بينما تراكض إسرائيليون (وأمريكيون) في نيويورك، واجتهدوا، وهددوا ووعدوا، في محاولة لإقرار مشروع قرار في الجمعية العمومية للأمم المتحدة يشجب حماس، رافق إسرائيليون آخرون السفير القطري عبر مطار بن غوريون حتى حاجز ايرز، بينما كان يحمل حقائب وفيها 15 مليون دولار أخرى نقداً إلى المنظمة إياها بالضبط.
تجسد هذه القصة كم هي منقطعة الأعمال التصريحية لإسرائيل عن تلك العملية، وكم بعيداً سارت كي تضمن بضعة أشهر أخرى من الهدوء على حدود القطاع.
وفي الجيش أيضاً، الذي كبح حتى الآن معركة في غزة بثمن انتقاد جماهيري واسع، يشعرون بعدم الراحة إزاء مسرحية الدولارات الشهرية. صحيح أن جهوداً تبذل للتأكد من أن المال لا يصل إلا للموظفين المدنيين من حماس، ولكن لا حاجة للمرء لأن يكون مدقق حسابات كي يفهم بأن 15 مليون دولار تدخل إلى الصندوق، حتى لو لم تكن مخصصة إلا للطحين والأرز، تسمح بتفريغ مال لأغراض أخرى.
وقف الكثيرون في الطابور في فروع البريد في غزة نهاية الأسبوع الشتوي، بعضهم من أجل مئة دولار فقط. ولكن 15 مليون دولار ليس مالاً كثيراً حين يدور الحديث عن نحو مليوني نسمة. من يتلقون المال هم قريبون من دوائر حماس، وأمام كل واحد راض هناك خمسة يائسين، بحيث أن الحديث يدور عن تنفسات محسوبة من جرة أكسجين، ليس أكثر من ذلك.
حتى المؤيدون غير متفائلين بأن تصمد التهدئة طويلاً لكن يقولون إن المحاولة تستحق
حماس لم تطفئ محرك مسيرات العودة، وهي تتواصل كالمعتاد، آلاف الأشخاص، أسبوعاً إثر أسبوع. وعندما لا يسري شيء ما كما ترضاه، فإنها ستضغط على دواسة الوقود.
في هذه الأثناء يحاولون تعظيم الفضائل من حقيقة أنهم عادوا إلى مركز الاهتمام: التنسيق بين حماس ورام الله وثيق أكثر من أي وقت مضى، المصريون تحولوا من خصم إلى صديق (صور مسؤول المخابرات المصرية يستقبل بالهتاف في مهرجان النصر الذي عقدته حماس بعد العملية في خانيونس أثارت الصدمة هنا)، وحتى أبو مازن ساهم في صد الخطوة ضدهم في الأمم المتحدة.
حتى المؤيدون للتسوية يدركون تدني احتمال نضوج فترة هدوء طويلة، ويصل إلى نحو 10 في المئة فقط. ومع ذلك فإنهم سيقولون إن المحاولة تستحق: حتى لو أجلنا المواجهة لنصف سنة وتمكنا من أن ننهي في هذا الوقت معالجة أنفاق حزب الله والتقدم مع أنفاق حماس ومع العائق التحت أرضي ـ فهذا خير.
السؤال هو ما الذي يخطط له يحيى السنوار الذي سيطر بقدر كبير على منظومة اتخاذ القرارات في حماس ويتراوح بين النشوى والضائقة، وبين المراوحة والاستسلام لنوبات اليقظة وتأكيد الموقف. هل حماس، التي شدت الحبل في الأشهر الأخيرة انطلاقاً من التقدير بأن إسرائيل غير معنية جداً بالحرب، تفهم بأن الثقة الجماهيرية بالحكومة والجيش في موضوع غزة قريب جداً من الخط الأحمر؟ أم قد تقدر بأن نتنياهو ـ مع انتخابات قريبة وعلاقات مع العالم الغربي يصعب تحسينها في الوقت الذي تكون فيه غزة مشتعلة ـ سيتجلد في المرة التالية أيضاً.
شمريت مئير
يديعوت 9/12/2018