«مسالك القراءة» لأحمد شراك: الثقافة المغربية تمثلات فردية في غياب أي منظور مؤسسي

ينشغل الباحث السوسيولوجي المغربي أحمد شراك بإشكالية جدلية الضمور والظهور في الكتابات المغربية والعربية، على صعيد الكتابة كفعل من حيث مخاضها في الولادة العسيرة، وما يتولد عنها من أسئلة الاستثمار في الثقافة المكتوبة، بهدف المساهمة في كشف اللاشعور الثقافي، على صعيد إيقاع البنيات الفكرية والثقافية، من أجل استشراف استراتيجية ثقافية جديدة للثقافة المغربية المعاصرة في الألفية الثالثة.
ضمن هذا الإطار، يأتي كتاب «مسالك القراءة» الصادر ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب، وفق منظور سوسيولوجي عام في التناول والملامسة، وكذا استنادا إلى تجربة المؤلف المزدوجة، ككاتب وناشر أيضا، من خلال عضويته السابقة في لجنة القراءة في إحدى دور النشر، واستفادته من طريقة عمل الدار.
يتناول أحمد شراك مسار وتطورات الكتابة المغربية، من زاوية الفاعلين، فيلاحظ أنها قامت وما زالت تقوم على أكتاف رجال التعليم بمختلف تراتبياتهم المهنية والمؤسسية في الخط الأول، ثم يليهم الموظفون في قطاعات مختلفة، وفئة قليلة من الصحافيين. ويستعرض بعض إشكالات الكتاب الثقافي في المغرب على مستوى الصناعة، وعلى مستوى الحقوق المادية بين المؤلف والناشر، مؤكدا على حالة انحسار الكتاب، إذ لا يتجاوز السحب غالبا ما بين 1000 و3000 نسخة.
ومن أجل ملامسة أفق الانتشار، يقترح المؤلف إجراء بحوث علمية تتعلق بسوسيولوجيا القراءة، لمعرفة حاجات القارئ المعرفية والإبداعية، ثم لمعرفة أسباب العزوف عن القراءة، وكيفية توسيع قاعدة القراء، ومن ثم توسيع قاعدة القراء. كما يشدد على ضمان قاعدة من «القرّاء المقرّرين»، وذلك بضرورة اقتناء كل المؤسسات والوزارات لنسخة واحدة من كل عنوان مغربي يصدر خلال السنة. ويقترح أيضا فتح سوق مغاربية وعربية للكتاب، معتبرا أن عدد الجوائز التي يحصل عليها المغاربة في الخارج، تنم عن تطور كيفي في مجال الكتابة والتأليف في المغرب. وينادي بضرورة تكريم وتشجيع الكتّاب من خلال المؤسسات التي ينتسبون إليها مهنيا ووظيفيا، ويؤكد كذلك على ضرورة مساهمة المؤسسات العلمية في نشر الأبحاث والأطروحات الجامعية.
وخلال طرح التكامل الموجود بين الثقافة والإعلام، يتوقف شراك عند الإعلام السمعي البصري والكتاب، فيدعو إلى إعلام ديناميكي مبدع وفعال، يجمع بين المستوى الإخباري والمستوى التحليلي النقدي، يستحضر المؤلفين والنقاد والمساهمين في صناعة الكتاب والقراء. ثم ينتقل إلى علاقة الكتاب بالإعلام المكتوب، الذي يجمع بدوره بين الإخبار والتحليل والنقد، ليعرج على ما يسميه «الإعلام التحتي»، قاصدا به ذاك الذي تمارسه بعض الجمعيات الثقافية الفاعلة في المجتمع، من خلال تنظيم قراءات لبعض الإصدارات أو الإعلام الذي تمارسه بعض المكتبات، علاوة على حفلات تقديم وتوقيع الكتب.
ويكشف أن طموحه هو أن يستوعب الكتاب وسائل الإعلام، عوض أن تستوعبه فيصبح جزءا منها أو يذوب في كيانها؛ علاوة على تحرر الإعلام الثقافي من أسار الحساسية المتعلقة بجاذبيتين: جاذبية النفي والإلغاء، وجاذبية التكريس والتلميع.
وأثناء تحليل قضية «الكتابة الفائزة»، يوضح المؤلف أنه بقراءة إحصائية بسيطة للفائزين بجائزة المغرب للكتاب، يتأكد أنها أصبحت جائزة الجامعة المغربية بامتياز، لأن أغلبية الحاصلين عليها ينتسبون إلى الحرم الجامعي. بيد أن الجائزة لم تحقق مفعولا رمزيا مدويا وسط القراء، ولم تغير معادلة السوق الثقافية، ولم تتجاوز المادي الذي يحصل عليه الكاتب الفائز رغم محدوديته.

ليست المجلة الثقافية في المغرب بأحسن حال من الكتاب الثقافي، من حيث التوزيع والتسويق، نظرا لانحسار انتشارها في السوق القُطري وغياب شروط ملائمة لجاذبية القراءة.

من الثقافة العامة إلى الثقافة العالمة

بعد ذلك، يرصد المؤلف ما اتسمت به المجلات المغربية خلال عقد الستينيات، وعقد السبعينيات خصوصا من ارتباط عضوي بين السياسي والثقافي، بل إن الثقافي لم يكن إلا صدى للسياسي وتابعا له، وبشكل مباشر في أحيان كثيرة، إن على صعيد الإبداع، وإن على صعيد النقد والفكر. ومن هنا كانت الثقافة المغربية ترجمة للمشهد السياسي في رهاناته وإكراهاته، أو في إشراقاته. الأمر الذي انعكس بصورة جلية على المجلات، فظهرت مجلات ناطقة باسم الفاعلين السياسيين. إنه سؤال المرحلة، الذي كانت تغلب عليه صيغة التصادم بين الدولة والسياسي من جهة، والدولة والمثقف من جهة أخرى. ليعقبه جدل الثقافي والأكاديمي، انطلاقا من الثمانينيات، حيث تعمق الحضور الأكاديمي والمعرفي، وفي كل التخصصات، ما انعكس على إصدار المجلات، التي تجلت فيها روح العلم وروح التخصص، حيث ظهرت مجلات علمية متخصصة في الدراسات النفسية والتربوية، والدراسات الأدبية واللسانية، والعلوم الاجتماعية، والسينما والعلوم الإنسانية والفلسفة، والمسرح، بالإضافة إلى مجلات مرتبطة بمؤسسات جامعية.
يرجع الكاتب تقابل الثقافة/ الأيديولوجيا، والثقافة/ العلم بالنسبة للتحقيب الأول (السبعينيات) إلى عوامل سياسية وتاريخية، تعود الى طبيعة الظروف الموضوعية في تلك المرحلة. ومن ثم كان الثقافي تابعا للسياسي، في حين يعود مرد التخصص العلمي إلى أطروحة نضج الظروف الموضوعية، المتمثلة في توفر كوادر وكفاءات علمية تكونت في الحقل الجامعي المغربي، أو الأجنبي. ويتصدى الكاتب لمناقشة هاتين الأطروحتين، مشددا على كونهما ليستا خاطئتين بشكل مطلق وليستا صحيحتين بشكل مطلق.
على صعيد المجلات ذات المشاريع الثقافية، أو المحسوبة ضمن هذا الإطار، فإنها ـ كما يقول المؤلف ـ ظلت تلعب دور الوسيط المعرفي والثقافي، فهي أدوات مهمة في الإشعاع والتعريف وتوصيل المعرفة والأدب، ولكنها لم ترق إلى مستوى تشكيل توجه متميز، يفرز جماعات ثقافية، أو تيارات جمالية وأدبية، كما هو الشأن في الغرب، وفرنسا بالخصوص، التي أفرزت تيارات فكرية وأدبية من خلال المجلات.

مشهد التراكم

ويحلل طبيعة تشكل المجلات الثقافية مبرزا ما يعترضها من إشكالات، فيلاحظ أنها تصدر في الغالب عن جماعة من المثقفين، كمبادرة يوحدها هاجس الحضور الثقافي، في غياب تمأسس حقيقي، إذ يغلب عليها طابع التطوع الفردي، ونادرا ما يكون جماعيا، أي أنه إذا كانت بعض المجلات تتكون من هيئات تحرير وأخرى استشارية، فإن هذه الهيئات عادة ما يحركها فرد أو فردان، أكثر حماسة وأكثر فعلا، يقومان بكل الوظائف المؤسسية والتحريرية والتسويقية وغيرها.
ليست المجلة الثقافية في المغرب بأحسن حال من الكتاب الثقافي، من حيث التوزيع والتسويق، نظرا لانحسار انتشارها في السوق القُطري وغياب شروط ملائمة لجاذبية القراءة. ومن ثم، تكون تلك المجلات عرضة للتوقف والاختفاء. وارتأى الكاتب تسليط الضوء على عدد من التجارب في مجال النشر الثقافي، من بينها تجربة «الاختيار» التي أصدرتها مليكة العاصمي في السبعينيات ثم تجربة «أنوال الثقافي».
يميز المؤلف بين مستويين قائلا: هناك الاستمرارية الفردية (فهناك من فرض حضوره على امتداد ثلاثين سنة أو أكثر)، وهناك الاستمرارية الجماعية التي يتحكم فيها منطق التناوب والحضور بأياد مختلفة، وهو منطق لاشعوري يتحكم في كل الإصدار المكتوب في المغرب، بما في ذلك الصحافة الثقافية والجهوية، ويشكل أوكسجين الثقافة المغربية، وسر حياتها واستمراريتها، رغم محاولات القتل والتهميش واللامبالاة… وهنا يكمن الإبداع في المسار على المستوى الكمي والكيفي أيضا للكتابة المغربية، وللإشعاع الثقافي، خاصة في مجال الكتابة النقدية والأبحاث الفكرية والعلمية..
وأفرد المؤلف صفحات لتجربة أجنبية تعرف عليها عن كثب، تتعلق بالإعلام الجهوي، وهي صحيفة «التقدم» الفرنسية، ذاهبا إلى القول: إن المقارنة غير المتكافئة بين صحفنا الجهوية وصحف الآخر تفتح هامشا للتأمل في وضع صحفنا الجهوية، التي تصر على الصدور والحضور من الشرق إلى الشمال إلى الغرب إلى الجنوب، صدى في كل المدن في فاس وتاونات وغيرها، وهي مصرة على تخصيص صفحة لمثقفي وكتاب المدينة والجهة.

٭ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية