في حاجة للتعلم ولا ما الذي أتعلمه، ومأزق الانتقال من الانفعال الي العقل، فعلي هذا فان المفارقة او المأزق الذي سيعمل أرسطو علي تجاوزها عبر بناء نظرية المنطق او نظرية الحجاج والخطابة، بعبارة اخري، ان المعلم الأول سيؤسس نظريته في العلم اعتمادا علي المنطق لا علي التذكر.
وهكذا فاذا كان الوجود متعددا وواحدا في الوقت ذاته بطرح احراجات نظرية ومعرفية، فان نظرية المقولات العشر ونظرية القوة والفعل…. قد تمكنت من رفع هذه المفارقة عبر اللوغوس القضوي حتي يستطيع الدفاع عن فكرة البرهانية والضرورة في ظل التعدد والأنحاء الموجودية المختلفة، ومن ثمة فان أرسطو مثل أفلاطون يريد حل السؤال المطروح من طرف المساءلة العلمية، وذلك بابعاد هذه الأخيرة. فكيف يمكن التوفيق بين معيار الضرورة وواقع التعددية والاحتمالية؟ غصفحة 34ف.
واعتبارا لذلك قام أرسطو بتعويض نظرية المثل بنظرية القضايا والحكم، هذه الأخيرة التي ترفع التناقض علي مفهوم الوجود بالمعني الأفلاطوني (المعالجة المقولية)، بعلة ان الوجود واحد كموضوع ومتعدد كمحمول: سقراط هو سقراط، وهو بالضرورة نفسه. وهكذا فان الوجود ضروري كموضوع وبالمقابل كينونته يمكن ان توجد بأشكال مختلفة، تحيل علي مقولات مختلفة، كذلك مثل: الكيف والكم والوضع الخ.. . غصفحة 35ف.
وبذلك قام أرسطو بتقسيم الوجود بين موضوعات ومحمولات، والذي ينطلق ويراهن علي المعالجة القضوية للوغوس… فهذا التصور الأرسطي سيتعرض للهدم والتقويض من لدن هايدغر. هذا الأخير الذي نحا نحو افتراض لوغوس آخر الذي هو منطق الشعر، بل أكثر من ذلك سيكون بدون شك في حاجة الي الصمت والاتصالات غصفحة 40ف.
وبالتالي فقد اختار مارتن هايدغر الأنطولوجيا ضد الخاصية القضوية وضد الابيستيمي Epistڈme غصفحة 42ف. في الوقت الذي يعمل المعلم الأول فيه علي الجمع بين النزعة القضوية والأنطولوجيا.
وعلي هذا فقد كان مفهوم الوجود ودلالاته هو الحجة والدليل عل فشل النزعة القضوية وليس مفتاح تجاوزها ولن تكتسب الميتافيزيقا معناها الا بالتوقف عن كونها انطولوجيا، علما بان هذه الأخيرة تقابل بين العلم والميتافيزيقا،* باعتبارهما زوجين عجوزين ينهشان بعضهما بعضا، دون التمكن من الاستمرار في علاقتهما او من التفاهم او حتي من الطلاق غصفحة 45ف. ومن هنا حاول ايمانويل كانط مقاربة الميتافيزيقيا من حيث أنها مصدر المأزق والتناقضات التي تندرج ضمن العقل ذاته. فنقد العقل الخالص هو نظرية في الأسئلة ويجب في هذا الاطار التمييز بين الأسئلة ذات حل وتلك التي لا تتوفر علي أي حل. غصفحة 53ف، فضلا علي ان مؤلف نقد العقل الخالص ينطوي علي رؤيتين رؤية محددة في 1781، ورؤية محددة في 1787 ضمن الطبعة الثانية. وهذا هو الذي دفع هايدغر للحديث عن تراجع للطبعة الثانية مقارنة بالأولي غصفحة 56ف، اعني ان الاختلاف في النسخة (ا) يوجد الي جانب الموضوع، فستكون الوحدة في النسخة (ب) علي العكس الي جانب الذات. (صفحة 58). ثالثا: في مفارقة الهوي والوعي والعدمان تاريخ نظرية الوعي هو تاريخ الهوية والاختلاف. فالوعي لدي ديكارت هو وعي للذات، نوع من الذات المطلة علي باقي الأشياء والتي تكون جزءا منها. يبدو ان تقابل الذات/ الموضوع يستحضر الهوية والتعدد غصفحة 64ف. وقد كان من المفارقات ان العدم هو المحرك الأصيل والأساسي للتفكير الفلسفي، حيت تضاربت الآراء بين الفلاسفة وتباينت الرؤي بين المفكرين في شأن علاقة الوجود بالعدم. ففي نظر سارتر الذي ينتقد برغسون، هذا الأخير الذي يري الوجود في كل مكان والعدم بالنسبة اليه ما هو الا الفراغ الذي لا يمكن تصوره ولا قوله. ان فضل سارتر يتجلي في انه ابان علي امكانية تصور العدم دون ان نجعل منه فراغا ودون قطع الوجود وادخال الانكسار ومشاكل الاستمرارية فيه غصفحة 71ف.* لقد اكد المفكر البلجيكي ميشال مايير في كتابه العلم والميتافيزيقا عند كانط (1980): لا نعرف كثيرا هل كان هذا المؤلف غنقد العقل الخالصف يهدف الي تحديد الميتافيزيقا بين العلم او علي العكس جعلها محدودة بالطموحات المسؤولية لهذا الأخير غصفحة 44ف.
كما يتبين الهوي من حيث هو انفعال محسوس منغمس في نزوات الجسد، وبالتالي يضحي هذا الوعي الحسي هو الغريب الذي يسكننا يباغتنا ويخلق لنا الجديد الذي يفاجئنا (ديكارت)، لو لم يكن المحسوس يحمل معه الاف الأوهام والاف الاحساسات التي لا علاقة لها باستمرارية ولا بضمان العلم لما كان هناك من مشكل للأهواء غصفحة 76ف. وهكذا فالمفارقة تطفو علي السطح من خلال الصيغة التالية: اما اني اجهل حالة الهوي التي انا عليها ولا يمكن الوصول الي العقل لأني اخلط بينهما، واما اني اعرف هذه الحالة، اعرف بأني مخترق بالأهواء، ومن ثمة فأنا أوجد فيما وراء قبضتها، ذلك لأني اكتشفت أمرها غصفحة 78ف.
وقد اختلف حضور الهوي من جراء الفلسفات المختلفة القديمة (الرواقيين) والحديثة (ديكارت). لا مناص ان جهة النظر والرؤية الموجهة للعالم والوجود والذات لهذا الفيلسوف او ذاك، انما تساهم بقوة في رسم حدود القراءة والموقف المعرفي. وهذا هو ما حصل مع كل من هايدغر وكارناب في مسألة العدم او اللاشيء فـ العدم ينم وصفه في مصاف السلب أي علي مستوي المنطق. في حين ان الميتافيزيقا التي يريد هايدغر تطويرها، تتأسس علي الاختلاف الأنطولوجي غصفحة97ف. ومن ثمة فقد أخذ كارناب هايدغر علي صياغة بجمل تعطي بنيتها التركيبية الانطباع بان لها معني دون ان يكون لها في الواقع أي معني محدد غصفحة 98ف. مع ان كل نقد لتصور ميتافيزيقي ومحاولة الانفلات منه باسم الوضعية المنطقية او التجربانية يضع نفسه بالضرورة في نفس مستواها غصفحة 112ف ووفق هذا التصور يقول ميشال مايير: ان علم السؤال يقترح التفكير فيما افترضته كل من النزعة العدمية والوضعية. والمقصود بذلك رؤية معينة لما هو اشكالي ولما يحله او يلغيه. والا فان المشكلة التي تظل قائمة ستـطرح بشكل سيء وستعتبر بالتالي مغلوطة غصفحة 116ف.
وعلي هذا فان الفكر الأكثر جذرية يكون بفضل اسئلته، إذ لا شيء أكثر من السؤال المتعلق بعملية المساءلة ذاتها. هكذا تكمن الحكمة في تناغم النظرية والتطبيق وهو ما يعني هنا ارادة عدم التعامل مع العالم القائم والقيم الراسخة وكأنهما قائمان خارج السؤال. غصفحة 129ف. ان هوية الذات انما تسعي لبناء علاقات مختلفة ومتداخلة مع سائر الموجودات والأشياء. فهوي الذات هو بمثابة اللحظة التي يشعر فيها الوعي بأنه منغمس في شيء آخر غير ذاته وهذه صيغة مفارقة. غصفحة 136ف.
ونستجمع الكلام ونقول ان رؤية ميشال مايير قد باتت من الرؤي القوية والمتميزة معرفيا ونظريا واجرائيا بجانب وجهات نظر كبار الفلاسفة هايدغر وديريدا ودولوز… لتاريخ الفلسفة ومساراته وانعراجاته، تحولاته ونجاحاته. انه تاريخ الوجود الذي يرصد كيفية من كيفيات الوجود، ونمطا من أنماط الحقيقة. لكن من خلال شبكة من المفاهيم المركزية: كالمفارقة والمآزق والمغالطة والاحراج… هذه الأخيرة التي ساهمت في اخصاب الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر وفق ما يسميه المفكر البلجيكي ميشال مايير من اجل نقد تاريخ الأنطولوجيا.
ہ أستاذ باحث في الفلسفة وقضاياالفكر العربي المعاصر