مساهمات محمد عليم في استعادة المجال العام: الناقد اللساني والنقد الثقافي

د. سيد ضيف الله
حجم الخط
0

محمد عِليم ناقد وأكاديمي مصري، له قدمٌ راسخة في دراسة الشعر العربي الحديث؛ حيث أولاه الكثير من الاهتمام والعناية، فقد درسه بُغية رصد تطور ظاهرة الصعلكة، مقارنًا بين تجلياتها في الشعر العربي القديم والشعر العربي الحديث، وذلك في كتابه «الصعلكة في الشعر العربي الحديث» 2016، في جزئين. كما يُحسب لعليم أنه ربما كان من أهم النقاد الذين تحدثوا بعمق عن شعرية المشهد، وذلك حين طبّق تصوره النقدي لشعرية المشهد على شعر محمود حسن إسماعيل، وذلك في كتابه «شعرية المشهد دراسة في الأنماط والنصية» 2012.
مؤخرًا بدأت الرواية والقصة تزاحم الشعر في مدونة عليم النقدية، لكن ما لاحظته أن ذلك الخروج الخجول من الشعر الأثير لديه إلى غيره من الأنواع كان مقرونًا بتوتر منهجي شديد الوضوح. وكأننا أمام حالة جذب لناقدٍ لساني نصوصي من عالم الشعر الأثير إلى منطقة النقد الثقافي المُحفِّز لدى غالبية المشتغلين به على الانشغال بالرواية والقصة، فكانت المحصلة أننا مع محمد عليم في حركة خجولة من النقد اللساني باتجاه النقد الثقافي عبر بوابة التأويل كما تبدّى في كتابه «مدى النص، أفق التأويل» 2019. وفي 2021 يتم التعبير بوضوح في مدونة عليم النقدية عن هذا القلق المنهجي في كتابه الأخير «النقد والثقافة النقدية في مستويات التأويل» الصادر عن سلسلة الدراسات الأدبية بالهيئة المصرية العامة للكتاب. وهذا الكتاب هو تحديدًا موضوع هذه المقالة.
يعبّر محمد عِليم بوضوح عن حرصه على الإسهام في أنْ تكون الثقافة المُستقاة من مجال النقد الأدبي مكوِّنًا من مكونات ثقافة القارئ العام في العالم العربي. وهذه -عندي- من أهم علامات الاتجاه الحثيث من النقد اللساني النصوصي إلى منطقة النقد الثقافي والدراسات الثقافية في خطاب محمد عليم النقدي. فالقارئ العام أو المثقف العام غاية النقد الثقافي، وكان يجب أن يكون غاية نقاد الأدب بشكل عام، لكن انغلاق لغة الخطابات النقدية الشكلانية على نفسها -في كثير من الحالات- جعلها تشبه لغة كهنوتية لا يفقهها سوى الكهنة.
يُمسك محمد عليم برُمانة ميزان اللغة النقدية القادرة على استعادة المثقف العام لمجال النقد الأدبي حيث يرفض الصرامة الأكاديمية المُفرطة في إحالاتها المتقعرة في لغتها، الملغزة في أطروحاتها، لأنها تصيب النص النقدي بالجفاف، ومن ثم يعزف عنه المثقف العام، وبالقدر نفسه يرفض محمد عليم الإفراط في الانطباعية في الخطاب النقدي لأن ذلك- عنده- ينزع من النص النقدي البوصلة المنهجية الضابطة له. يتم ذلك بسلاسة عبر إعادة محمد عليم الاعتبار لمفهوم الانطباعية في النقد، كاشفًا عن أن اختيار الناقد لنص معين شكلٌ من أشكال الانطباعية، ويمكن النظر له على أنه بمثابة تعبير عن ذائقة تمثل ضرورة من ضرورات البدء في الاشتغال النقدي المميز على النص.
أما العلامة الثانية من علامات سير الناقد اللساني النصوصي الحثيث نحو النقد الثقافي، فهي أنه جعل من تثقيف القارئ العام بالمعرفة النقدية غاية سعى إليها عبر اشتغالها على الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرحية الشعرية والخطاب النقدي في كتابه هذا، موضوع مقالتنا وشغلها الشاغل.
لقد اشتمل كتاب «النقد والثقافة النقدية» على ثلاثة محاور، اختص أولها بالشعر فدرس مؤلفه قصائد ودواوين لشعراء ينتمون لأجيال مختلفة وهم علاء عبد الهادي، حلمي سالم، رفعت سلام، محمد السيد إسماعيل، فتحي عبد الله، وصلاح دبشة. أما الفصل الثاني فقد خصصه لفنون الرواية والقصة القصيرة والمسرحية الشعرية وأطلق عليها «نصوص سردية». وفي هذا الفصل درس محمد عليم رواية «31» لأشرف أبي اليزيد، ومجموعة شريف صالح القصصية «بيضة على الشاطئ»، وكذلك قصص أماني فؤاد «لأسباب أخرى تعتم النجوم»، كما درس مسرحية شعرية بعنوان «لمسة البعث»، ومجموعة قصصية بعنوان «الصقر والصليب» لمؤلف واحد هو أحمد سراج. وفي الفصل الأخير درس عليم ثلاثة تجليات للنص النقدي هي: «في البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية» لسعد مصلوح؛ و«شعرية غياب المرجع» لأبي اليزيد الشرقاوي؛ و«أزمة النقد وانفتاح النص» لمحمود الضبع.
إن الجمع بين الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرحية الشعرية والنص النقدي في كتابٍ واحد يعبر – من وجهة نظري- عن رغبة لدى الناقد اللساني النصي في تخفيف القيود التي ألفناها في الكتابة النقدية ومنها التقيد بنوع أدبي واحد في كل كتابِ نقدي، لأن غاية كتاب محمد عليم هي الكشف للمثقف العام بوضوح ومنهجية عن كيفية التعاطي مع أشكال الأدب المختلفة وكيفية تقييم الخطاب النقدي دون رهبة. ليس هذا فحسب، إذ تجدر الإشارة إلى أن محمد عليم يتجاوز الوعي النقدي الذي كان يدفع النقاد لوضع متاريس ضخمة للفصل بين الأنواع الأدبية، حيث نجده ينشغل بدراسة التخييل المشهدي في الشعر، وينشغل باللغة الإشارية الشعرية في القصة القصيرة.
وبشكل جلي، يكتب محمد عليم عن وعيه النقدي بحركته المنهجية ومحاولته التضفير بين اللسانيات النصية والتأويل والنقد الثقافي، حيث يقول: «وهذا كتاب في النقد التطبيقي، إلا قليلاً اتكأ على خطابات إبداعية متنوعة عبر محورين رئيسين في التناول، أولهما: المنهجية اللسانية النصية في بعض إجراءاتها وأدواتها المنضطبة في التأويل، وثانيهما: التخييل في بعده المشهدي الكلي، وهناك محور ثقافي مضمر لم يُعلن عن نفسه صراحة» (ص8).
يمكن القول إن توظيف محمد عليم للإجراءات والأدوات المنهجية التي تمرّس عليها طوال مسيرته النقدية في الدرس اللساني والنصي للأنواع الأدبية المختلفة، هو توظيف غايته تقديم خطابٍ نقدي بين يدىّ القارئ العام على أن يكون واضحًا وجذابًا في عرض أفكاره وذا منهجية منضبطة في الوقت نفسه. وبهذا يقف عليم على مشارف منطقة النقد الثقافي، لكنه لازال يضمر في مدونته النقدية مواقف الناقد اللساني أو النصي من قضايا تقف دون نسبة جهده إلى النقد الثقافي على مستوى الوعي بمبادئ الاشتغال من منظور النقد الثقافي.
أميل إلى الاعتقاد بأن الناقد اللساني والنصي بحاجة لأن يعيد التفكير في النظر إلى المذاهب النقدية الوافدة باعتبارها إرثًا حضاريًا غربيًا على الناقد العربي أن يتعاطى معها على نحوٍ يقود إلى خلق نظرية نقدية عربية حديثة (ص7). وأعتقد أن ثمة بوناً شاسعاً بين الوعي بالمذاهب النقدية باعتبارها نتاجًا ثقافيًا والوعي بها باعتبارها منتجًا عرقيًا لعرق من الأعراق. من المهم للناقد الثقافي أن يكون كاشفًا عن التنوع الثقافي الإنساني، مقاومًا المركزية النقدية والجمالية في تجليها «الغربي»، وبالقدر نفسه من الأهمية بمكان أن يقاوم غريزة أن يكون الانتماء العرقي أو الطبقي أو الديني للمثقف قائدًا لوعيه النقدي والجمالي.
وفي ظني أيضاً أن الناقد اللساني النصي بحاجةِ لأن يتأمل مجددًا كيفية تحقيق التناسق بين الاعتقاد بضرورة أن يكون نقد الشعر عِلماً، بينما يقف اليوم على أرضية التأويل بأفقه الفلسفي المتباين مع الأسلوبية أو النقد اللساني والنصي بشكل عام. فقد أظهر محمد عليم يقينه بحاجتنا لتجربة سعد مصلوح النقدية للتعلم العملي بإمكانية وجود نظرية نقدية عربية حديثًا، وردد بإعجاب واضح مقولة مصلوح أن دراسة الشعر «علم محكوم بأصوله واشتراطاته». لذلك أظن أننا هنا بإزاء مهمة للناقد، المضمِر لسؤال الثقافة في كتابه ولم يُقدِم عليها لسببٍ ما، وهذه المَهمة تكمن في تحديد مفهوم عِلم النقد في ظل الانشغال بمستويات التأويل.
إن مهمة إظهار اختلاف الناقد اللساني والنصي الواقف على مشارف النقد الثقافي محمد عليم، عن نموذجه النقدي اللساني النصي المتمثل في منجز سعد مصلوح النقدي، كانت ضرورية ليس فيما يخص التعارض الظاهر بين تصور نقد الشعر عِلمًا وبين الانشغال بمستويات التأويل ، وإنما لحل النزاع الحاصل في مدونته النقدية بين الاعتقاد الموروث عن مصلوح بأن علم النقد علمٌ يحتكم لأصول الشعر واشتراطاته، وفي الوقت نفسه الدفاع النقدي عن التجريب الشعري باعتباره قيمة جمالية أعلى تثمينًا لديه من النمط السائد في الكتابة. يقول عليم: «التجريب في الشعر يعني في أبسط دلالاته عزوفًا عن نمط ساد واستقر لم يعد مناسبًا بما يكفي، وآخر يُغري بمزيد من الإثارة النابعة من واقع جديد يعيشه الشاعر، ذلك سببٌ أول، أما الثاني فهو متصل برأس الشاعر وثقافته ومراجعاته لفكره وفنه وعلاقته بواقعه المعيش» (ص42).
أظن أن العِبرة في فك الاشتباكات المفاهيمية في مرحلة وقوف الناقد اللساني النصي على مشارف النقد الثقافي ليست بالانحياز لطرف على حساب طرف، بقدر الوعي بالاشتباك أولا، وتحقيق الانسجام المفاهيمي لمدونته النقدية على أساس من الاعتقاد بالتنوع الثقافي الجمالي والانطلاق من أن هناك جماليات متعددة وليست جمالية واحدة وأن كل جمالية لها حق الوجود الثقافي وأن التثمين النقدي المناسب يتحدد وفق مواقع النقاد الثقافية بتعبير هومي بابا، وليس وفق أصول واشتراطات لسانية نصية ثابتة عبر الزمان. ومن ثم، لا حاجة للقول بأن الناقد الثقافي – في ظني- ينطلق من عدم تفضيلٍ جمالي أو فلسفي لـ«الموضوعية» على حساب «الذاتية» في اشتغاله النقدي على المنتجات الثقافية سواء كانت أدبية أو فنية أو فكرية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية