مستقبل الشِّعر

حجم الخط
0

مهدي نصيرهل للشِّعر تاريخ؟

سؤالٌ قفزَ إلى ذهني وأربكني، فعلاً هل للشِّعر تاريخٌ ونمو وتطوُّر ومراحل وصورةٌ عُليا سيصلُ إليها في يومٍ ما من التاريخ؟

أم أنَّه نبتٌ متحوِّلٌ مُتغيِّرٌ بطبيعتهِ، لا يثبتُ على حالٍ وليس له تاريخٌ يمكن استقراؤه والبناء (رياضيَّاً) على بنيته للتنبؤ بحركته وقوانينها والتنبؤ بمستقبله؟.

الشِّعر ككلِّ بناءٍ عميقٍ في العقلِ البشري يحتلُّ طيفاً واسعاً من حركة الواقع والعقل وطيفاً واسعاً من طبقات منتجيه ومستوياتهم.

ويحتلُّ كذلك طبقةً عاليةً من طبقات التاريخ المتحوِّل والقادر على تطويع البُنى العميقة وعجنها في معاجنهِ اليومية ومطاحنه الشَّرسة التي لا تتوقَّف، واستخدامها كأداةٍ من أدوات سلطتهِ الطاغية.

في هذا السياق علينا أن نميِّز عميقاً بين الشِّعر والشُّعراء>,فالشُّعراء لهم تاريخٌ في تطوّرهم وتطوّر أدواتهم وهم يقتربون ويبتعدون عن الشِّعر والشِّعريَّة وحديقتها السريَّة التي لا تبوح بعطرها الخالد إلا لِما.

وعلينا أيضاً أن نُميِّز بين الشِّعر والقصيدة، فالقصيدة قبضةُ طينٍ سامريَّة والشِّعر هو الملاكُ الذي عبر فوقَ هذا الطين. لأدوات القصيدة تاريخٌ ومستقبل، أما الشِّعر كبنية عميقة للروح الإنسانية وللعقل البشري فإنه نبتٌ غريبٌ متحوِّل ومتغيِّر وظاهر ومتخفِّ، يتجوُّل بين الناس ويعتكف ويعتزل ويندمج ويعلو ويسقطُ، لكنه لا يموت.

الشِّعر هو المرأة الجميلةُ الفاتنةُ والعارية، والتاريخُ بالنسبةِ لها هو ثوبُها وقِرطُها وتسريحةُ شَعرها ومعطفُها وحذاؤها وحقيبةُ يدها وهاتفها المتحرِّك، ونحن عندما نقرأ الشِّعر العربي الحقيقي منذ أقدم نماذجه التي وصلتنا وحتى الآن نجد تلك المرأة المدهشة برائحتها وأنوثتها وغوايتها كأسطورةٍ تظهر وتختفي وفي كلِّ جيلٍ يُلبسُها الشُّعراء تاريخهم ويُعمِّدونها بإيقاعاتهم التي تتدرَّجُ من المُكرَّر والباهت والمجتر والممضوغ إلى المبتكر والبكر والمدهش والذي يجعل من الشِّعر هذا الطيف الواسع المتدرِّج وفقاً لدرجة الوله والقُرب أو البُعد من جسدِ هذه المرأةِ وروحها.

وبناءً على ما تقدَّم فموسيقى الشِّعر وإيقاعه تقع ضمن الأدوات التاريخيَّة التي استخدمها الشُّعراء كبُخور وتعاويذ للاقتراب من الشِّعر والمرأة- الشِّعر، وهذه الموسيقى والإيقاعات مُنتَجٌ تاريخيٌّ يتطوَّر ضمن سياق تطوّر اللغة التاريخي وتطوّر الأمة والشَّعب الذي ينتمي لهذه اللغة.

فإيقاعات الشُّعراء الجاهليين العرب المتنوِّعة وإيقاعات شعراء العصر الأموي والعباسي والأندلسي وابتكاراتهم وتنويعهم وخروجهم بمخمَّساتهم وتربيعاتهم ومسمَّطاتهم وتشطيراتهم وموشحاتهم وزجلهم وبندهم، كلُّ هذه أثواب وأقراط وتعاويذ يتقرَّبون بها إلى تلك المرأة الشِّعر، فتظهر فاتنةً حينَ يعجبها الثوب والقِرطُ وتختفي وتغضبُ حين ترى مَن يريد إلباسها ثوباً مُستهلكاً لبسته غيرُها قبلها.

في الشِّعريَّة العربية الحديثة بحثٌ محموم عن الجسد العاري وخلع لأثواب التاريخ عن أنوثته وغوايته وفتنته خلع الوزن والقافية والبلاغة والبيان والعودة باللغة إلى مُجرَّداتها الأولى ونتوءاتها البريَّة، وربَّما كان هذا شكلاً صارخاً وتاريخيَّاً جديداً وأصيلاً في أدوات الشِّعريَّة العربية في الاقتراب من الشِّعر بمعناه العميق بعيداً عن الأثواب التاريخيَّة التي تأبَّدت عصوراً حتى اهترأت وملَّتها تلك المرأة الشِّعر فاعتكفت قروناً طويلةً لا تقترب من أيٍّ من الشُّعراء إلا لِماما.

في الشِّعريَّة العربية الحديثة (التفعيلة وتنويعاتها العالية مع شعراء التفعيلة الكبار كأدونيس ومحمود درويش، وقصيدة النثر مع شعرائها الكبار كأنسي الحاج ويوسف الخال وأدونيس وعباس بيضون وأمجد ناصر) انتقلت أدوات الشِّعريَّة العربية إلى مجال أكثر خصباً وقُرباً وأكثر ايروتيكيَّةً (بالمعنى اللغوي لايروتيكيَّة اللغة) من تلك المرأة المدهشة.

أعود للسؤال الذي افتتحتُ به هذه المقاربة السريعة: هل للشِّعر مستقبل؟

نعم، الشِّعر هو مستقبل التاريخ وكينونته العميقة المتحوِّلة والقادرة على استنبات اللغة والإيقاعات البكر التي تليق بامرأةٍ جميلةٍ ستمنحُ التاريخ آلهته العالية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية