مستقبل النظام الأردني أمام الشعارات التي تجاوزت الخطوط الحمراء

حجم الخط
0

د. يوسف ربابعة’قد يحلو للكثيرين ممن يرتبطون بمصالح كبيرة مع النظام – وخاصة مع الملك- أن يزينوا له الأمر ويطمئنوه على أن الأمور ما زالت تحت السيطرة، وأن ليس هناك خطر مما يجري في الشارع، وأن الشعب الأردني لن يوصل الأمور الى نقطة حرجة، وهناك ضوابط تحكم هذا الحراك، وهو ما يراهن عليه النظام وأتباعه، ذلك ان الأردنيين لديهم خوف على مستقبل دولتهم في ظل وجود كثافة سكانية من أصول فلسطينية، والعكس ايضا، فهم يراهنون على ان الفلسطينيين يعتقدون ان وجود الملك هو ضمانة لوجودهم، وهذا التصور صحيح لو بقي الملك طرفا محايدا، أما وقد تغيرت الصورة فإن الوضع كله تغير والعلاقات تبدلت، ولم تعد النظرية القديمة صحيحة.

إن المراقب للشعارات التي تُرفع خلال المظاهرات وتطوراتها وارتفاع سقفها يدرك أن الأمور ليست سهلة، وأن هناك مشكلة كبيرة، ربما تتطور لتصل إلى ثورة، كما حصل في البلاد العربية الأخرى، فقد يدأت هذه الشعارات بالحديث عن المطالبة بالإصلاح، وانتقاد عمل الحكومات، والمطالبة بتوفير الخدمات، لتصل إلى الحديث عن الفساد والمفسدين، وتطال شخصيات وأسماء قريبة من الملك، وكان لها علاقات قوية معه، لكن هذه الشعارات لم تتوقف عند هذا الحد، ففي الأسابيع الأخيرة ارتفعت الشعارات لتصل إلى الملك نفسه، وتتهمه صراحة بأنه هو الذي يحمي الفاسدين، بل أكثر من ذلك حين كانت بعض الشعارات تجعله شريكا في عملية الفساد، وبعض الشعارات يذكر صراحة أسماء الفاسدين وألقابهم.

وإذا أردنا أن ندخل في أعماق التحليل النفسي والسياسي فإن ذلك يعني أن الأردنيين قد كسروا حاجز الخوف، وأنهم قد وصلوا إلي معرفة مشكلتهم بالتحديد، وأن رؤية الإصلاح قد باتت واضحة، وأن كل الإجراءات التي قامت بها الحكومة، هي عبارة عن زينة غير ضارة، ولم تصل إلى صلب الإصلاح المطلوب، وأن الحديث عن مشكلة أردني وفلسطيني هي من صناعة الفاسدبن وأتباعهم، لأن الفساد لا دين له ولا وطن، وذلك واضح من خلال الأسماء التي اتهمت بالفساد، فهي لم تميز بين أصحابها على أسس جغرافية أو مناطقية.

وفي ظل هذه المطالبات التي تتزايد يوما بعد يوم لن يكون أمام الملك خيارات كثيرة، لا من حيث العمل ولا من حيث المناورة في اختيار رجال الدولة القادمين، فكل الذين حول الملك وكل الذين يثق بهم تظهر أسماؤهم على يافطات الشعارات يوما بعد يوم، كما أن الشعارات تفترض أنه من الضروري محاكمة الفاسدين قانونيا، وفي ظل استفزاز المادة (123) فإن هناك أصواتا تطالب بمحاكمات شعبية لكل الفاسدين، وهذا يدل على عدم الثقة بالقوانين المعمول بها، ولا فيمن يشرعها، خاصة وأن مجلس النواب غائب عن الساحة، وليس له أي تأثير يذكر، لا بل إنه يمرر قوانين ضد توجهات الشعب، ويعمل لصالح الحكومة التي عينته، وليس لصالح الشعب الذي لم ينتخبه. ومن هنا فإن الخيارات المتاحة أمام الملك صــــعبة، بل ربما تكون مستحيلة، فلن يكون بمقدوره وضع كل الأسماء المشمولة بقائمة الفساد في السجن، وتقديمهم للمحاكمات، وكان من المفترض أن تحدث إصلاحات كبيرة وشاملة منذ وقت مبكر، لكن يبدو أن حركة التاريخ لا تعود إلى الوراء، وأن التغيير سنة حتمية قادمة لا محالة. ‘ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية