مسرحية ‘ريتشارد الثالث’ من تونس ‘حتى لا يولد ريتشارد من جديد’… العرض الذي يصارع ايقاعه الخاص

حجم الخط
0

شكل العرض التونسي ‘ريتشارد الثالث’ لفرقة إنتراكت برودكشن ملح اختتام فعاليات عروض المسابقة الرسمية للدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي. العرض الذي احتضنه قصر الثقافة مساء يوم الخميس 15 كانون الثاني/ يناير، شكل فرجة استثنائية بحق.
جميع الظروف الفنية المناسبة تواشجت كي يكتمل عرض مسرحي حذرنا في أكثر من مناسبة، من أن يولد ديكتاتور جديد.
وحين يوجه الممثل عمر صحبي بطاريته اتجاه الجمهور محذرا ‘كلكم ريتشارد..’ فهو إيعاز فني يحرض على التمرد عن منظومات استبدادية قاتلة تقتات من دماء الأبرياء، ومن ‘دعاة’ يركبون على خطاب ماضوي. لقد انطلق العرض كما بدأ بما قبل الدخول في العرض أو برولوج استباقي، فعل السقوط لـ’ريتشارد’ الذي تكرر أكثر من مرة، وهو في نفس الآن دعوة للانخراط في عرض انطلق مبكرا قبل دخولنا القاعة.
وإلا ماذا تغير من الزمن العربي الكسيح كي نشهد بداية فرجة بعد ركوبنا ‘راحة’ الكرسي نفسه؟ ولعله موقع الاتهام المباشر الذي وجهه الممثل الاستثنائي عمر صحبي.
في عرض ريتشارد الثالث نكتشف ملامح عائلة تركها أب ‘ديكتاتور’ وتحاول التخلص من أثار قمعه، وهي مطية أساسية لإعداد عرض دراماتورجي حدد علاقة ‘اللعب’ ضمن سياج من الإنارة هو أشبه بالإطار وداخله يحدد ‘منطق اللعب’ وخارجه الإطلالة على ‘واقع’ افتراضي آخر وهو ‘فصل من الحكاية التي نعيشها وواقع تعيشه’. ما يوحد هذا الفضاء السينوغرافي على الخشبة تحوله الى سياق تجاوري وحواري لنمو حدثين دراميين، يتقاطعان معا في تيمة مركزية صورتها الأولى القتل والثانية الضوء. وحتى بطاريات تحولت من اكسسوار لإظهار ملامح الوجه الى مكون درامي أساسي يرتبط بجسد الممثل ويدفعه للانخراط في الحركة. وبما أن الرؤية السينوغرافية لم تعتمد أي ديكور على الخشبة، فقد تحولت الإنارة وحركة جسد الممثل واللباس الموزع بين الأسود والأبيض الى فضاء تؤثثه قدرة الممثل على ملأ بياضاته.
في كثير من لحظات العرض، توازت حكاية العائلة مع طموح ريتشارد اللانهائي للسلطة. وهي الذريعة التي أعطت للعرض المسرحي راهنيته في قدرته على نقد الاستبداد، لكن وفق رؤية جديدة لا تستند على خطاب مباشر تقريري فج. بل راهنت على توطين رؤية دراماتورجية تستند على إخراج يدمج حركة وإيقاع العرض ككل مع ‘مقول’ الحوارات. وحتى في اللحظات التي تم فيها كسر الجدار وإدماج المتفرج في لعبة العرض، فقد اقترن الفعل بخروج من دائرة اللعب والدخول في دائرة جديدة، هي أيضا معنية بالمنحى الدرامي لمسرحية ‘ريتشارد الثالث’.
‘حتى لا يولد ريتشارد من جديد’ تكررت في أكثر من مناسبة، بل وتحولت لتوليفة سحرية للمسرحية. وحتى يبتسم الدهر لكل الكادحين كان لزاما اختيار حضرة صوفية أصبغتها المقطوعة الموسيقية التي تكررت تلوينا حزينا وشجنا يعزف على أحاسيس المتفرج ويدفعه دائما الى الاندماج. وقد توفق الفنان معز لعبيدي في اختيار تفاصيل الإضاءة بما يتوافق ومساحات الركح الفارغ إلا من الممثلين، هذا رغم أن الفراغ انعدم وجوده على مستوى الرؤية بفعل قدرة الخطوط الضوئية على رسم مساحات الحركة وهو ما أعطى مسحة خاصة للمشاهد.
لقد تفاوتت درجة حضور الممثلين واندماجهم، في عرض مسرحي ظل يحتاج لدقة خاصة في مستويات الحركة والأداء والتفاعل والخروج والدخول في نفس الآن. وفي كثير من مشاهد العرض انساقت أجساد الممثل بحرارة الجسد الآخر، وفي قوة الأداء اكتملت عناصر التمثيل بما يجعل المواقف تنتقل بانسيابية دون ملل على مستوى المتابعة. كما اختارت رؤية الإخراج رسم تشكيلات بعناية على امتداد رقعة الركح، مع ميول للنقط الساخنة. وأظهر الممثل صحبي عمر، الذي أدى دور ريتشارد، قوة أكثر على مستوى الأداء سواء في قدرته الانتقال من شخصية الى أخرى، من لغة العامية التونسية الى اللغة العربية. وقد ساعد هذا الوضع في إعطاء حرارة مضاعفة لأداء زملائه وزميلاته.
ظل العرض المسرحي ‘ريتشارد الثالث’ يصارع إيقاعه الخاص، فبداية العرض شكلت نقطة تساؤل كبيرة حول كيفية تنامي الحدث الدرامي. ويبدو أن طول الاشتغال على عملية بنائه وتحوله من ‘مشروع تخرج’ الى عرض مسرحي كما قدمته الفرقة أمس، يكشف على وجه آخر لطبيعة القالب المسرحي الذي اختاره المخرج. عرض متحول حي يعيد تشكيل نفسه في كل مرة وإن بدرجة أقل. ويكشف النص الدرامي للكاتب محفوظ غزال في تجاربه الجنينية، على قدرة لافتة لصياغة الحدث وفق تناسق درامي ينمو بشكل يفتح إمكانات للمخرج. صحيح، أن المسرحي جعفر القاسمي قد قام بإخراج العرض وفق اشتغال دراماتورجي احتاجه لترجمة تصوره الجمالي. لكن العمل ظل خاضع لمكونات عمل جماعي ينساق وفق كتابة خاصة. كتابة الممثل بجسده وبلغته، كتابة الإضاءة، كتابة الموسيقى، كتابات فريق عمل أعطى توليفة نهائية لعرض استثنائي بامتياز.
في إحدى إشراقات المسرحية، تهتف الأم ‘ارحموا هذه الأرض الطيبة’ نداء يحتاج متلقوه أن يتخلوا عن تلك العادة السيئة ‘التصفيق’ حتى لا يسطع نجم ‘ريتشارد’ جديد..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية