مستقرة في بحر عاصف.. لنعتذر لتركيا

حجم الخط
0

تسفي برئيل

في حين يُدفن مئات الليبيين، لا تعرف الثورة المصرية أين التوجه القادم، وتونس تُنسى، واليمن شأن للصفحات الداخلية، وتبرز جزيرة استقرار واحدة هي تركيا. صحيح أن الحديث من وجهة نظر اسرائيل عن شاطىء في بحر عاصف لكن عندما يعقد معهد ابحاث تركي مديروه مقربون جدا من رئيس الحكومة التركي، مؤتمرا مع اسرائيليين للفحص عن مستقبل العلاقات بين الدولتين، فمن الحيوي مع كل ذلك أن نفحص هل تُنبت الصخور الجرداء أعشابا.

كان يبدو للحظات في الحقيقة ان الحديث عن مأتم بسبب علاقة غرامية رائعة كانت ولم تعد موجودة، ووجد ايضا من أبعد وتذكر الدولة العثمانية وعلاقتها الممتازة باليهود. لكن تبين رويدا رويدا ان الغضب والقطيعة يتم تقبلهما باعتبارهما وضعا طبيعيا غير مؤثر على نحو خاص. لانه في حين ما تزال اسرائيل معلقة بتصور ان تركيا محتاجة لاسرائيل أكثر من احتياج اسرائيل لتركيا، وفي حين انه تحل محل ألعاب المجد سياسة وفحص عن الأضرار، أصبحت تركيا موجودة في مكان آخر أفضل كثيرا.

بدّلت تركيا تنظيم أعدائها. فاذا كانت هذه الأعداء في التسعينيات هي سورية وايران والعراق، فان تركيا اليوم تكاد تكون ربة البيت في المنطقة الشرقية من الشرق الاوسط، وحلقة مركزية في محور ايران العراق سورية، ودولة حيوية لتحقيق استراتيجية الولايات المتحدة التي تتمتع بوصول غير محدود الى دول عربية كانت تراها قبل ثلاث سنين دولة مُريبة بسبب علاقتها مع اسرائيل.’لم يعد لاسرائيل وتركيا أعداء مشتركون، ولهذا أخذت تختفي المصلحة الاستراتيجية المشتركة’، تقول بصدق لا يعرف الرحمة البروفيسورة مليحة التونايشيك من الجامعة التكنولوجية في أنقرة. وبغير أعداء مشتركين وبغير خريطة مصالح مُحدثة، فان السؤال الذي يطرحه الأتراك أكثر فأكثر على أنفسهم هو ما الذي تُجديه الصداقة مع اسرائيل في الحقيقة.’لم تعد تركيا مدينة بأي شيء لاسرائيل’، يقول الدكتور سادة لتشينار، مدير معهد الابحاث الاستراتيجية المقرب جدا من رجب طيب اردوغان؛ ‘اسرائيل دولة معزولة في المنطقة، وكلما كانت أكثر عزلة أصبحت أشد خطرا. انها قد تجر المنطقة كلها الى حرب اذا هاجمت ايران بنفسها على سبيل المثال’، يُقدر قادري بورسال، محلل صحيفة ‘ميلييت’ الذي يعارض سياسة اردوغان.

إن الدبلوماسي أوزدام سانبارك ممثل تركيا في لجنة الامم المتحدة للفحص عن أحداث القافلة البحرية وفي اللجنة الاسرائيلية التركية التي حاولت التوصل الى حل متفق عليه في مسألة التعويضات والاعتذار الذي تطلبه تركيا من اسرائيل، هو أقل فظاظة لكنه ليس أقل منهم قوة. فهو يشهد بأن ‘اللجنة قد توصلت الى اتفاق بل إن رئيس حكومة اسرائيل تبنى الحل’، لكن افيغدور ليبرمان رفض البتة امكانية ان تعتذر اسرائيل. والخوف الحقيقي لسانبارك، وهو أحد المؤيدين بقوة لاعادة بناء العلاقات بين الدولتين، هو أن يجمد الوضع الحالي باعتباره وضعا طبيعيا بحيث يصبح من غير الممكن تغييره.

ليس السؤال المُلح الآن كيف سيصوغ الامين العام للامم المتحدة تقرير تحقيق قضية القافلة البحرية، أو هل تخرج اسرائيل من ذلك على نحو أفضل أو اسوأ. فان اسرائيل أصلا خرجت محطمة من هذا الشأن. إن الضحايا الأتراك سببوا إزالة الحصار عن غزة في أكثره، وأصبحت اسرائيل دولة شفافة في العالم في أفضل الحالات ودولة غير متوقعة في اسوئها. وقد لا تحتاج غزة قريبا ايضا الى إفضال من اسرائيل اذا قرر المجلس العسكري الذي يُدير مصر فتح معبر رفح.

السؤال الأهم هو أي شرق اوسط ستضطر اسرائيل الى مجابهته عندما يظل الصديق الوحيد لها هو محمود عباس. انه في الحقيقة رجل لطيف كلامه ليّن، لكن جعبته أصبحت مملوءة بالتأييد الدولي وأخذ تعلقه باسرائيل يتضاءل. ما تزال تركيا لم تذُب فما زلنا نستطيع التمسك بذيل ثوبها واقتراح صداقة مجددة. سيقتضي هذا في الحقيقة اعتذارا ودفع تعويضات، وسيقتضي الاعتراف بالخطأ وبالحماقة، لكننا سنبقى على الأقل مع شريكة استراتيجية. أما الامكانية الاخرى فهي أن نبقى مع الفخامة التي لا تساوي الكثير.

هآرتس 27/2/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية