مسجد الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في فاس هذا الخراب الجليل
عزيز الحداديمسجد الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في فاس هذا الخراب الجليل لم أكن أتوقع أن أجد هذا المسجد (مسجد الأزهر) القدسي الجليل الذي كان الشيخ الأكبر أحد أئمته لمدة خمس سنوات (591 ـ 597هـ،) عبارة عن خراب، عن أنقاض بشعة في منظرها، لكن ذوق مقامها لذيذ يبشر بنهاية العالم وقيام القيامة خاصة وأن رؤية الشيخ لقيامته قد تمت في فاس البرزخ، فاس الذوق والمشاهدة والرؤيا والأحلام والتجليات التي كان مسجد الأزهر فضاءها، لكن كيف يتحول هذا المكان من حيث هو مكانة إلي أكياس من الرمل وأنقاض تنذر بإلحاق روح ابن عربي بالعدم وتعجل بنسيانه من أجل الاعتزاز بموسيقي المسخ الروحي، لماذا يلتزم الجميع الصمت تجاه هذه المعلمة الحضارية؟والحال أن ابن عربي كان يعشق فاس ويعتبرها ذات مقامات استثنائية تذوقها، ومجموعة رؤي ولقاءات برجال الزهد والطريقة، وبعبارة أخري ان فاس البرزخ عبارة عن أمكنة مقدسة لها تأثير في القلوب اللطيفة حيث نجده يقول: من شرط العالم المشاهد، صاحب المقامات الغيبية والمشاهدات يعلم أن للأمكنة في القلوب اللطيفة تأثيرا. ولو وجد القلب في أي موضع كان الوجود الأعم… فكما تتفاضل المنازل الروحانية، كذلك تتفاضل المنازل الجسمانية . فقيمة المكان بالنسبة للشيخ الأكبر ناتجة عن مدي تأثيره في القلوب ومنزلته الروحية، هكذا يفضل هذا الرجل مسجد الأزهر لأن وجود قلوبنا في بعض المواطن أكثر من بعض وقد أحصي الباحث محمد المصباحي عدد المرات التي تم ذكر مدينة فاس فيها في الفتوحات المكية فوجدها تحتل المرتبة الثانية بعد مكة: باستثناء مكة المكرمة التي يهدي كتاب الفتوحات لها باعتبارها أشرف وأقدس مكان في العالم والتي يتردد ذكرها أكثر من 129 مرة، حظيت مدينة فاس بمكان الصدارة في كتاب الفتوحات المكية إذ ورد ذكرها أكثر من 40 مرة، بينما لم يذكر قرطبة سوي 16 مرة، ونفس العدد بالنسبة لدمشق التي حط بها في نهاية رحلاته… .نحن لا نريد أن نوضح مدي عشق ابن عربي لفاس واعتزازه بها، بل نسعي أن نثير انتباه أصحاب القلوب اللطيفة بما آل إليه مسجد الأزهر وربما سيتأثرون بهذا الخراب الذي لحقه، أو سيمارسون لعبة الاغماض أو النظر إلي الأمكنة التي تجتذبهم.يقول ابن عربي عن تفاضل المساجد: ولهذا يرجع تفاضل المسجد في وجود القلب، لا في تضاعف الآخر. فقد تجد قلبك في مسجد أكثر مما تجده في غيره من المساجد، وذلك ليس لتراب، ولكن لمجالسة الأتراب أو همهم. ومن لا يجد الفرق في وجود قلبه بين السوق والمساجد، فهو صاحب حال لا صاحب مقام . ولذلك وجد الشيخ قلبه في مسجد الأزهر ولم يجده في مسجد القرويين باعتباره مسجدا رسميا ممتلئا برجالات الدولة والمستبدين والطغاة. وبعبارة واحدة أنه كان بمثابة فضاء للنفاق الديني. في حين حافظ مسجد الأزهر علي بساطته وعمقه الروحي الأمر الذي جعل محي الدين بن عربي يصبح إماما يصلي بمحبي هذا المسجد الجليل.لعل التنبيه علي سبيل السعادة، أو تحصيلها لن يتم إلا بزيارة هذا المسجد والتأمل في هذا الخراب الذي لحقه ما دام أن الصلاة لم تعد ممكنة فيه لأنه قد تحول إلي خراب جليل ينام في قلب الشيخ الأكبر الذي رأي فيه جميع رؤاه، وخاصة حين حصلت له تلك التجربة الروحية في مسجد الأزهر، وهي ما يمكن تسميته بمقام الوجهية حين تحول جسده إلي عين واحدة: كنت أصلي بالناس بالمسجد الأزهر بمدينة فاس، فإذا دخلت المحراب أرجع بذاتي كأنها عين واحدة، فأري من جميع جهاتي، كما أري قبلتي. لا يخفي علي الداخل ولا الخارج، ولا أحد من الجماعة . ويضيف قائلا: وهذا مقام نلته سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بمدينة فاس في صلاة العصر وأنا أصلي بجماعة بالمسجد الأزهر بجانب عين الخيل، فرأيته نورا يكاد يكون أكشف من الذي بين يدي. غير أني لما رأيته زال عني حكم الخلف، وما رأيت لي ظهرا ولا قفا، ولم أفرق في تلك الرؤية بين جهاتي، بل كنت مثل الأكرة لا اعقل لنفسي جهة إلا بالفرض لا بالوجود. وكان الأمر كما شاهدته، مع انه كان قد تقدم لي قبل ذلك كشف الأشياء في عرض حائط قبلتي. وهذا كشف لا يشبه هذا الكشف .أقول لكم إن التاريخ سيحاكمنا علي هذا الإهمال، لأن التراث الثقافي والحضاري ليس ملكا لأحد، بل إنه ذاكرة الأمة وإرث للأجيال اللاحقة. ولذلك لا ينبغي أن نتفرج علي هذا الموت البطيء، أو بالأحري هذا القتل الرحيم لكل إرادة ثقافية.ربما أن محي الدين بن عربي حاضر ببركاته وقدسيته في هذا الخراب يتأمل ضعفنا وانعدام قدرتنا علي الكلام والاحتجاج، خاصة وأننا تعلمنا منه كيف نقول نعم ولا، إما في وقت واحد أو في أوقات مختلفة، من لم يتذوق متعة الحيرة ولذة التقلب لا قلب له، ومن لا قلب له لا يعول عليه فهل أصبح الذين يسيرون هذا البلد دون قلوب، وهل ينبغي أن لا يعول عليهم؟.والحال أن السياسيين الذين يقضون حياتهم في عقد اتفاقات والتخلي عنها قد تحولوا إلي كائنات خرافية، أو عبارة عن أشباح تبدو وسيمة في المساء من أجل الاطمئنان علي المحاصيل وتسعي إلي تحقيق الأرباح وكأنها كائنات خالدة.أيحق لنا أن نطلب منهم رفع هذه الأكياس البشعة من بهاء هذا المسجد الطاهر، أم ينبغي أن نتوجه إلي الشيخ الأكبر ونلتمس منه المعذرة ما دام أنه ليس باستطاعتنا أن نحقق له هذه الأمنية؟ ونقول له بصوت خافت يهمس في صمت الحيرة والتقلب، هنيئا لك بمغادرة فاس وإلا كان مصيرك هو العدم وتصبح مثل ابن باجة أو لسان الدين بن الخطيب دون قبر حتي يتمكن كل أكبري من زيارته وتذوق مقاماته وأحلامه ورؤاه. وقد قال ابن خلدون عن فاس وعن حكامها حين كان بصدد الحديث عن لسان الدين بن الخطيب قائلا: وكان في ذلك انتهاء محنته، وعجب الناس من هذه السفاهة التي جاء بها سليمان واعتدوها من هناته وعظم التكبير عليه وعلي قومه وأهل دولته .لكن ماذا لو توجهنا بنداء إلي أصحاب القلوب اللطيفة لكي يتدخلوا ويضعوا حدا لهذه البشاعة الوديعة ويحركوا فينا ذلك الأمل النعيم؟ هل سننعم بالتفاتة جليلة؟. لقد كان الشيخ الأكبر يحب فاس البرزخ التي قال عنها صاحب المعجب في أخبار المغرب عبد الواحد المراكشي: وما أظن في الدنيا مدينة كمدينة فاس…..ولذلك اختار ابن عربي أن يقضي فيها خمس سنوات من حياته كإمام لمسجد الأزهر بعمق الخليل ولذلك كان سعيدا بالتقائه بقطب الزمان فآخر الأولياء ومشاهدته احد أوتاد العالم الأربعة بفاس، فهل كانت غايته هي الدفاع عن المحبة والتسامح والفضيلة؟ أو ربما أنه كان يسعي إلي منح المغرب مشعل ومصباح ما بعد الحداثة؟ هكذا ينبغي علي المغرب أن يفكر بعمق في خلق مصالحة مع هؤلاء العلماء، مع ذاته لأنه من البشاعة أن نترك هذا المسجد الجليل يتحول إلي مزبلة، وأن نترك ابن باجة دون قبر، وأن نترك لسان الدين بن الخطيب معتقلا في تلك الزنزانة وابن خلدون دون منزل وغيرهم…أنت جالس أمامي أحدثك بشوق وأتذوق مقاماتك وأحوالك وأذكر تلك الرسالة التي بعثت بها إلي أبي الوليد بن رشد الذي كنت الوحيد الذي وصف موكب جنازته بعشق صوفي لا يمكن للإنسانية أن تنساه… هل بإمكانك أن تنام قليلا وحين تستيقظ ستجد هذا المسجد الذي تحبه قد بعث من جديد أو أنه التحق بالعدم نهائيا؟. كاتب من المغرب0