مستقبل مصر بين حسابات الإخوان ومواقف الثوار شحاتة عوض أخشى أن يخطيء الإخوان المسلمون الحسابات مرة أخرى إذا ما ظنوا أن عودة الزخم الثوري للشارع المصري عقب أحكام البراءة المستفزة التي صدرت بحق نجلي الرئيس المخلوع وعدد من كبار زبانية وزارة الداخلية تصب حتما في صالح حملتهم الرئاسية أو أنها تدعم موقف مرشحهم في جولة الإعادة.
وأرجو الأ تقرأ الجماعة خطأ عودة القوى الثورية إلى الميادين والشوارع لمواجهة المخطط المكشوف والفج لسرقة الثورة، باعتباره تصويتا بنعم لمرشح الإخوان لمنصب الرئيس. فالأمر المؤكد أن عودة الزخم الثوري إلى الميادين على إمتداد الوطن، تشكل ضربة قوية لمرشح النظام السابق الفريق أحمد شفيق وبقايا النظام الذين يحلمون بعودة عقارب الساعة للوراء، لكنها في المقابل لا تعني أن أصوات هذه القوى الثورية التي غدر بها من كل الاطراف، ستكون محسومة لصالح محمد مرسي. فهذه القوى الثورية التي أثبتت بما لا يدع مجالا للجدل أنها الرقم الأهم في المشهد السياسي المصري حتى وإن كانت غير منظمة أو موحدة، ليست معنية كثيرا بمعركة الرئاسة بقدر تركيزها على مواجهة سرقة الثورة أو إعادة إنتاج النظام القديم القائم بوجوه جديدة. كما أن هذه القوى لاتزال تحمل مرارات وجروحا غائرة من الخذلان والنكران الذي تعرضت له على يد الإخوان المسلمين وغيرهم على مدى الشهور الماضية والذين بدت حساباتهم في كثير من المواقف مفارقة لحسابات الثورة والثوار. ولا أظن أن مجرد زيارة الدكتور محمد مرسي لميدان التحرير لعدة دقائق لتحية الحشود المعتصمة في الميدان أو دعوة الإخوان للنزول إلى الشوارع والميادين، تكفي لإزالة هذه المرارات من حلوق وقلوب الثوار أو لإقناع الشارع الثوري بأن مرسي هو مرشح الثورة في الانتخابات الرئاسية.
فإذا كان شفيق هو مرشح النظام السابق بإمتياز، فإن مرسي لا يمكن أن يكون عنوانا أو مرشحا للثورة، وإذا كان الإنصاف يقتضي الإعتراف بأن الإخوان كانوا شركاء اصلاء في ثورة الخامس والعشرين من يناير وهم الأقرب بكل تأكيد للثورة وأهدافها من معسكر النظام السابق الذي قامت الثورة لاسقاطه لا إعادة إنتاجه، لكن ذلك لا يمنع من السؤال عن الدوافع وراء نزول مرسي للميدان، هل هي لوجه الثورة وإنقاذها من محاولات السرقة، أم أنها لمغازلة الشارع الثوري للحصول على أصواته في معركة الرئاسة؟
إن على الإخوان مهمة شاقة خلال الأيام القليلة المقبلة وهي أيام حاسمة في تحديد مستقبل الوطن بأكمله، وهي مهمة مزدوجة، فهم مطالبون أكثر من أي وقت مضي بالعودة المخلصة والصادقة لصفوف الثورة التي فارقوها مبكرا وبدوا في ذلك مثل مسلمي احد الذين تركوا مواقعهم قبل نهاية المعركة وسارعوا لجني الغنائم والمكاسب قبل الموعد. وفي الوقت ذاته هم مطالبون بالتوصل لتفاهمات مع القوى الوطنية والثورية تقوم على الشراكة في بناء مصر الجديدة وتحقيق أهداف الثورة كاملة غير منقوصة. وفي هذا الإطار لم يعد الكلام المعسول لا النوايا الطيبة تكفي بل لابد من وضع قواعد وأسس واضحة ومحددة لإدارة هموم ومشاكل الوطن ووضع حلول لها بمشاركة كل السواعد وجهود كل القوى الوطنية المخلصة للوطن وثورته وأهدافها. هناك أهداف رفعتها ثورة يناير وبقدر ما كانت هذه الاهداف في صلب برنامج عمل محمد مرسي فعلا وقولا، بقدر ما سيكون في هذه الحالة مرشحا ثوريا أو هكذا نتمنى ونرجو ولن يحدث ذلك ما لم يدرك الإخوان عددا من الحقائق الجوهرية التي تحكم المشهد السياسي الآن قبل أيام معدودات من معركة جولة الإعادة الحاسمة:- أولا: أنهم ارتكبوا أخطاء كثيرة في حق الثورة والثوار حين تخلوا عنهم في منتصف الطريق للتفرغ لمصالحهم السياسية، بينما تركوهم في حالة إنكشاف سياسي كامل يواجهون خطر الموت وحدهم لإستكمال أهداف الثورة التي لولاها لما كان الإخوان على ما هم فيه، وأنهم وإن كانوا شاركوا في الثورة فانهم لم يكونوا من صنعها ومع ذلك كان هم الرابح الأكبر منها وهذه هي المفارقة التي تزيد الغصة في حناجر الثوار.- ثانيا: أن الثورة ليست حذاء يلبسه الإخوان حين تكون فيه مصلحتهم ويخلعونه وقتما تنتفي هذه المصلحة، والشواهد والمواقف على ذلك كثيرة وعديدة ولا يكفي المقام هنا لسرد أو التذكير بهذه المواقف التي تثبت أن الإخوان مارسوا هذا السلوك الإنتهازي مع الثورة والثوار، ولعل الإعتراف بهذه الحقيقة يشكل مقدمة أساسية يمكن البناء عليها لعودة اللحمة بين الإخوان والقوى الثورية.
ـ ثالثا: أن الثورة لم تندلع ليحكم الإخوان مصر ويسيطروا على كل مفاصل الدولة فيها ويهيمنوا على كل شؤونها عبر إعلاء مبدأ المغالبة لا المشاركة. فالمصريون ليسوا مضطرين بعد ثورتهم العظيمة تلك أن يستبدلوا إستبدادا بأخر تحت عنوان جديد، فالثورة قامت ضد إستبداد الدولة البوليسية العسكرية ولا ينبغي ولا يعقل أن يكون البديل هو إستبداد الدولة الدينية الذي يطل برأسه عبر بعض المواقف التي تخرج عن بعض قيادات الإخوان وغيرهم من المحسوبين على تيار الإسلام السياسي.
و سواء كان ذلك عن سوء قصد او بحسن نية فإنه يثير الكثير من المخاوف لدى قطاعات واسعة من المجتمع المصري.
ـ رابعا: أنه إن كان هناك من وجه مشرق للجولة الاولى من الإنتخابات الرئاسية فانها كانت كاشفة للاوزان النسبية لكل القوى التي تشكل الخريطة السياسية، وفيما يخص الإخوان فقد أفرزت النتائج حقيقة بالغة الاهمية وهي أنهم وإن كانوا الفصيل الأكثر تنظيما ووجودا في الشارع فانه لا يملك الشارع ولا يستطيع إدعاء ذلك بعد اليوم في مواجهة خصومه أو حتى شركائه السياسيين، فبلغة الارقام الصماء لم يحصل الإخوان المسلمون وبعد إستخدام كل ما يملكون من قدرة على الحشد والتعبئة لأنصارهم وغيرهم، سوى على ربع أصوات الناخبين الذين أدلوا باصواتهم في هذه الجولة، وإذا كانت نسبة من صوتوا لم تصل حتى لحد نصف الناخبين فان ذلك يظهر أن قوة الاخوان التصويتية في حدها الاقصى لا تتجاوز 5ر12 في المائة من إجمالي الناخبين. في المقابل فإن مجموع من صوتوا للثورة ومرشحيها بلغ نحو أربعين في المائة من الناخبين. هذه الأرقام تفرض على الإخوان النزول من عليائهم والتحلي بقدر معتبر من الواقعية السياسية في تعاطيهم مع شركائهم السياسيين حتى يمكن الوصول لتفاهمات تبنى جسور الثقة التي تهدمت خلال الاشهر الماضية، وتشكل القاطرة التي ستقود مصر نحو مستقبل أفضل، وقبل ذلك كله تكون طوق نجاة لانقاذ الوطن وثورته والإخوان المسلمين قبل ذلك في مواجهة نظام قديم يخوض معركته الأخيرة بكل شراسة للعودة من جديد.
ـ خامسا: إن هناك مزادا قائما الآن لحصد أصوات القوى المدنية والثورية التي لم تحسم أمرها بعد رغم كل الوان الغواية والإغواء التي تتعرض له هذه القوى وعناوينها السياسية من قبل معسكر الإخوان أو معسكر النظام السابق.
لكن الأمر الأكيد في هذا الإطار أن هذه القوى لاتبدو قابلة للإغواء أو المساومة سوى على مشروع وطني جامع ينطلق من أهداف ومبادىء الثورة، وعلى الإخوان إن كانوا جادين في سعيهم لأن يكون جزءا من هذا الإجماع الوطني، أن يلحقوا بهذا المشروع في أسرع وقت وقبل فوات الآوان. سادسا: لابد من الإعتراف بحقيقة مهمة وهي أن هناك حالة من عدم إتضاح الرؤية والإرتباك في الشارع المصري الآن تجاه مرشحي الرئاسة وأن ثمة سؤالا يتردد السنة الجميع حول أي المرشحين أخطر على مصر وأيهما سيكون فوزه أقل كلفة وأكثر فائدة لمصر وثورتها؟… هذه الحقيقة تفرض على الإخوان وغيرهم من القوى الثورية أن يدركوا أن الشارع المصري ليس ملكا خالصا لهم وأنه لم يعد كما كان بعد ثورة يناير وان هناك قطاعا كبيرا من هذا الشارع إما أصبح كافرا بالثورة بسبب مخطط التشويه الذي تعرضت له على مدى اكثر من عام إلى جانب الاخطاء التي إرتكبها الثوار انفسهم، وإما أنه مشوش ومرتبك وغير قادر على تحديد موقفه بشكل واضح فيما يخص المرشح الرئاسي الأنسب وهذا يبدو جليا ليس عند عموم المصريين بل حتى في صفوف النخبة السياسية والمثقفين. من هنا ينبغي على الجميع توخي الحذر والتحلي بقدر من اليقظة وإدراك أن الطريق ليس ممهدا أو سهلا نحو مقعد الرئاسة ومنع مرشح النظام السابق من الوصول اليه، فالطريق طويل وشاق والوقت المتاح ضيق جدا ولا يملك أي من القوى الوطنية رفاهية إضاعة المزيد من هذا الوقت. المطلوب الآن هو تشكيل جبهة ثورية عريضة تضم كل القوى السياسية الوطنية للتصدي لكل محاولات إجهاض وإحتواء الثورة والوقوف صفا واحدا في مواجهة مخطط إعادة إنتاج النظام الساقط. وفي اعتقادي أن على الإخوان المسلمين مسؤولية كبيرة في إنجاح هذا الحراك الشعبي والثوري إذا كانوا فعلا راغبين في الفوز في جولة الاعادة لانتخابات الرئاسة وإذا كانوا جادين في إزالة مخاوف شركائهم في الوطن والثورة. هذه لحظة حقيقة بالغة الدقة وعلى الجميع أن يكونوا على مستوى ما تفرضه من تحديات ومخاوف قبل فوات الآوان.’ كاتب مصري