زهير أندراوسالناصرة ـ ‘القدس العربي’ قال البروفيسور إيال زيسر، المستشرق الإسرائيلي المتخصص في الشأن السوري إنه في الواقع ظل النظام السوري على قيد الحياة على الرغم من النعي المتكرر له منذ نشوب الثورة، لا بل أظهر قدرة مدهشة على الصمود، لافتًا إلى أن الثورة السورية في المرحلة الأخيرة من الصراع ستكون طويلة ومستمرة.وفى الواقع، تتسم المعركة الدائرة في سورية بأنها ليست صراعا تتخلله تطورات دراماتيكية، بل هي أقرب إلى أن تكون معركة استنزاف طويلة ودموية، يتقدم خلالها الثوار إلى أهدافهم خطوة خطوة. وتابع قائلاً إن نجاح الثورات في الدول العربية دفع بالكثيرين إلى توقع أن تنجح الثورة في نهاية الأمر في سورية أيضا، وألا يستطيع الأسد الصمود فئ وجه الانتفاضة ضد نظامه، لكن هذا النظام أظهر وحدة وقوة، ونتيجة لذلك تحول الصراع إلى حرب بقاء المنتصر فيها هو الطرف الذي يتمتع بنفس طويل وقدرة كبيرة على الصمود، وهكذا غرقت سورية في مستنقع، وخلال المعارك تحولت سورية إلى ساحة جهاد تدفق إليها المتطوعون الشباب من كل أرجاء العالمين العربي والإسلامي بهدف محاربة النظام.وخلال عامين، قام النظام والثوار على حد سواء بتقويض معظم ما يمكن اعتباره إنجازات حققتها العائلة الأسدية، وحولا سورية إلى دولة فاشلة تقف على حافة الانهيار، حيث توقفت فيها معظم المؤسسات الرسمية عن العمل، وتمزق بسرعة نسيج الحياة المشتركة بين طوائف الدولة وعشائرها وأبناء المناطق المختلفة، والذي كان ثمرة تراكم عمل طويل، وتحولت سورية إلى دولة تتلقى اللكمات وإلى مركز للتدخل الإقليمي والدولي.وتابع قائلاً: شهدت المعركة الدائرة في سورية سلسلة من الحوادث ومن المعارك التي جرت في أماكن محلية مما جعل من الصعب رسم صورة واضحة لسير هذه المعركة. ومن حين إلى آخر برزت تقديرات بأن نظام بشار الأسد يقترب من نهايته، وذلك في ظل ما اعتبر نجاحات معينة حققها الثوار، وقد تكون هذه التقديرات اعتمدت بصورة خاصة على واقع استناد الثوار إلى التأييد العميق للمجتمعات في مناطق الريف وفى مدن الأطراف التي شكلت خزانا لا ينضب لمد الثوار بالمقاتلين والنشطاء المتعطشين لتحقق النصر، لكن هؤلاء كانوا يفتقرون إلى الوحدة الداخلية، وإلى تنظيم أعلى يوحدهم ويشكل زعامة وقيادة فاعلة.وقد برزت بين هؤلاء الثوار مجموعات مسلحة وميليشيات تركزت عملياتها في الأماكن التي يسكتونها وكانت ذات نتائج محلية فقط ولم تكن لها أهمية إستراتيجية. إنما تبين فيما بعد أن عمليات هذه المجموعات من الثوار لها أثر تراكمى وبطيء وتدريجي بدأ يقضم قواعد النظام في كل أنحاء الدولة. إن التمعن في الخريطة السورية بعد عامين من الصراع يظهر الصورة التالية:أولا: فقد النظام السيطرة على المناطق الحدودية مع تركيا والعراق، وبصورة جزئية على الحدود مع لبنان والأردن، وباتت جميعها اليوم في قبضة الثوار.في المقابل، فإن المناطق الواقعة شمال الدولة باتت في قبضة الأكراد الذين يعملون من أجل إقامة حكم ذاتي كردى.ثانيا: إن منطقة الجزيرة الواقعة شرق سورية، والمعروفة بوجود حقول النفط والغاز وخزانات المياه فيها وبوفرة المحاصيل الزراعية، لم تعد واقعة تحت سيطرة النظام.ثالثا: إن مدينة حلب، ثاني أكبر المدن في الدولة، باتت أجزاء كبيرة منها تحت سيطرة الثوار، بينما تتلاشى سيطرة النظام عليها، كما يفقد النظام السيطرة على الطريق التي تربط شمال سورية بجنوبها والتي باتت اليوم جزئيا في قبضة الثوار. ويمكن القول إن استمرار الهدوء في جبل الدروز فى الجنوب، وفى منطقة العلويين في الشمال، وفى منطقة الساحل وفى قلب العاصمة دمشق، يعكس رغبة البرجوازية السورية بالاستقرار، لكنه لا يضمن بقاء النظام الحالي. ويمكننا الافتراض بأن النظام قرر التخلي عن السيطرة على المناطق الحدودية البعيدة، وكذلك عن منطقة الجزيرة كي يركز جهده للدفاع عن محور دمشق ــ حلب، العمود الفقري للدولة السورية. لكن على الرغم من ذلك فإن خسارته لحلب والصعوبات التي يواجهها في المحافظة على سيطرته على دمشق، سوف تؤدى مستقبلا إلى جعل النظام السوري محشورا في منطقة الساحل.في ظل مثل هذا الواقع، قال زيسر، الذي نشر دراسته في (تسومت مزراح هيتخون) وقامت بتعريبها نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، فإن الخيار الوحيد الذي يبقى لديه هو إقامة حكم علوي. في المقابل فإن معسكر الثوار يلاقى صعوبة في تنظيم وتوحيد صفوفه وفى طرح نفسه بديلا من النظام الحالي، وذلك على الرغم من كونه لا يفتقر إلى التمويل ولا إلى السلاح الذي يتدفق عليه من دول الخليج عبر تركيا، بالإضافة إلى المتطوعين الذين يأتي أغلبيتهم من الأرياف ومن الضواحي. ويبدو أن ضعف هؤلاء الثوار الناتج عن سوء تنظيمهم، تحول إلى نقطة قوة نظرا للصعوبة التي يلاقيها النظام في إيجاد الرد الملائم على حرب العصابات التي يشنها هؤلاء ضده.وفي هذه الظروف فإن محاولات النظام استخدام صواريخ سكود ضد مجموعات الثوار محكوم عليها بالفشل المسبق. وفي الواقع، فإن النظام السوري يجد صعوبة في الدفاع عن رصيده، وفى ترجمة الدعم الشعبي الذي ما زال يحظى به إلى قوة عسكرية يستطيع استخدامها ضد الثوار.كما أن هذا النظام مضطر إلى مواجهة مشكلة الفرار الدائم من صفوفه، وخسارة سيطرته على المناطق التي تنتقل إلى قبضة الثوار، والتراجع المستمر في موارده الاقتصادية. في الفترة الأخيرة أعطى نائب الرئيس السوري، فاروق الشرع، مقابلة لصحيفة (الأخبار) اللبنانية، قال فيها إن النظام غير قادر على إخضاع خصومه وأنه لا يؤمن بالحل العسكري. ويشير هذا الاعتراف إلى الأزمة التي يعانيها النظام في دمشق. وما يمكن قوله هو أن الصراع في سورية سيستمر لفترة من الوقت لأن النظام يقاتل دفاعا عن حياته، وهو ما زال يملك مصادر قوة لا يمكن الاستهانة بها. كما أن الجيش النظامي لم يتفكك وما زال النظام يحظى بتأييد الأقليات ومعهم جزء من أبناء الطائفة السنية، بصورة خاصة سكان المدن الكبرى. لكن، في حال استمرت وجهة التطورات على النحو الذي شهدناه في العامين الأخيرين وتصاعدت كما حدث في الأسابيع الأخيرة، من الصعب أن يبقى الأسد في منصبه فترة طويلة من الزمن، على حد تعبيره.qarqpt