رام الله/ “القدس العربي”:
تقول مفارقة الواقع الفلسطيني والتغول الاستيطاني في الضفة الغربية إن مجموعات المستوطنين المتطرفين يطالبون باعتذار مسجل من أهالي بلدة المغير (بتشديد الياء) شرق رام الله وذلك على مقاومتهم لممارسات المستوطنين.
ويردد سكان القرية التي دخلت حالة فرض حصار خانق عليها لليوم التاسع عشر أن استمرار الإغلاق والتضييق على سكان القرية الصغيرة ذات الأربعة آلاف نسمة سببه تحريض من المستوطنين على السكان حتى يعتذروا.
تقع القرية على بعد 18.6 كم أفقيًا شمال شرق مدينة رام الله. حيث تحدها فصايل من الشرق، وترمسعيا وخربة أبو فلاح من الغرب، ودوما وجالود من الشمال، وكفر مالك والعوجا من الجنوب.
وصباح اليوم الأربعاء استيقظ أهالي القرية التي تصنف على أنها منطقة “شفا غورية” (أي تطل على مناطق غور الأردن الممتدة) على تخفيف محدود عن حاجز احتلالي يحاصر البلدة في المنطقة الغربية، فيما استمر التشديد على مدخل البلدة الشرقي القريب من خط سير المستوطنين على “طريق أيلون”.
وقبل سنوات كانت قرية المغير منسية بالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون في جغرافيا مقسمة، لكنها ومنذ أزيد من أسبوعين أصبحت اسما بالأخبار بفعل ممارسات المستوطنين وحالة نضالية شعبية يقودها شباب صغير السن.
فالقرية التي تقع في اخر حدود مدينة رام الله من ناحية الشرق تعاني الحصار منذ أكثر من 19 يوما إلى جانب حصار قديم جديد بفعل محاصرتها من جميع جهاتها بمستوطنتَي “شيفوت راحيل” و”عدي عاد”، ومعسكر الجيش الإسرائيلي “مفيو شيلو”، إلى جانب الشارع الاستيطاني رقم (90)، الذي شق وسط القرية، وعزل أراضي المواطنين الزراعية عن منازلهم.
وتشهد القرية الصغيرة حالة نضالية خاصة حيث يقوم شبان صغار بعملية زرع عبوات ناسفة وهمية في طريق سيارات المستوطنين، فيما أطلق مقاومون الرصاص على سيارات المستوطنين قبل فترة قصيرة وهو أمر “عكر صفو” الحالة التي يتمدد فيها المستوطنون المتطرفون في المنطقة.
وبحسب شبان فإنه وبشكل يومي يجلب الجيش الإسرائيلي “روبوتا آليا” خاصا بالتعامل مع المتفجرات لفحص أجسام مشبوهة يضعها الشبان على طريق سير المستوطنين للتعكير على حياتهم.
وتحدث مواطنون لـ”القدس العربي” مؤكدين ان الحصار المفروض ورغم أنه يشل البلدة ويعيق التنقل لما يقرب من ألف مواطن يوميا إلا أنه لم يحقق الهدف المقصود منه والذي يتمثل في أن ينتقد المواطنون حالة مقارعة المستوطنين التي بدأت تظهر خلال الفترة الماضية.
ونقل عن وسائل إعلام عبرية، بحسب أمين سر حركة فتح في منطقة شقيف، ماهر النعسان أن التحريض على سكان القرية وصل ذروته عندما طالب المستوطنون بترحيل السكان إلى سوريا.
وعن أسباب اختيار سوريا لتكون مكانا للتهجير وفق العقلية الاستيطانية، يضحك النعسان ويقول: “هذا سؤال يفترض أن يوجه للمستوطنين والمحتلين”.
وتندلع مواجهات مع قوات الاحتلال عند المدخل الغربي للقرية بشكل شبه يومي، فيما أغلق الاحتلال مدخليها الرئيسين، ورغم فتحه صباح اليوم إلا ذلك لا يعني أن يسود الهدوء المدخلين الرئيسيين.
وبحسب مصادر محلية فإن قوات الاحتلال المتمركزة على المدخل الغربي للقرية تطلق قنابل الغاز السام والصوت صوب طلبة المدارس والأهالي بشكل شبه يومي فيما يقوم الشبان بالرد على ذلك بإطلاق الحجارة واشعال الإطارات واستهداف المستوطنين.
ويضطر السكان إلى سلوك طرق ترابية وعرة للوصول إلى أماكن عملهم في مدينة رام الله أو القرى والبلدات المجاورة.
ويرى النعسان أن التشديد على الحاجز الشرقي للبلدة (شارع أيلون-الخان الأحمر-نابلس) رافقه تخفيف على الحاجز الغربي من أجل بعض الأمور الإنسانية، وهذا لا يعني أن ممارسة الظلم والقمع والقتل والمصادرة بطريقة منظمة مسألة قد توقفت.
وجاء “شارع أيلون” ضمن خطة حملت نفس الاسم بهدف تغذية المستوطنات الإسرائيلية في منطقة الأغوار، فيما تقف فكرة دينية على تواجد المستوطنين في تلك المنطقة حيث يدعون أن المنطقة ضمن خط سير سيدنا إبراهيم عليه السلام.
ويرى النعسان أن هناك تناغما وحالة من تقاسم الأدوار بين ثلاثة أطراف: الجيش والشاباك والمستوطنين من أجل تحقيق هدف السيطرة على جميع الأراضي المطلة على الأغوار.
وينظر أمين سر حركة فتح إلى قريته، وهو حال اغلب سكان القرية، على أنها بمثابة “حجر عثرة أمام المد الاستيطاني بحكم موقعها الجغرافي حيث تقطع تواصل الكتل الاستيطانية”.
ويصف ما تتعرض له البلدة ذات الطابع الزراعي والرعوي وإلى جانب المناطق المحيطة بها التي يكثر فيها الرعاة والمزارعون “بالحرب”.
وخلال الفترة الماضية اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي ما يقرب من 45 شابا على خلفية عمليات مقاومة، فيما يعمل ضابط الشاباك الملقب “أبو النمر” على تهديد يومي للشبان والنشطاء بالاعتقال والتصفية عبر رسائل تصل إلى جوالاتهم.
ويرى النعسان أن السياسة الاحتلالية تعكس حملة مسعورة، وتريد أن “تجعل من سكان القرية بشرا صامتين، لا يطالبون أو يعترضون، حتى إنهم لا يريدون من الشبان أن يمشوا في مسيرة سلمية”.
ويؤكد ان عنوان المعركة الحالية هو دفع السكان “لقبول الأمر الواقع”، وهو وجه آخر لسياسة الترحيل والتهجير في ظل الاعتداء والتضييق المتكررين.
ويرى النعسان أن ما يراد للمغير هو ذات مصير قرية “عين سامية” (التي لا تبعد عن القرية أكثر من كيلومترين هوائيا)، حيث قام الاحتلال بتهجير سكانها بصمت خلال الفترة الماضية.
ويضيف أن أركان العملية ثلاثة، حيث يلعب المستوطنون دور الساتر حيث يقودون الهجمات على السكان، فيما الجيش يقف خلفهم في كل ما يفعلون، أما الشاباك فيكمل المهمة بتهديد شبان البلدة وناسها.
ويتكثف سعي الاحتلال خلال الفترة الحالية في السيطرة على التلال الشرقية للقرية، وهو أمر يدفعه إلى منع رعاة الماشية من الوصول للمراعي التي اعتادوا على الوصول إليها تاريخيا.
ويؤكد النعسان أن الاعتداء على الرعاة لا يستهدف سكان القرية وحدها، إنما “تمتد الاعتداءات إلى مناطق مثل “رأس التينة” و”عين سامية” والبدو الرحل القادمين من الخليل ويعيشون في الجوار، وهو ما يهدد حياة 10 الاف رأس من الماشية”.
لحظة الحسم
بحسب المحلل السياسي عصمت منصور فإن ما يجري في القرية يعكس تجسيدا للحظة الحسم، حيث يضيف: “ما تتعرض له القرية يتعدى التنكيل الجماعي والعقوبات، انه جزء من منهجية ومخطط يهدف الى التضييق على السكان الاصليين لصالح المستوطنين والاستيطان الرعوي وارهاب مجموعات تدفيع الثمن وشبيبة التلال”.
ويتابع: “الحصار والاعتداء على الممتلكات والمنع من الوصول الى الاراضي وقطع الطرق، يهدف الى دفع الناس الى ترك الطرق والأراضي (الخطرة) والبحث عن طرق ومصادر رزق بديلة”.
ومن وجهة نظر منصور فإن “هذه السياسة لا تواجه محليًا من خلال سكان القرية المستهدفة، بل ضمن نضال جماعي طويل نفس تسخر فيه كل الإمكانيات، إنه صراع وجود على كل شبر ارض بكل معنى الكلمة، وهو الترجمة الحرفية لمقولة حسم الصراع”.
ويشدد بالكثير من الأسف على أن الأدوات الحالية، ومن تجربة المغير وعين سامية، والية عمل وتفكير الفصائل (حتى الآن)، ستميل الكفة لصالح مجموعات الارهاب الاستيطانية.
وفقًا لاتفاقية أوسلو الثانية المؤقتة الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في سبتمبر 1995، قسمت أراضي قرية المغير إلى مناطق مصنفة سياسيًا وهي منطقة “ب” ومنطقة “ج”. ووفق ذلك تم تصنيف ما يقرب من 1,934 دونمًا (5.9٪ من إجمالي مساحة القرية) على أنها المنطقة (ب)، حيث للسلطة الوطنية الفلسطينية سيطرة كاملة على الشؤون المدنية، دون الشؤون الأمنية التي تواصل إسرائيل تحمل مسؤوليتها. كما تم تصنيف مساحة القرية المتبقية التي تشكل ما يقرب من 31,121 دونمًا (94.1٪ من إجمالي مساحة القرية) على أنها المنطقة (ج)، حيث تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الكاملة على الشؤون المدنية والأمنية. وتحظر إدارة المباني أو الأراضي الفلسطينية إلا بموافقة وتفويض من الإدارة المدنية الإسرائيلية. وفقًا للقرويين، تمت مصادرة 75٪ من أراضيها لصالح المستوطنات الإسرائيلية والقواعد العسكرية والمحميات الطبيعية.
وعلى مدى سنوات تعيش القرية سلسلة كبيرة من عمليات المستوطنين ومجموعات تدفيع الثمن الإرهابية حيث أحرقت المساجد والسيارات وقطعت الأشجار وصودرت الأراضي وشنت الهجمات على المواطنين وهو أمر أصبحت البلدة مرشحة بالمزيد منه مع نمو شوكة المستوطنين.
ومع نمو هذه الشوكة لا يبدو طلب المستوطنين المتمثل بالاعتذار من أهالي قرية المغير أقرب للنكتة السمجة إنما هو طلب يعكس في الجوهر ما هو مطلوب من الفلسطيني فعله في ظل سياسات حسم الصراع، وهي سياسات تريد أن تجعل من الصمت الفلسطيني حالة عامة وعكس ذلك يعني العقاب الجماعي.