مسرحية «الهوتة» للفلسطيني عامر حليحل: لماذا يتحول الناس إلى وحوش؟

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: بعد عرضين في الناصرة وحيفا يستضيف مسرح السرايا في يافا مسرحية «الهوتة» للفنان الفلسطيني عامر حليحل، وهو الممثل الوحيد الذي يقف على خشبة المسرح لنحو الساعة، يروي بلغة فنية قصة الحروب، ويبعث المشاهين للمزيد من الأسئلة والتساؤلات والتأمل في الوجود وفي النفس البشرية.
تبدأ المسرحية بسرد قصص مدرسية اعتيادية في غاية البساطة والأناقة، ورويدا رويدا تتشابك القصص والرسائل المستبطنة، لتبدو صورة الوجود معقدة ومحيّرة، مذكّرة بكونها مفرحة وموجعة في آن. وتشير المسرحية إلى ظاهرة طبيعية – كهف عمودي في الأرض- جانب قرية «باسل» (في الأربعين) يقرر باسل بجيل 15 سنة أن يفعل ما لم يفعله أحد من قبل، أن ينزل الهوتة. متحدياً القرية كلها، التي كانت تعتقد أن الغولة تسكن «الهوتة» وأنها تملك أسراب الحمام التي تعيش في «الهوتة» ولا يستطيع أحد أن يمسها، وإن حدث ومسّها ستأتيه الغولة في الليل لتأكله بملابسه. ينزل باسل الهوتة والغولة لم تكن هناك، واتفق الجميع على أنه بطل كبير، ثم أتت الثورة، التي جرّت الانقسام، الذي جر المواجهات، التي أتت بالحرب، فجاءت بفصائل وكتائب متحاربة متنازعة في مواجهات تقطر دما ووجعا. وبينما كان يبحث باسل عن شقيقه طلال في خضم الحرب، يقع تحت أيدي فصيل محارب، ومن هذه اللحظة يتنقل باسل في رحلة سيزيفية من فصيل إلى آخر، يحارب ويطلق النار ويتورط بكل ما تمليه الحرب على من تمرّ عليه عنوة. وفي المسرحية المبنية من وحي قصة حقيقية وخلال رحلته التي لا يقبلها منطق سوى منطق الحرب، يفقد باسل كل ما كان لديه، الناس، والأهل والأصدقاء والحبيبة وكل ما كان يعرفه قبل الحرب.
«الهوتة» تسأل: ما الذي في الحرب يجعلنا وحوشاً بعد ما كنا قبلها بلحظة أشخاصاً عاديين؟ هل النفس البشرية انتقامية بغريزتها؟ هل الحرب هي حقيقتنا البشرية الوحيدة؟

على جناحي الهوتة

في رصيد الفنان عامر حليحل أعمال مسرحية كثيرة لكن «الهوتة» أطولها مدى وأقرب للعالمية، بلغتها وحقيقتها الإنسانية. الحرب شر الشرور يخافها الإنس والجن، «تموت» منها خوفا حتى الغولة، كما في المسرحية. الحرب فضيحة يتورط فيها الإنسان الذي خرج قبل ملايين السنين من الغابة وهو يتلفت نحوها للخلف. تنتج وتخرج «الهوتة» أسئلة فلسفية حول الوجود والحياة، خاصة الآدمية كيف ولماذا يتحول الناس إلى وحوش، ولماذا خلقت النفس البشرية أمارة بالسوء؟ هل الحرب هي حقيقتنا البشرية الوحيدة، أو الأكثر جوهرية وغيرها من الأسئلة.
عامر من خلال باسل، يعيد للمسرح مجده بمسرحية رشيقة، لكنها عميقة جمعت بإتقان الرسام البارع، بين الدمعة والابتسامة، وهو يضعنا أمام المرآة فنرى تراجيديا الحياة بكل ما فيها وفينا.. لنا وعلينا بلغة يفهمها الأجنبي مثل العربي. طيلة العرض يخفف وطأة الحقيقة بدندنته أغنيات جميلة بين رصاصة وأخرى وبين قذيفة وقذيفة.. فتتجلى في هذا الحظات المفارقات والتناقضات في حياة هذا الكائن العجيب الغريب، المكنى بالإنسان.
على خشبة مسرح «سينمانا» في الناصرة تألق حليحل وهو يمثل من قلبه وعرقه يبّلل سترته متكئا على قصة فيها حبكة مركزية تفرعت منها قصص بدأت وانتهت بالهوتة، وكل ذلك بلغة وايحاءات ومحفزات سيكولوجية تخاطب الروح والوجدان والعقل، مولدة لحظة درامية تبلغ حبس الأنفاس أحيانا.

مسرحية الهوتة تستحق المشاهدة

فور عرضها الأول أثارت «الهوتة» ردود فعل واسعة لدى الجمهور الذي أقبل على مشاهدتها، يقول الأخصائي النفسي مروان دويري إن «الهوتة» مسرحية عميقة، يأخذ فيها هذا الممثل الجمهور عبر أحداث ومشاهد تحمل طيفا واسعا من المشاعر، كالرعب والحب والفكاهة والحزن، وتشدك دون ملل على مدار أكثر من ساعة. دويري الذي تتوافق المسرحية مع اختصاصه سيكولوجيا، يقول أيضا إنها توقظ الناس من السبات والوهم بأن الحياة يمكن أن تكون عادية يستطيع الإنسان تحقيق أحلامه فيها، على الرغم من استمرار الحروب في المنطقة. ويتابع دويري في انطباعاته عنها: «المسرحية تجعلك تدرك أنه في عالم مليء بالصراعات والحروب، لا يمكن أن تبقى أحداث الحرب مجرد أخبار تتناقل في وسائل الإعلام أو في كتب التاريخ بعيدة عنك، بل سرعان ما تجد نفسك في قلب هذه الصراعات، لا تستطيع أن تكون محايدا، وإن حاولت سرعان ما تجد نفسك مجرورا وراء التيارات التي تتجاذبك بغير إرادتك، وتبدد أحلامك وتشتت عائلتك.
بنظارته السيكولوجية يخلص دويري إلى القول: «تستطيع أن تكون شابا جريئا تعمل على تحقيق أحلامك وتمارس سيادتك على نفسك، وتسجل بطولات أسطورية في الهوتة أمام المجهول والغولة، إلا أن هذه البطولات لا تسعفك أمام قساوة وضراوة الحروب، التي يعجز الغول نفسه عن تحملها. المسرحية فيها كثير من التشاؤم الضروري لإحداث صدمة في الوعي تستدعي اليقظة والتنبه للأخطار. المسرحية تؤكد للمشاهد أن لا سيادة له على نفسه في هذه الظروف وتتركه حائرا يفكر في كيفية تدبر حاله».

للهوتة قاع وللنفس البشرية دهاليز وهُوتٌ بلا قاع

ويقول الناشط والسياسي بكر أفندي إن المسرحية أخذته لمشاهد واقعية في الحياة، وأخذته مجددا لما حصل في العالم العربي في العقد الأخير: «خرجت تائها، بل خائفا مليئا بالتساؤلات والافكار. نجحت الهوتة في مونولوج إنساني بسيط أن تجسد تخبطات الإنسان البسيط والعادي في أمة كاملة هاربة من بعضها تقتتل في ما بينها وتأكل بعضها في بحثها عن الخلاص والنجاة، من خلال نص وأداء متقن يرسم سيرة حياة الشاب باسل على محاور وأهوال الحروب الأهلية بإبداع سلس، صعب، مبكٍ ومضحك في آن، ويعيد للمعاناة الإنسانية حقها المختزل بعناوين الأخبار».

دهاليز النفس البشرية

موضحا أن الهوتة أو «الجورة الكبيرة» ، تلك المغارة العمودية العميقة الممتدة إلى داخل عتمة الأرض، التي لا يرى فيها شيء، هي مربع للخيال الخصب، عتمتها نسجت في عقولنا الأساطير، واذا كانت هناك هوتة فلا بد أن تسكنها الغولة، ذلك المخلوق الأسطوري المخيف الذي يخرج في عتمة الليل. ويضيف «أسطورة تخيفنا لكن في الواقع لم يمت منها أحد. وباسل الشخصية المركزية لهذا العمل يسكن في بلدة على أحد أطرافها هوتة كبيرة. لكن ليست الهوتة في البلدة هي مركز العمل أو صلبه، بل هي مدخل إبداعي مُلهم للهوت السحيقة في دهاليز النفس البشرية، التي لا يرى لها قاع، باردة، مخيفة، مرعبة، حيث يخرج منها ألف غول حقيقي قاتل. كما يقول بكر أفندي إنه إذا كانت الهوتة عمودية فإن الفقدان أفقي يتسع ويتسع بين البحث عن الأخ والأم والزوجة، والبحث عن الذات التائهة والهاربة في أفقيات وطبقات وتنقلات بين محنة وأخرى، وبين فصيل مصلٍ واخر ملحد: كيف يمكن ان تُحول الحرب أبناء البلد إلى قاتلين، كيف تتحول الحرب إلى سيل جارف تجعل همك الوحيد أن تتمسك بشيء، حتى في هروبك من الحرب أنت في داخلها تقتل لتعيش تفقد السيطرة تتقاذفك الظروف من هوة إلى هوة، فيخرج أبشع ما في الإنسان، تضيع الإنسانية، وتتلخص حياتك بلون البدلة التي تلبسها ولا شيء سواها. ويخلص للقول إنه لا بد من الإشارة للخاتمة النهائية للمسرحية عندما شاهد باسل الغولة في حالتها تلك. مشهد يستحق الثناء والتمعن والتفكر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية