القاهرة ـ “القدس العربي”: عقد مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ورشة عمل بعنوان أي مستقبل لحركات التغيير الديمقراطي في العالم العربي؟ حضرها ستون مشاركا من الحقوقيين والفاعلين السياسيين والقضاة والأكاديميين والكتاب والمفكرين والصحافيين والمدونين، من 8 دول عربية (مصر ـ سورية ـ تونس ـ المغرب ـ السودان ـ البحرين ـ السعودية ـ العراق، و4 دول أوروبية (فرنسا ـ أوكرانيا ـ صربيا ـ سلوفاكيا). استهدفت الورشة استخلاص دروس من تجارب الحركات الاحتجاجية العربية مثل (كفاية) في مصر، و(18 أكتوبر) في تونس، وإعلان دمشق في سورية، عبر تحليل قدراتها علي بناء التحالفات، وعلي التواصل مع القاعدة المجتمعية، وعلاقتها بالأحزاب الرسمية والحركات الإسلامية والمجتمع المدني، وكذلك مجال علاقتها بالنخب الحاكمة، واستخدامها لتكنـــــولوجيا المعـــــلومات في عــــملها الحــــركي، وحــــدود تــــواصلها مـــــع الفئات الشابة، وتبادل الخبرات فيما بينها وبين تجارب التحول الديمقراطي في شرق أوروبا.
ومن خلال استعراض خبرة دول أوروبا الشرقية التي أنجزت تحولا ديمقراطيا نجد أن هناك نموذجا يجسد التحول الديمقراطي، من أبرز ملامحه وجود بنية أساسية ديمقراطية في هذه المجتمعات، مثل استقلال القضاء والخبرة بالعمل المدني اللاعنفي، والاحتجاج السلمي، الخ، وشهدت هذه الدول تحالفات بين الشعوب والأحزاب المؤمنة بالتحول الديمقراطي السلمي، التفت حول قيادات كاريزمية مشهود لها بالنزاهة فـــــي ظـــــل أنظمة تعاني من الفساد، فضلا عن نشــــوء العــــديد من الحـــركات الشبابية التي ضخت دمـــاء الحياة في شرايين المجتمع بمختلف فصائله وقطاعاته.
وكشفت تجربة التحولات الديمقراطية في أوروبا الشرقية أهمية التحالفات بين القوي السياسية والاجتماعية، والتركيز علي التربية المدنية للمواطن العادي، وتطوير أساليب إبداعية للتــــواصل مــــع قطاعات شعبية عريضـة، وعـــدم وجـــــود مشكلات كـــبري تــؤرقها حول حسم العــــلاقة بين الدين والدولة، والموقف من الغرب الديمقراطي.
استقراء هذه التجارب أتاح فرصة لتقييم حركات التغيير السياسي في العالم العربي، ومن خلال النظر فيها جري استخلاص عدد من السمات المشتركة أبرزها نشأة هذه الحركات في ظل ظرف استثنائي دولي ومحلي عامي 2004، 2005، وشهدت تساؤلات إشكالية حول هويتها، وما طرحته من خطابات سياسية وفكرية عريضة وواسعة تجاوزت قدراتها، وحال الطابع التجميعي السياسي لقوي سياسية وحزبية متنوعة إلي الحد من قدرتها علي التصدي للقضايا الإشكالية وفي مقدمتها علاقة الدين بالدولة، والموقف من الإسلام السياسي، فضلا عن مقاطعتها الانتخابات، وعدم قدرتها علي التلاقي مع شرائح عريضة من الشباب.
وقد ناقشت ورشة العمل أوراقاً حول مشاركة الشباب في حركات التغيير ودور المدونين المصريين، وحركة القضاة في مصر ودلالاتها في عملية التفكير الديمقراطي، انتهت الورشة إلي مطالبة حركات التغيير السياسي بمواجهة نفسها وتنبيه مواطن النقص فيها، والنظر إلي الظرف السياسي الموضوعي في العالم العربي، ودور المؤسسات الدينية في دعم الاستبداد، ومدي ارتباط التغيير الديمقراطي بالفكر الاجتماعي وكذلك ارتباطه بالقضايا الوطنية والقومية، وتوفر عوامل مهيأة له، الا أن حركات التغيير السياسي بحاجة إلي مراجعة دورها ووضع نفسها في صفوف الجماهير وتعبئتها وتربيتها سياسيا، وتقديم الأطر الفكرية لها، وممارسة نقد الذات وهي ضرورة بالنسبة لهذه الحركات، ولا سيما في ضوء ما اعتراها في عامي 2004 و2005 من شعور شديد بالتفاؤل بإمكانية حدوث تحول ديمقراطي سريع في حين أن التحول الديمقراطي يرتبط بالسلوك، والممارسة اليومية وبناء الأفراد وتوازن في العلاقة بين القوي المختلفة.
وانتهت الورشة إلي الدعوة إلي العمل الجماعي للقوي والأحزاب السياسية لكسر الاحتكار السياسي من جانب النخب الحاكمة في العالم العربي كمقدمة للعمل علي تحقيق تحول ديمقراطي.