إسطنبول ـ «القدس العربي»: انتهت أهم انتخابات تُجريها تركيا في تاريخها الحديث بفوز الرئيس رجب طيب اردوغان بولاية رئاسية ثالثة وتحالفه الحاكم بأكثرية مقاعد البرلمان الجديد. لكنّ العاصفة بدأت للتو في جبهة المعارضة. وهذه العاصفة هبّت على مسارين، الأول على مسار أحزاب المعارضة التي أظهرت أداء ضعيفاً في الانتخابات كحزبي «الشعب الجمهوري» و«الشعوب الديمقراطي» الكردي، والثاني على مسار ائتلاف المعارضة الرئيسي المتمثّل في تحالف «الأمة». يأخذ حزب «الشعب الجمهوري» النصيب الأكبر من هذه العاصفة. بمُجرد هزيمة زعيمه كمال كليتشدار أوغلو في جولة الإعادة الرئاسية في 28 أيار/مايو الماضي، بدأت أصوات ترتفع داخل الحزب للمطالبة برحيل كليتشدار أوغلو عن زعامة أكبر حزب معارض وإفساح المجال أمام قيادة جديدة. لكنّ كليتشدار أوغلو، الذي فرضه ترشح للرئاسة بالقوة على دوائر داخل الحزب كانت تُفضل ترشيح رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، وعلى تحالف «الأمة» من غير المُرجح أن يتنازل عن زعامة الحزب ببساطة.
لقد أعطى كليتشدار أوغلو في أول خطاب له بعد الهزيمة مؤشراً على أنه يرغب بالبقاء في زعامة حزب «الشعب الجمهوري» وسيُقاوم أي ضغوط عليه للتنحي عندما قال إن «النضال من أجل الديمقراطية سيستمر». مع ذلك، فإن صراعاً على القيادة بين كليتشدار أوغلو وأكرم إمام أوغلو سُرعان ما ظهر إلى العلن. تحدث أكرم إمام أوغلو صراحة عن الحاجة إلى إجراء تغيير في القيادة بعد هزيمة المعارضة في الانتخابات. هناك خياران مُحتملان لمعالجة صراع القيادة داخل حزب «الشعب الجمهوري». إما الذهاب إلى عقد مؤتمر استثنائي عام للحزب في تموز/يوليو المقبل لإعادة تشكيل القيادة، وهو خيار يُريده أكرم إمام أوغلو والتيار الذي يُطالب بإجراء تغيير داخل الحزب، أو ترك المؤتمر العام إلى ما بعد الانتخابات المحلية التي ستُجرى بعد نحو تسعة أشهر. في حال استطاع كليتشدار أوغلو مقاومة الضغوط لعقد مؤتمر استثنائي للحزب، فإنه سيتمكن من الاحتفاظ في منصبه إلى ما بعد الانتخابات المحلية المقبلة، لكنّ الأمر سينطوي على الكثير من المخاطر لأن ترك الصراع على القيادة من دون معالجة سيقوض قدرة حزب «الشعب الجمهوري» على القيام بأداء انتخابي فعال في الانتخابات المحلية والاحتفاظ برئاسة بلديات المدن الكبرى التي سيطر عليها في الانتخابات المحلية السابقة.
صراع محتمل على القيادة
داخل حزب «الشعوب الديمقراطي» الكردي، لم يظهر على الفور صراع محتمل على القيادة. لكنّ نقاشاً بدأ يظهر حول الحاجة إلى عقد مؤتمر استثنائي عام للحزب في تموز/يوليو المقبل لاختيار قيادة جديدة. وكان الأداء الانتخابي لأكبر حزب سياسي كردي ضعيفا للغاية في انتخابات الرابع عشر من أيار/مايو. تراجعت حصة التأييد الشعبي للحزب إلى نحو 8 في المئة مقارنة بأكثر من 11 في المئة كانت عليها في الانتخابات التشريعية السابقة في عام 2017 أي بمقدار يقرب من أربع نقاط مئوية. ظهرت ارتدادات الهزيمة الانتخابية بسرعة على حزب «الشعوب الديمقراطي» بإعلان رئيسه السابق المشارك المسجون صلاح الدين ديميرطاش تركه الحياة السياسية في الفترة الراهنة. لم يكن لديميرطاش أي منصب رسمي في الحزب، لكّنه يُعتقد على نطاق واسع أنّه أشرف على صنع استراتيجية الحزب في الانتخابات والدخول في تحالف مع زعيم حزب «الشعب الجمهوري» كمال كليتشدار أوغلو. من المفاجآت التي فجّرها ديميرطاش بعد إعلانه ترك السياسة مؤقتاً كشفه عن معارضة داخل الحزب لفكرة ترشحه للانتخابات الرئاسية الأخيرة. مع ذلك، فإن الدعم الصريح الذي قدمه قادة في حزب «العمال الكردستاني» المحظور لكليتشدار أوغلو في الانتخابات الرئاسية يُظهر التأثير الواضح لهذه المنظمة على سياسات حزب «الشعوب الديمقراطي». ما يبدو مؤكداً في المستقبل المنظور أن حزب «الشعوب الديمقراطي» سيكون أكثر عرضة للضغط في المواجهة مع الرئيس رجب طيب اردوغان الذي توعّد بتشديد الصراع مع حزب العمال الكردستاني في ولايته الرئاسية الجديدة.
إن أكثر التساؤلات التي تدور الآن حول مستقبل المعارضة التركية بعد هزيمة الانتخابات تتمحور حول ما إذا كان تحالف «الأمة» المعارض المكون من ستة أحزاب بينها حزبان معارضان رئيسيان سيبقى. لم يُبد حزب «الجيد» القومي رغبته في مواصلة هذا التحالف لأنّ وظيفته انتهت بعد الانتخابات. سيُشكل انفراط محتمل لعقد التحالف انتكاسة أخرى للمعارضة التي سيتعين عليها الحفاظ على الوحدة إذا ما أرادت حرمان حزب «العدالة والتنمية» الحاكم من استعادة السيطرة على رئاسة البلديات الكبرى في الانتخابات المحلية المقبلة. لم يكن بمقدور حزب «الشعب الجمهوري» تحقيق انتصارات كبيرة في الانتخابات المحلية السابقة بدون دعم تحالف «الأمة» ككل وبدون دعم حزب «الشعوب الديمقراطي» الكردي كذلك. في المستقبل المنظور، من المُرجح أن تحافظ المعارضة على وحدتها على الأقل داخل البرلمان الجديد من خلال العمل سوياً لتقويض الأجندة التشريعية المقبلة للرئيس رجب طيب اردوغان. لكنّ حقيقة أن تحالف «الأمة « وحزب «الشعوب الديمقراطي» لم يتمكنا في الانتخابات البرلمانية من الحصول على أكثرية في البرلمان الجديد تجعل قدرة المعارضة على لعب دور نشط في البرلمان الجديد محدودة للغاية.
المعارضة الضعيفة
سيكون الوضع المعقد الذي يواجه المعارضة التركية محل ترحيب للرئيس رجب طيب اردوغان، الذي تكمن إحدى نقاط قوته في المعارضة الضعيفة التي لم تستطيع وضع رؤية لحكم تركيا يُمكن أن تُقنع أكثر من نصف الشعب التركي من دعمها في انتخابات 14 و28 أيار/مايو. ستعتري اردوغان فرحة كبيرة بينما يُشاهد الصراع على القيادة في خصمه اللدود حزب «الشعب الجمهوري» وبينما يرى رغبة بعض أعضاء تحالف «الأمة» كحزب «الجيد» القومي في فرط عقد التحالف. مع ذلك، من غير المرجح أن تتراجع عزيمة أحزاب المعارضة ككل في مواجهة الرئيس رجب طيب اردوغان. إلى جانب التنسيق فيما بينها داخل البرلمان، ستواصل أحزاب المعارضة انتقادها القوي لسياسات الحكومة ومن المرجح أن تسعى للاستفادة من فشل محتمل للسياسات الاقتصادية الجديدة لاردوغان من أجل تعزيز قادة الدعم لها قبل الانتخابات المحلية المقبلة. سيكون ملف اللاجئين السوريين أحد الملفات التي ستركز عليها المعارضة التركية في استراتيجيتها الجديدة. وعد اردوغان بالعمل على إعادة مليون لاجئ سوري على الأقل في العام الأول من ولايته الرئاسية الجديدة. ويبدو أنه حريص على تحقيق هذه العودة أو جزء كبير منها قبل الانتخابات المحلية المقبلة لتعزيز فرص فوز التحالف الحاكم بالبلديات الكبرى.
ستكون العلاقة المستقبلية بين اردوغان وحزب «الشعوب الديمقراطي» الكردي أحد القضايا الساخنة في المواجهة بين الحكومة والمعارضة في السنوات الخمس المقبلة. أعطى اردوغان إشارة واضحة على أنه سيواصل النهج القوي ضد حزب «العمال الكردستاني» وضد حزب «الشعوب الديمقراطي» الذي يعتبره واجهة سياسية للعمال الكردستاني. يواجه حزب الشعوب منذ فترة قضية قانونية تُطالب بحله ومن المرجح أن تتقدم هذه القضية في الفترة المقبلة وصولاً إلى اتخاذ قرار بالحل. وسيُشكل حل محتمل لحزب الشعوب انتكاسة كبيرة له بينما يسعى للتعافي من تداعيات الهزيمة الانتخابية. وفي حال اتخذ قرار قضائي بحله، فإن تحالف «الأمة» سيضعف بشكل أكبر في الانتخابات المحلية المقبلة لأنّه يعتمد بشكل أساسي على الكتلة الكردية الداعمة للاحتفاظ بسيطرته على البلديات الكبرى كإسطنبول وأنقرة. ولأن جانباً أساسياً من ديناميكية المواجهة بين اردوغان وحزب «الشعوب الديمقراطي» مرتبط بصراع تركيا مع حزب «العمال الكردستاني» فإن تصعيداً مرجحاً لهذا الصراع في الفترة المقبلة سيزيد من تعقيدات المواجهة بين الحكومة والحالة السياسية الكردية المعارضة.
في ضوء ذلك، فإن الآفاق المستقبلية للعلاقة بين اردوغان وباقي أحزاب المعارضة ستبقى تميل نحو المواجهة خصوصاً في فترة ما قبل الانتخابات المحلية المقبلة. سيعتمد بقاء المعارضة التركية قوية في المواجهة المقبلة مع اردوغان على عاملين أساسيين، الأول قدرتها في معالجة صراع القيادة داخل بعض أحزابها بشكل سلس كما في حزب «الشعب الجمهوري» والثاني قدرتها على الاحتفاظ بوحدتها وهو ما سيكون محل شكوك في المستقبل المنظور. تعتقد ميرال أكشنار زعيمة حزب «الجيد» القومي المعارض أن انخراطها في تحالف «الأمة» أضعف قدرتها في استمالة جزء كبير من الأصوات القومية المعارضة للرئيس رجب طيب اردوغان وحليفه حزب «الحركة القومية». مع ذلك، فإن حزب «الجيد» حقق نتائج قوية في الانتخابات البرلمانية بالحصول على نحو 10 في المئة من أصوات الناخبين على غرار «الحركة القومية» الذي حصل على أكثر من 11 في المئة. كان ذلك جزءًا من الصعود القومي في تركيا في هذه الانتخابات. غير أن انفصالاً محتملاً لحزب «الجيد» عن تحالف «الأمة» قد يُساعد حزب «الحركة القومية» في استمالة جزء من القوميين من غريمه حزب «الجيد» في الفترة المقبلة.