تمثّل مسرحية «بيت الدمية» 1879 للكاتب النرويجي إنريك إبسن (1828-1906) أحد أهم النصوص المركزية في الثقافة العالمية كونها تمثل نقطة تحول لا على مستوى فاعلية الفن، أو مفهوم الأدب الواقعي فحسب، وإنما على مستوى العمق الرؤيوي الذي تنطوي عليه، خاصة النظم التأويلية التي أطلقت جملة من المفاهيم تجاه تمثيل الحضور النسوي في الثقافة الغربية، بل إن أثر ذلك طال الإنسانية في سياق مسرحية قد تبدو للوهلة الأولى مختزلة، ومباشرة ظاهرياً، تبعاً لسياق تلقينا المعاصر، غير أنّ عمق المعالجة، ونمو الفكرة يشكل درساً للكتابة، وهنا انطلق من مقدار ما ينبغي للنصوص أن تتمتع به من أصالة وجرأة على مستوى الأفكار، مع المحافظة على بنية فنية تسهم في إطلاق جملة من التأملات تجاه قضايا منجزة، بمعنى وجود ذلك التلاؤم بين المضمون والشكل، فالجملة الحوارية.. والقيم المشهدية على مستوى النص تتخذ أبعادها من قدرتها على العمل مجتمعة من أجل توليد الأفكار والمناخات التي تجمع بين البنيتين: العقلية والعاطفية على حد سواء.
المرأة نموذج التنميط
تنهض المسرحية على اختزال مشهدي واضح، ففي كل مشهد تُنسج الخيوط الدرامية بخفة، إذ تبقى القيم المتوقعة غير ناجزة، إنما تبقى في سياق من البناء والتطور كي تقود القارئ للتفكير على مستوى المقصدية العامة، بما في ذلك جزئيات وثيمات متعددة ما يشير إلى قدرة معالجة عميقة، فالمسرحية تنفتح على مشهد (الزوجة) «نورا هيلمر» وهي تمتلئ بمعنى حياتها كما تعتقد، أي بوصفها زوجة محبوبة، وأما مثالية – ربما إلى حد السذاجة – في حين تسكنها النشوة لما تتوقعه من مستقبل، ولاسيما بعد أن حصل زوجها «تورفالد هيلمر» على ترقية تتيح له تجاوز الظروف الصعبة التي مرت بها العائلة. هكذا تبدو القيم الإيجابية متوازنة، على الرغم مما يضمر من أنساق حضارية، حيث يمهد الحوار بين الزوجين الانفتاح على أفق المستقبل من حيث التحول من وضع معيشي سلبي، إلى وضع إيجابي بسبب هذه الترقية، ولعل هذا يعدّ وحدة تمهيدية كي تؤطّر تمثيلات الزوجة بذلك الأفق الذي يقترب من الدمية المدللة، فهي زوجة محبة ورقيقة، كما أنها أم حنونة، ومثالية، فلا عجب أن يكثر زوجها من نعتها بمفردات: أرنبتي، وبلبلتي، مع تقديم حبها للحلوى التي ينهاها زوجها عنها، فتأكلها خفية، مع حوارات تؤكد نمطية رغبتها في المال بهدف تبذيره والتنعم به، كل ذلك مقابل عقلانية الرجل برفضه للقروض، لكن الأهم إشارته إلى أن هذا الطابع (الأنثوي أو الشخصي) وراثي أو جيني.
هكذا يؤثث تكوين هذه المرأة في أفق التلقي، ومع زيارة السيدة أو الصديقة «كريستين ليند» يتكشف أحد الأسرار التي تتعلق بمحاولة نفي هذه الصورة النمطية، حيث تعترف «نورا» لصديقتها بأنها استدانت مالاً كي تقوم بعلاج زوجها، غير أن مآلات الأحداث تكشف عن تورطها لاستدانة المال من «كروجشتاد» الموظف في البنك، الذي يعمل فيه زوجها الذي أصبح بدوره مديراً له، وينوي طرد هذا الموظف لشبهات تتعلق بأدائه وأخلاقه، فيمارس هذا الموظف الضغط على الزوجة بإبطال القرار، أو أنه سوف يقوم بكشف ما اقترفته الزوجة التي قامت بتزوير بعض الأوراق (توقيع والدها) وهو ما يخلق معضلة قيمية تشكل مركز الحبكة. غير أنّ هذه الحبكة سرعان ما تنتهي مع التحولات التي تطرأ على شخصية «كروجشتاد» بعد أن تنكشف بعض الخيوط التي تجمعه مع السيدة « ليند» – محبوبته السابقة – التي تخلت عنه في الماضي، فهي تعود لتعرض عليه بدء حياة جديدة تخلو من النقائص ما يشكل فعل تحول في شخصية «كروجشتاد» حين تدعوه «ليند» للإحجام عن كشف حقيقة الزوجة «نورا» أمام زوجها، ما يدفع إلى تحقيق تحول بعد أن يطلع الزوج على الخطاب المرسل من «كروجشتاد» الذي يفشل في استرجاعه بعد يقظة ضميره نتيجة إعلان «كريستين ليند» رغبتها في الارتباط به، وبدء حياة جديدة.
تحوّلات الوعي
ينتج عن اطلاع الزوجة على حقيقة زوجته اتهامها بعدم الأمانة، وبأنها لا تؤتمن على تربية الأطفال نظراً للأفعال التي قامت بها، غير أنه في الحقيقة كان يخشى على منصبه، ومستقبله نتيجة هذا التهديد، وحين يصرح« كروجشتاد» بعدم نيته تنفيذ ما دعا إليه في الخطاب، يتحول موقف الزوج تجاه زوجته، فيسارع إلى مسامحتها، وتفهم الأسباب التي دفعتها لهذا الفعل، ما يكشف هشاشة العلاقة، لكن الأهم ما يكمن في داخل الزوج من تصورات تجاه زوجته، فعلاقته معها تُبنى على معنى قار في ذهنه، وثقافته، فيرى الزوجة أقرب إلى دمية، وحضورها ليس سوى أداء وظيفي يرتبط بعوامل محددة فقط. هكذا يتشكل النسق الذي يحكم المسرحية، بمعنى تشكل مبدأ «الوعي» الذي يولد من موقف الزوج الذي يرى في زوجته دُمية هامشية. هذا الوعي (السلبي) ما هو إلا موقف مختزل يمكن أن نختبره كل يوم ضمن الإطار الثقافي الذي يشكل هذه الحالة، أو في سياق (ثقافة القرن التاسع عشر) حيث كانت المرأة مختزلة في حدود معينة، ما جعل إنريك إبسن يلتقط هذا المستوى، ويعيد تشكيله في إطار المعاينة لهذه الصورة؛ بمعنى أنّ المسرحية تكريس لما يكمن في وعي المتلقي من طبقات وقناعات تتصل بحضور المرأة كي تعيد مساءلتها. وهذا أحدث نوعاً من اللغط تجاه تلقي المسرحية، مع مطالبة البعض بتغيير نهايتها التي بدت صادمة للبعض – مغادرة الزوجة نورا لبيتها ورفض قبول دور الدمية – ولاسيما ممن لم يتمكنوا من تطوير بعد وعيهم الثقافي أو الاجتماعي في ذلك الزمن، بل إن بعضهم أساء تأويل المسرحية.

يلعب الوعي دوراً محورياً في بنية المسرحية، فالحبكة تُبنى على لحظة تولّد الوعي في كل شخصية باستثناء الزوج الذي يبدو وعيه سلبياً يتصل بالموروث الثقافي السلبي، ونعني قناعات تتعلق بمنظوره للمرأة، في حين أن باقي الشخصيات تتصل بوعي إيجابي، وهو ما يشكل بنية نسقية للوعي، ومن ذلك الموظف «كروجشتاد» الذي قام بإقراض المال للزوجة، ومن ثم محاولة عودته للعمل في البنك بطرق ملتوية، غير أن وعيه يتشكل حين يصادف المرأة التي أحب «ليند» التي تخلت عنه في الماضي… غير أن تحولها يتمثل برغبتها في استرجاع الحب القديم بعد أن تخلت عنه لوقائع مادية وحياتية. هذه المرأة تقرر أن تتبنى القيم المثالية عبر استعادة الحب مع الموظف «كروجشتاد» فتقوم بإقناعه في البداية باسترجاع الخطاب لإيمانها بأن «آل هيلمر» يجب أن يتخلصوا من الأكاذيب كي تسود القيم المثالية، لكن عبر الكشف عن الحقيقة (ما فعلته نورا) وهذا نسق يكاد يتكرر في بعض مسرحيات إبسن كما في مسرحية «البطة البرية» حيث يضمن غالباً شخصية تعتمد التصور المثالي للعالم.
وأخير يتشكل الوعي الأهم الذي ينتج عن الزوجة «نورا» وتحديداً بعد ذلك الحوار الأهم على مستوى الوحدات في المسرحية، ونعني حوارها مع زوجها الذي يكتشف ما قامت به زوجته، وهنا يتجلى انبثاق وعي الزوجة بذاتها، وإدراكها بأنها جزء من عالم مصنوع تبعاً لواقع الرجل، وتمثيلاته تجاه المرأة التي لا تشكل بالنسبة إليه سوى دمية جميلة، دون أي اعتبار لوجودها أو موقفها أو خياراتها. ولعل هذا الوعي انبثق فجأة نتيجة قيم التناقض التي تؤطر الزوج، وسطحية معالجته للموقف… حينها تقرر الزوجة أن تخلع عن نفسها ثياب الدمية التي أتقنت ارتداءها لسنوات. هكذا تتحدد قدرات إبسن على طرح الأسئلة عبر الأدب، ونعني المنطلقات الأخلاقية لخياراتنا، وأثرها في تعرية المواقف والذات، ولاسيما حين تنزع نحو مبدأ المثالية، وانتفاء معناها حين تؤطر عبر قيم مجتمعية بالية، فهذا الواقع يعدّ جزءاً من مشهدية البناء الدرامي الذي لن نتوقف عن استرجاعه مع الزمن، لأننا سنبقي في مواجهة خيارات كثيرة، بالتوازي مع الادعاءات الأخلاقية التي يمكن أن تنشأ عن الفعل، ولهذا تبدو أعمال إبسن جزءاً من التفكير الجدلي لا السكوني على مستوى قراءة الإنسان، والأنظمة الاجتماعية في مواجهة أسئلة تطال موضوعات الحب والاضطهاد والطبقية والجندر، والاستقلالية والحرية والتضحية والقانون، والأهم ما هي المثالية.
لقد وضع إبسن في مسرحية «بيت الدمية» المواجهة الحضارية القائمة بين الموروث الثقافي تجاه تمثيل المرأة، وما يمكن أن ينتج عنه إذا ما أعيد التفكير في تكوينها أو صيغها، فلجأ إلى كشف التزييف، ونزع الأقنعة، وهنا تتأكد مقولة جوناثان كولر حين أشار إلى أن الزواج في مسرحية إبسن يتصل بالوضع التعاقدي، إذ يعمد إلى بناء تراتبي يحضر فيه الزوج بوصفه طرفاً أقوى، بينما الزوجة الطرف الأضعف، أو التابع، فلا جرم أن يصف بعض النقاد صفقة الباب التي خلفتها الزوجة بعد أن غادرت بيت زوجها بأنها الصفقة التي هزت أوروبا، كونها تتعلق بمعنى الحرية، أو حرية الإرادة.
القيم والقيمة
على الرغم من أن السّياقات الحضارية التي تناقش حضور المرأة في المنظومات الاجتماعية والثقافية والسياسية كانت حاضرة ضمن إرهاصات لكثير من الكتاب والفنانين الغربيين من حيث مناقشة واقع المرأة في القرن التاسع عشر، لكن معنى الفرجة بمعنى المسرحية التي تعرض على النظارة، كما معاينة الفعل مباشرة كأن له الأثر الأكبر في بناء موقف تأملي، فالمسرحية تعرضت لبعض النسخ، ولاسيما على مستوى النهاية لأن ما ضمنه إبسن من مواقف لم يرق لبعض أصحاب المسارح الذين يرغبون في تقديم معنى لا يثير سخط المتفرجين نتيجة رغبتهم في الحصول على نهاية مثالية، غير أنّ هذا المعنى (النهاية) كان بيضة القبان في جملة المسرحية، وأي نسخ لها أو تقويض.. فإن ذلك يعني نفي القيمة الحقيقية للمسرحية برمتها.
وفي الختام، فإن وعينا التاريخي والاجتماعي للتلقي، ورغبتنا في تأطير المرأة بوصفها قيمة جمالية ووظيفية في الحياة الأسرية، كانت تتوقع بأن تقبل «نورا» اعتذار زوجها، ورغبته في استئناف الحياة، وبذلك تستمر في دور الزوجة (الدمية) غير أن إبسن بدد هذا الوهم، وحرر الوعي من سباته، وخط تصوراً كيف يمكن للنصوص الأدبية أن تتمكن من تغيير الواقع؛ بمعنى إعادة التفكير بالمنجز من قيمنا؛ ولهذا تبدو بعض الأعمال الأدبية أكثر خلوداً ومركزية في تاريخ الآداب.. كونها قد أعادت تشكيل العالم الذي من الصعب أن نتأمله إلا إذا قرأناه بصورة مغايرة، بمعنى المنظور أو الزاوية، فالمسرحية لا تتعلق بوضع المرأة فحسب، إنما تتعلق بهويتها أو ماهيتها في البنى الاجتماعية والثقافية أينما كانت، فمسرحية «بيت الدمية» لا تستهدف وعياً غربياً، بل تستهدف دعوة المرأة للتفكير بذاتها ضمن البنية العميقة باختلاف السياقات والجغرافيات.
كاتب أردني فلسطيني