مستقبل المقاومة العراقية بعد انتهاء اسطورة الزرقاوي

حجم الخط
0

د. أيمن الهاشمي

أعلن في بغداد عن نبأ مقتل زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، أبو مصعب الزرقاوي، بواسطة ضربة جوية امريكية مساء الاربعاء الماضي وجهتها الطائرات المقاتلة من طراز اف ـ 16 علي المخبأ الذي كان يحتمي فيه بمنطقة (هبهب) ـ الشهيرة بانتاج العرق المحلي! ـ شمالي بغداد، قرب مدينة بعقوبة، في عملية استخباراتية واسعة قيل ان دولا أخري غير العراق وأمريكا ساهمت فيها (ربما بينها الأردن وايران). وقد عبَّرَ الرئيس الأمريكي جورج بوش عن فرحته بالحدث، ووصف العملية بأنها انجاز عظيم. وقال في مؤتمر صحافي بواشنطن ان الزرقاوي نال جزاءه وان موته شكّلَ ضربة قوية للقاعدة ونصراً فيما أسماه الحرب علي الارهاب. لكنه توقع أن تستمر العمليات المسلحة مؤكدا أن هناك الكثير من الصعوبات، وأشاد بالتعاون بين القوات العراقية والامريكية. أما رئيس الوزراء البريطاني توني بلير فقد وصف خبر مقتل الزرقاوي بأنه سارّ جدا وضربة لتنظيم القاعدة في كل مكان، وخطوة مهمة في المعركة الأوسع ضد الارهاب، لكنه أكد رغم ذلك أن مقتل الزرقاوي لن يؤدي الي الاستقرار في العراق. فيما اعتبر رئيس الحكومة العراقية الجديدة نوري المالكي مقتل زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بمثابة رسالة قوية لكل الارهابيين في العراق متوعدا بملاحقة الارهابيين بكل شجاعة ودون خوف أو كلل أو ملل. مؤكداً أن العملية جاءت بناء علي معلومات استخباراتية ساهم فيها عدد من المواطنين العراقيين، وأعرب المالكي عن أمله أن يحدث مقتل الزرقاوي فجوات في المنظمات الارهابية ويضعف موقفها. ونقلت وكالة الانباء الفرنسية عن متحدث باسم الحكومة الاسرائيلية وصفه مقتل الزرقاوي بأنه انتصار عظيم للديمقراطيات الغربية والانظمة العربية المعتدلة في الشرق الاوسط. كما اشاد رئيس الوزراء الاسترالي جون هوارد الذي تنشر بلاده جنودا في العراق بمقتل الزرقاوي. اما الرئيس الافغاني حميد رضا كرزاي فوصف قتل الزرقاوي بأنه خطوة هامة لتخليص العالم من خطر الارهاب. من جانب آخر أكَدَ وزير الدفاع الأمريكي، دونالد رامسفيلد، أن مقتل الزرقاوي لا يعني نهاية العنف في العراق، مؤكداً أن مقتله يشكل نصراً مهماً علي الارهاب.. فيما أكد العميد بيل كالدويل، المسؤول في القوات الأمريكية، في مؤتمر صحفي حول تفاصيل مقتل الزرقاوي، أن طائرتين مقاتلتين من طراز اف ـ 16 شاركتا في قصف الهدف الذي كان يؤوي الزرقاوي، وأن الطائرة الأولي ألقت بقنبلة زنتها 500 باوند علي الهدف، وأعقبتها بقنبلة أخري من الوزن نفسه، مؤكداً أنه لم تجر أي مواجهات عسكرية في المنطقة، باستثناء الضربة الجوية. ومن جانبه وجه السفير الأمريكي بالعراق، التهنئة لكل من رئيس الوزراء العراقي وقائد القوات الأمريكية بالعراق، علي نجاح العملية، مشيراً الي أن الزرقاوي كان بمثابة العقل المدبر لكثير من أعمال العنف التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء. وقال خليل زاد ان قتل الزرقاوي لن ينهي العنف في العراق. وأوضح الجنرال كيسي أن العملية تمت في الساعة السادسة و15 دقيقة من مساء الأربعاء، مشيراً الي أن الزرقاوي وأحد المرشدين الدينيين لديه، الشيخ عبد الرحمن، كانا في منزل آمن معزول عند وقوع العملية. وقال كيسي كانت القوات العراقية قبل غيرها في الموقع عقب الغارة الجوية، ليلحق بها عناصر من قوات التحالف. وأكد الجنرال الأمريكي أن جميع هذه العمليات هي نتيجة مسار طويل مرهق حيث يتسلم خلالها معلومات استخباراتية، يتم التدقيق بها وقال ان عملية مقتل الزرقاوي تمّ التحضير لها لعدة أسابيع قبل التوصل الي موقع المنزل والاجتماع. في هذه الأثناء أعلن المتحدث باسم الحكومة الأردنية أن الزرقاوي كان محكوما بالاعدام وملاحقا خاصة بعد تبنيه تفجيرات عمان. وأضاف في مؤتمر صحافي أنه علي مدي الأشهر الماضية كان هناك تعاون أمني من قبل كافة الأطراف المعنية بملاحقة الزرقاوي ومنها أجهزة الأمن الأردنية لتحديد المناطق المرجح أن يتواجد بها. وشدد علي أن القتل تم خلال عملية مشتركة للقوات العراقية والامريكية، رافضاً الكشف عن مزيد من التفاصيل شأن طبيعة التعاون الأمني. ونقل مراسل الجزيرة عن مصدر أمني أردني تأكيده أن دور عمان كان دوراً أمنياً فقط من خلال تتبع المعلومات ونقلها للأمريكيين وليس مساهمة في العملية العسكرية. وأضاف المصدر أن هذا التعاون سيستمر داخل وخارج العراق. وكشف مسؤول آخر لوكالة الصحافة الفرنسية أن قتل الزرقاوي تم بتعاون بين الاستخبارات الامريكية والأردنية والقوات الامريكية الخاصة. وقال المسؤول ان زهاء عشرة مسلحين قتلوا في الهجوم بينما توفي الزرقاوي بعد عشر دقائق من انتهاء الغارة متأثرا بجروح أصيب بها.

من المعلوم أن القوات الامريكية كانت وراء اكساب هذا الشاب الأردني المثير للجدل الكثير من السمعة المبالغ فيها حينما ألقت عليه باللائمة في العمليات التفجيرية في العراق، رافق ذلك صور فيديو تم نشرها تلفزيونيا لاعدام أمريكيين في العراق وقطع رؤوسهم بالسيف. ويقول مراقبون ان تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أجاد استخدام الاعلام في مواجهة الأمريكيين، وتمكن في ظل الملاحقة الامريكية الشديدة له أن يستغل شبكة الانترنت في الترويج لفكره المناهض للأمريكيين. ويري هؤلاء أن الزرقاوي تمكن من تجاوز الأهداف التي وضعها الأمريكيون لـ(تضخيم) دور القاعدة في العراق مقابل أدوار بقية التنظيمات التي تقاوم الأمريكيين هناك. لقد قامت القوات الامريكية بتضخيم دور الزرقاوي بهدف تشويه صورة المقاومة العراقية من ناحية وحصرها في مقاتلين قادمين من الخارج من ناحية أخري. وكانت الاستراتيجية الاعلامية للقوات الامريكية بالعراق تحاول دوما اظهار العراقيين بمظهر المرحب بوجودها وبنشرها للأمن بعد تخليصهم من النظام السابق. وبالرغم من أن خطاب الزرقاوي التكفيري ومنهجه العملياتي باستهداف المدنيين واثارة النعرة الطائفية، لم يجدا ترحيبا في أوساط الشعب العراقي، فان مقتله لن يكون له تأثير كبير علي المقاومة التي ترتبط برفض الشعب العراقي للاحتلال. وبالرغم من أن التفجيرات التي قام بها تنظيم القاعدة في المناطق السكنية ـ بما فيها مناطق سنية في الانبار وبغداد وتكريت وغيرها ـ مما ألب عليه العشائر السنية. كما يري كثير من الاعلاميين والمحللين أن ظهور زعيم القاعدة في شريط فيديو اعلامي مؤخرا كان سببا رئيسا في الدلالة عليه والزرقاوي دفع ثمنا باهظا لسعيه الدؤوب لاستثمار الاعلام في حربه علي الولايات المتحدة. وبصرف النظر عن الخلاف الذي يدور حول شخصية هذا الرجل ودوره، فان المراقبين يكادون يتفقون علي أن نجاح القوات الامريكية في اغتياله كان نتيجة متوقعة. فقد سخرت واشنطن كل امكانياتها في ملاحقة الزرقاوي بما في ذلك التكنولوجيا المتقدمة والوجود العسكري المباشر والاستناد الي القوات العراقية واستخباراتها ووجود جهات وأشخاص عديدين مستعدين لتقديم معلومات عنه لأسباب مختلفة. يضاف الي ذلك ما كشف عنه الأردن من دور أمني استخباري له في تحديد مكان اختباء زعيم القاعدة. لقد كان كثيرون ـ وما زالوا ـ يعتقدون أن (الزرقاوي) ما هو الا (بدعة اعلامية أمريكية) علي غرار قصة أسلحة الدمار الشامل التي بررت غزو العراق وتدميره، وبعد أن خيب العراقيون ظن جيش الاحتلال، فلم يفرشوا طرقه بالورود، بل زرعوها عبوات ناسفة.. باتت الادارة الأمريكية مع المكر البريطاني تبحث عن ورقة توت تغطي بها عورتها المفضوحة. فقبل أكثر من عامين جاء النصر المؤزر المبين للادارة الأمريكية، أو هكذا ظنوا، بالقاء القبض علي صدام حسين واستعراضه علي شاشة التلفاز بصور مهينة بغية اذلال كل عربي ومسلم، وأملا منهم أن يستتب لهم أمر العراق بعد هذا. لكن نشوة النصر لم تدم أياما، اذ تضاعفت عمليات المقاومة وبدأت توقع في صفوف المحتلين خسائر أضعاف ما كانت توقعه من قبل. وعبثا حاولت الادارة الأمريكية البحث عن انتصارات سياسية زائفة في العراق. ولأول مرة في تاريخ الادارة الأمريكية، تنخفض شعبية رئيسها الي 30%، ويتوالي مسلسل فضائح الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها الجيش الأمريكي بدءا من ابو غريب وانتهاء بمذبحتي حديثة والاسحاقي، ويتجرأ حتي موظفو الأمم المتحدة علي انتقاد السياسات الأمريكية، وتتضامن أوروبا في فضح السجون الأمريكية السرية في العالم! وبعد ان انكشفت جميع سوءات ادارة بوش، لم يبق لهم من ورقة يلعبونها سوي الاعلان عن (أم الانتصارات) بالامساك بملك الأشباح أبو مصعب الزرقاوي، والذي كانت تعلق برقبته مئات حوادث القتل اليومية في جميع أنحاء العراق، بل وخارج العراق، وآلاف العمليات ضد جيش الاحتلال، وضد قوات الجيش العراقي والحرس الوطني.. وكان يظهر في الفلوجة، وبعد ساعات في الموصل، ثم في بعقوبة والطارمية والضلوعية والقائم ثم الرمادي، ليعود في المساء وينام في الموصل! بل ان الزرقاوي، حسب ادعاء الادارة الأمريكية هو المسؤول عن جميع الكوارث الاقتصادية في العراق، وهو المسؤول عن انقطاعات الكهرباء الطويلة والقاتلة، والارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات، وتهجير عشرات الآلاف من العراقيين من أماكن سكناهم، وتأخر سداد رواتب الموظفين، والعجيب أن كل مدينة أو قرية عراقية تعرضت للقصف والتدمير، وكل بيت عراقي تعرض للمداهمة والتنكيل بأهله، وكل نفس طفل وامرأة وشيخ أزهقتها رصاصات جنود الاحتلال، وعشرات الآلاف من المعتقلين دون محاكمة في بوكا وأبو غريب والسجون السرية في المناطق الكردية.. جميعها كانت تنفذ للبحث عن ملك الأشباح (الزرقاوي). والعجيب أن هناك علي ما يبدو أكثر من زرقاوي في العراق، أحدهم سعودي الهوي يتقاضي تمويله من الوهابيين النواصب، والآخر ايراني الهوي يطلق سراح القنصل الايراني بعد ساعات من أسره ويتلقي دعما متواصلا من ايران، وثالث أمريكي الهوي يفاوض السفير الأمريكي خليل زاد علي القاء السلاح لقاء مواقع في البرلمان.. ولا ندري من منهم قد قتل مساء الأربعاء؟.. الأمر المؤكد أن انتهاء اسطورة (الزرقاوي) بالسيناريو الأمريكي المعلن، لن يكون ذا تأثير علي استمرار وتصاعد المقاومة العراقية، بل هذا يذكرنا بحادث القبض علي صدام الذي كانت تتهمه امريكا بقيادة المقاومة، لكن المقاومة تصاعدت وتضاعفت بعد القبض عليه لتؤكد استقلاليتها وعراقيتها، واليوم وبعد أن كانت أمريكا واعلامها ووكلاؤها ينسبون كل أعمال المقاومة العراقية الي (الزرقاوي) و(المقاتلين العرب!).. سيثبت قابل الأيام أن المقاومة عراقية ـ عراقية، وانتهاء فصل مسرحية الزرقاوي سيطلق العنان للمقاومة كي تثبت بالفعل المستمر والملموس عراقيتها واستقلاليتها.

ہ كاتب من العراق8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية