“مسافر يطا” في الخليل.. “خزان أراضي” الضفة الغربية في قبضة التهويد

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

“القدس العربي”: 

تستمر منطقة “مسافر يطا” جنوب مدينة الخليل عنوانا مهما في الأخبار المحلية الفلسطينية، ولن يدرك المسؤول الفلسطيني الذي يجلس في مكتبه في رام الله قيمة منطقة مثل “مسافر يطا” من دون أن يزورها، وهي التي تتعرض منذ سنوات طويلة لأبشع عملية تهويد وطرد وهدم.

الحملة التي بدأها الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة على المنطقة عام 1982 تستمر وتتواصل من دون أن يكون هناك أي فعل فلسطيني مواز لخطرها أو طبيعتها.

وتبعد منطقة “مسافر يطا” (يسكنها 1300 فلسطيني) عن مدينة الخليل ما بين 14 – 24 كيلو متر، فيما تبعد عن مدينة مثل جنين تقع في شمال الضفة الغربية أكثر من 200 كيلو متر.

ويستشعر السكان هناك غياب الحكومة الفلسطينية بشكل عام، فإلى جانب حضور مهم تقوم به وزارة التربية والتعليم عبر نموذج “مدارس الصمود والتحدي” وهي أغلبها مدارس جديدة نسبيا (12 مدرسة) تغيب بقية الجهود الرسمية.

وقبل توفير المدارس في المكان ذي الطرق الوعرة، حيث التلال المتلاصقة القاحلة التي لا يقطعها إلا طرق ترابية فتحت بفعل عجلات “جيبات” رباعية الدفع والتركتورات الزراعية وخطوات فلسطينيين أكسبتهم الشمس سمرة البشرة، كان يضطر الطلبة للانقطاع عن أهاليهم وعائلاتهم كي يسكنوا في مدينة يطا عند أقارب لهم فيما تبقى عائلاتهم في منطقة المسافر، وهو أمر شكل لسنوات سببا للانقطاع عن التعليم ومشاكل اجتماعية بفعل البعد عن الأهل.

أما القرى الـ22 التي تقع على هضبة شرق بلدة يطا جنوب مدينة الخليل (شفا يطا ومسافر يطا) فهي: التواني، الفقير، جنبا، المركز، الحلاوة، خربة الفخيت، خربة التبان، خربة أصفي (الفوقا والتحتا)، ومغاير العبيد، البقلة، الطوبا، وشعب البطم، بير العد، فواويس، خربة المقعوارة، الركيز، خلة الديب، صارورة، وطوبا، والمجاز.

استهداف الجغرافيا

“الاستهداف في كل شيء، بقي الهواء، ولو تمكنوا من السيطرة عليه لمنعوه عن سكان المسافر” بهذه الكلمات تحدث ناصر النواجعة، المدافع فلسطيني عن حقوق الإنسان وباحث ميداني في مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة المعروف باسم بتسيلم.

وتابع قائلا: “ما يجري مخطط طويل المدى، بدأ قبل أربعين عاما والهدف منه أن يتم فصل مدينة يطا (120 ألف نسمة) عن منطقة “مسافر يطا” والتي تقدر مساحتها بأكثر من 30 ألف دونم”.

ويرى نواجعة أن الفصل يعني أن تبعد المزارعين والرعاة عن مساحاتهم الزراعية والرعوية وذلك من شرق يطا وحتى جنوبها وصولا للجنوب الغربي حيث بلدات السموع والظاهرية”.

وكان المشروع الاستيطاني قد بدأ من خلال “دق” مستوطنات على قمم الجبال في تلك المنطقة وهي اليوم بفضل استمرار المشروع الاستيطاني (9 مستوطنات) تمنع أي تمدد من منطقة يطا إلى “المسافر”، وبحسب نواجعة فكل ما يقع خلف جدار المستوطنات لا يمكن لنا التمدد عليه سكانيا أو زراعيا أو رعويا.

ويضيف: “قبل فترة حدث تطور آخر يتمثل في ربط المستوطنات في بعضها البعض من خلال مزارع استيطانية وهي تفعل دورا كبيرا في تشكيل عائق أمام الفلسطيني لتجاوزه، فالسكن أصبح مستحيلا في تلك المناطق وهذا على صعيد استهداف الجغرافيا”.

96 ساعة للاعتراض!

أما سياسات هدم المنازل، والحديث لنواجعة، فتقوم على ادعاء البناء من دون ترخيص، و”رغم أنهم يستعلمون القانون الأردني في ملفات الهدم وبنصه كان يمكن منح الفلسطينيين وقتا بين 14 – 21 يوما للاعتراض وهو ما كان استغله الفلسطينيون سابقا، لكن الأمر تغير قبل عامين حيث تم تعديل القانون بضغط من المستوطنين وأصبح أمام الفلسطيني 96 ساعة للاعتراض على هدم منزله وهي فترة قليلة جدا أمام أي تحرك قانوني”.

أما الجانب الثالث الذي يستهدف الوجود الفلسطيني هناك فيتمثل في إعلان المنطقة كلها (تقع من ضمنها 12 قرية فلسطينية) منطقة عسكرية مغلقة، وهي ليست إلا طريقة لمنع الفلسطينيين من التواجد فيها وذلك يترجم من خلال تدمير الشبكات الخاصة بالمياه والكهرباء والبنية التحتية.

ويؤكد نواجعة أن القرار العسكري الذي يحمل اسم (منطقة 918) بمقتضاه تحولت كل مساحة الأراضي المقدرة بـ30 ألف دونم لتكون ميدان رماية للجيش الإسرائيلي، رغم أن المساحات شاسعة في صحراء النقب والمناطق المجاورة لكن القرار هدفه الأساسي تحويل حياة المواطنين إلى جحيم حقيقي.

ومنذ السبعينيات أعلنت سلطات الاحتلال المسافر بموجب قرار عسكري رقم 918 منطقة عسكرية، وهو الأمر الذي تضاعف عام 1999 حيث استشرس الاحتلال في ملاحقة السكان بقرارات الإخلاء وهدم المساكن.

ويضيف النواجعة في حديثه الخاص مع “القدس العربي” أن التوسع الإسرائيلي الاستيطاني اليوم تجاوز منطقة 918 وامتد اليوم لمناطق مجاورة حيث تم تخصيص 7 آلاف دونم لمستوطنة منازع، و4 آلاف دونم لمستوطنة أخرى لتكون بمثابة أراض رعوية خاصة بالمستوطنين.

وعن طريقة سرقة هذه الأراضي يشير نواجعة إلى أن الاحتلال يقوم بالإعلان عن فتح “وهمي” لمجال الاعتراض على قرارات محاكم إسرائيلية لصالح المستوطنين فغالبا ما لا ينشر هذه القرارات، ولا يعممها وتكون بالعبرية، وبعد انتهاء الفترة الزمنية القانونية يقوم المستوطنون بالسيطرة على الأراضي ليكتشفوا أن مساحاتهم الزراعية والرعوية أصبحت رسميا للمستوطنين كما هو الحال أيضا مع مستوطنة “زنوتا” حيث أصبح لها مزرعة على مساحة 6 آلاف دونم.

ضرر بحق الاقتصاد الفلسطيني

وعن أثر ذلك التوسع الاستيطاني يحدد نواجعة أن خطورة ذلك كبيرة على الاقتصاد الفلسطيني لكونها تضر مباشرة بمصادر الزراعة والرعي لمئات المزارعين الذين يمتلكون عشرات آلاف الحيوانات.

يخبرنا الأهالي أن هذه السياسات تستهدف المنطقة التي تقدم لمدينة الخليل ومدن الضفة الغربية أكثر من 60% من نتاج الحليب والجبن واللبن والزبدة ومشتقات الثروة الحيوانية.

لا يتوقف الاستهداف عند هذا الحد، بحسب نواجعة، بل يتعداه إلى المياه، فالمصادرة على قدم وساق ومن 12 قرية في منطقة “المسافر” هناك قريتان مشبوكتان بالمياه، أما بقية القرى العشرة فتحصل على مياه الشرب والحياة من خلال صهاريج المياه التي تبتاعهم ثمن الكوب بـ 35 شيقل (أكثر من عشرة دولار).

وفي منطقة سوسيا التي تعتبر جزءا من “مسافر يطا” يوجد أكثر من 27 بئرا للمياه يمنع عنها الفلسطينيون وهذا يعني أن أكثر من 85% من الآبار التي حفرها الناس لا يمكنهم استخدامها.

وتشير تقديرات المزارعين إلى أن المزارع الفلسطيني هناك يلزمه أكثر من 150 كوب ماء في شهور الصيف الأربعة، وهو أمر يعتبر تكلفة عالية جدا يتكبدونها.

وعن ذلك يقول نواجعة تمر مياه شبكة “ميكروت الإسرائيلية” من جانب قرى منطقة المسافر لتزود المدن الإسرائيلية والمستوطنات المجاورة ورغم أن مصدر هذه المياه من المياه الجوفية في مدينتي بيت لحم والخليل (وهي مياه محتلة بحسب القانون الدولي) إلا إن الاحتلال يحرم الأهالي منها.

حجب الصورة

بدوره يطالب فؤاد العمور، منسق لجنة “حماية وصمود جبال جنوب الخليل ومسافر يطّا” بضرورة رفع الصوت عاليا، والعمل على إيصاله لكل العالم، فاستهداف منطقة المسافر في العمق هو استهداف لمستقبل دولة فلسطين.

يتحدث العمور مع “القدس العربي” وهو في وقفة تضامنية بالقرب من مستوطنة كريات أربعة، مع صحافيين قامت قوات الاحتلال الجمعة الماضي باعتقالهم على خلفية تغطيتهم لفعاليات المقاومة الشعبية في منطقة “أم الشيحان” في المسافر.

وقامت المحكمة بتوجيه تهمة اجتياز منطقة عسكرية مغلقة بحق الصحافيين حيث قدم لهم أوراق إحالة للمحكمة العسكرية وهو ما يمنحهم تقديم شكوى بحق الجنود الذي اعتقلوهم واعتدوا بالضرب عليهم.

والصحافيون المعتقلون هم: رائد الشريف، وجميل سلهب، ومشهور وحواح، وساري جرادات، وعبد المحسن شلالدة، وخليل ذويب، وإيهاب العلامي.

وبرأي الناشط العمور فإن هذا القمع متوقع ممن يريد أن يحجب الصورة عن العالم، والجنود تعمدوا اعتقال الصحافيين لكونهم يساهمون في نقل الصورة ونشرها وهو ما لا يريده الاحتلال ولا المستوطنون.

وطالب العمور بوضع “مسافر يطا” على خريطة المقاومة الشعبية، فما يجري فيها لا يقل أهمية عما يجري في “بيتا/ نابلس” والأغوار الفلسطينية أيضا.

وختم العمور حديثه مؤكدا أن الإعلام المحلي في منطقة الخليل يقدم تغطية جيدة لما يجري بالمسافر لكن الأمر يحتاج إلى تطوير ورؤية أكثر شمولا واستمرارية.

ويؤكد مثقفون من سكان المنطقة أنه لا مستقل لدولة فلسطينية، التي يقول الخطاب الرسمي إنه يناضل من أجلها، من دون “مسافر يطا” تماما مثلما هي الأغوار الفلسطينية التي تنال اهتماما أكبر من “المسافر”، وهي “جملة ترددت كثيرا على مسامعنا من السكان المحليين، فتلك المساحات الشاسعة على وسع المدى هي خزان للمنتجات الحيوانية بمقدار ما أنها خزان من الأراضي الممتدة التي تتسع للمصانع والمدن الصناعية والزراعة والمدن الجديدة في دولة فلسطين المنتظرة”.

وأمام هذا البؤس تعكس هذه المنطقة بناسها وحيواناتها مقولة “من يعيش على أرض يمتلكها” غير أن هذه المسلمة لم تعد كافية، فهي تواجه إجراءات الاحتلال ومستوطنيه ومحاكمه ومخططاته المستقبلية في أرضنا ومائنا أيضا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية