بشرنا سيف الإسلام القذافي منذ أيام بأن مسودة الدستور الجديد باتت جاهزة، وكأنه لا يعلم أنه بمعية أبيه وإخوته أجهزوا على ليبيا ووضعوا شعبها في قبضة المجهول، حتى لم يعد يهمهم هذا الدستور الموعود الذي جاء متأخرا جدا. ما يهم الشعب الليبي الآن هو الخروج من الحصار الذي يقض مضجعه والنار التي تحرق بلده.
نتساءل من هو سيف الإسلام ليتكلم عن الدستور، والسؤال في الحقيقة مكرر لأنه طرح منذ أسابيع على إثر خطبة التهديد بالحرب الأهلية، حينها بحث الجميع عن مشروعية الخطاب وصاحب الخطاب، فكان الجواب الوحيد أن سيف الإسلام فاقد للشرعية. إنه مواطن ليبي فقط. ومع ذلك نراه على قنوات التلفزيون بوصفه مسؤولا عن مستقبل ليبيا فيعلن أنه مع التغيير قائلا ‘نريد أن ندفع بنخبة جديدة من الشبان كي يحكموا البلاد… نريد دماء جديدة لمستقبل ليبيا’. هذا الكلام الجميل قد يغرينا لنتفاءل ونصدق وربما يطالب البعض ويخطط بأن يتولى سيف الإسلام مقاليد السلطة في ليبيا ما دام يؤيد التغيير ويؤمن بقدرة الشباب على تسلم المشعل وهو من الشباب، وقد أعد الدستور وطمأن الجميع في تصريحاته الأخيرة الى أن والده ‘لا يريد أن يحكم، لقد تقدم به العمر’. ولكن الأمر لا يخلو من الشبهات ونحن نرى ما فعلته دماء الشباب في سورية، فهي تمثل نموذجا لحكم الابن بعد أبيه. حكم بدأ بوعود الإصلاح ثم سقط في عقود الفساد. وها هو الأسد الابن يصارع شعبه الثائر ويحاول تطويق الحريق ببعض المراسيم الجديدة، فلا يغفر له ذلك ولا يمنحه الأمل في تهدئة الأوضاع. لقد سقطت كل الأقنعة التي كانت تحجب حقيقة الأنظمة العربية، أنظمة تعيش مع شعوبها في حفلة تنكرية تزيف بها صورتها الأصلية فهل يمكن أن تثق هذه الشعوب بعد الآن بهذه الأسر الحاكمة التي لا ترغب في ترك الحكم إلا لأبنائها.
حصل ذلك في سورية فلم يجلب للشعب السوري غير نسخة مطابقة للدولة الأمنية الجاثمة على صدور السوريين منذ 1963، وكاد يحصل في مصر وفي اليمن ولعله حصل فعلا، فأبناء مبارك استفادوا من سلطة والدهم فصالوا وجالوا وضخموا ثرواتهم وامتيازاتهم وخططوا لتسلم الحكم الذي كان قبل الثورة أمرا ممكنا. ونفس الصورة تنطبق على أبناء علي عبد الله صالح في اليمن، حيث كان الرئيس من أول المنادين بتوريث الحكم في العالم العربي.
كل هذه الشبهات تدفعنا إلى حقيقة واحدة: سيف الإسلام القذافي كبشار الأسد وكل أبناء الرؤساء الذين حكموا أو ظلوا خلف الستار ليسوا قادرين على الإصلاح ولا يمكن أن يكونوا بديلا صالحا لآباء فاسدين. كلهم متشابهون وكل شعوبهم واعية بخطرهم على مستقبل بلدانهم. وهذا ليس حكما متسرعا تولد من رحم التشاؤم، وإنما هو حكم رصين يثبته الواقع.
فمن أراد أن يرى مستقبل ليبيا مع سيف الإسلام أو المستقبل الذي كان ينتظر أي دولة عربية يحكمها ابن الرئيس فعليه أن يشاهد حاضر سورية في ظل حكم بشار.
الكل يبشر بالإصلاح ثم يتحول إلى سفاح. عبد الرزاق قيراط تونس