مشهدًا تلو الآخر، تتفتّح بتلات الحكاية في مسرحيّة “الملح الأخضر”. المشهد العامّ، بيت بسيط، في جانب منه سرير وكرسيّ خشبيّ، وفي الجانب الآخر أريكة يتوسّطهما باب تظهر خلفه إضاءة لونيّة أو سواد حسب حاجة المشهد. زوجان يتحاوران، في حوارهما توتّر ظاهر واختلاف وعصبيّة، الزّوجة غير راضية والزّوج منتقد، لكنّهما متّفقان على استقبال الجنود العائدين من المعارك.
عرضت المسرحيّة أربعة عروض في القدس، وهي من إنتاج المسرح الوطنيّ الفلسطينيّ “الحكواتي” ومن تأليف د. علاء عبد العزيز سليمان، وتمثيل ريم تلحمي، عامر خليل، محمد الباشا، ميلاد القنيبي ومريم الباشا وإخراج كامل الباشا الحائز على جائزة أفضل ممثّل في مهرجان فينيسيا 2017 عن دوره في فيلم “قضيّة 23”.
العمل كتبه سليمان بعد حرب البوسنة، وأهداه إلى “ضحايا عبث الحروب في المدن التي كانت ذات يوم آمنة…” وعنه حصدت الفنّانة ريم تلحمي جائزة أفضل ممثّلة، كما نال جائزة أفضل عمل مسرحي متكامل تسلّمها المخرج الباشا.
تدور أحداث العمل في بيت لزوجين فلسطينيين، مات ابنهما الوحيد في الحرب. نرى أنّ الزّوجين يستقبلان جنودًا عائدين من المعارك. كلّما دخل البيت جنديّ، حدّثته الزّوجة، فيما تظاهر الزّوج بالمرض أو النّوم، ثمّ تقدّم المرأة العشاء للضّيف، وهي تسرد عليه قصص الحرب التي سمعتها من الجنود أو تطلب منه أن يحكي لها قصّته.
نعرف من دخول إحدى الجارات، التي تبيع الزّوجين الخضر والفاكهة، أنّ رائحة شواء تصل بيتها، وهي تلمح إلى رغبتها الحصول على بعض اللحم المشويّ، أو عجل من العجول التي تظنّ أنّ الزّوجين يربيانها في مستودع البيت. نشعر بأنّ الزّوجين يحاولان إنكار موضوع العجول، فتخبر الزّوجة أنّها الجرذان يقتلها زوجها ليس إلّا.
يتوالى دخول الجنود، وتتوالى قصص الحرب التي يخسرون معاركها، عتاب الزّوجة لهم، نقدها لتصرّفاتهم، اعترافاتهم بالضّعف والتّشتت ومحاولات الهروب، وفساد الضّبّاط الكبار وتورّطهم في قتل الأبرياء، والاغتصاب وهنا تبدأ قصّة الإبن الذي قتل في الحرب تتبدّى، حيث يقصدهما جنديّان، أحدهما يدخل الحمّام ليستحمّ، والآخر يتحدّث مع الزّوجة، فيعترف خلال حديثهما، تحت ضغط من أسئلتها الملحّة القاسية بأنّه شارك في الاغتصاب، ويخبرها بأنّ أبنهما لم يفعل ذلك، وأنّه قد ترك لهما رسالة مع الجنديّ زميله.
بعد أن يلقى الجنديّ الأوّل حتفه، إذ أكل كغيره من العشاء المسموم الذي قدّمه له الزّوجان، يأتي دور الجنديّ الذي يحمل رسالة الإبن، ويعلم أنّه سيموت على يديهما، لأنّهما لن يتحمّلا الحقيقة التي يكتمها، فنكتشف أنّ الإبن كان جنديًّا صالحًا، لم يقبل المشاركة في عمليّات القتل أو الاغتصاب، فقرّر الضّبّاط الكبار معاقبته، فأمروا زملاءه من الجنود أن يصوّبوا جميعًا رصاصهم نحوه…يقتل الإبن على يدي زملائه ومن بينهم الجنديّ الذي يحمل الرّسالة، وتحاك مؤامرة لإخفاء الجريمة، فتدّعي الكتيبة أنّه أصيب بحالة من الهستيريا والصّرع ما جعله يطلق النّار على زملائه ثمّ ينتحر.
نرى أنّ الزّوجة تحاول أن تقنع زوجها بعدم قتل الجنديّ، ترجوه أن تستبقيه، وترعاه كإبنها، فيما هو يصرّ على القتل، وتنقلب الأدوار، فنرى الزّوج الذي كان في أوّل القصّة ساخطًا على القتل، يريد تغيير الواقع الذي يحياه، يطالب الزّوجة بالعودة عن القتل والتّسامح، هو من يصرّ على المضيّ في القتل وهو من يصرخ في وجه الجنديّ ومن لا يرحم استغاثاته ولا يستمع لنداء زوجته، وحين يسقط الجنديّ بعد أن يسري السّم في عروقه، وتدقّ الجارة بائعة الخضار الباب بإلحاح مربك، تجلس الزّوجة باستسلام تأكل من العشاء المسموم ويصرخ فيها مذعورًا من تصرّفها وتبقى يد الجارة تدقّ والأضواء في الخلفيّة تتلاعب بالصّورة والظلال ويبقى هو واقفًا عند الباب.
حين شاهدت العمل تساءلت عن المقاربة مع الواقع الفلسطينيّ، إذ من البديهيّ أن يحاول المشاهد استيضاح العلاقة الكامنة خلف اختيار الموضوع، خاصّة لمخرج فلسطينيّ، فيما تزخر القضيّة الفلسطينيّة بآلاف القصص عن الحروب. فلو كان موضوع الاغتصاب هو الأساس الذي أريد للعمل الإضاءة عليه، فإنّ فلسطين ونساءها منذ 48 مغتصبات الحقّ في الحياة، ولا يقتصر ظلمهنّ على تعرّض الكثير منهنّ لاغتصاب الجسد. ولو أنّ الفكرة المطروحة هي موت الأولاد في الحروب الصّغيرة وغير الضّروريّة، لاحتلّت فلسطين المرتبة الأولى، ولو كان العمل يرمي إلى العلاقات الزّوجيّة المتوتّرة لكان أمرًا عالميًّا شائّعا، فما الذي رآه الباشا جديرًا في نصّ لساحة حرب في الجانب الآخر من العالم؟ وهل هناك ما يربطه بواقع فلسطين؟
تنبني القصّة على علاقة الأنا/ الآخر: الزّوجة/ الزّوج، الإبن/ الرّفاق، الضّبّاط/ الجنود، الحرب/ السّلم، وتتأتّى من خلال تلك العلاقات معان وجوديّة قائمة في ضمير العالم الإنسانيّ وليست حكرًا على مكان أو زمان محدّدين، من مثل: الحقيقة/ الوهم، الموت/ الحياة.
يلعب اللون والإضاءة دورًا في إبراز ثنائيّة الحقيقة والوهم، من خلال ظهور الظّلال في الخلفيّة ملازمة للشّخصيّات على المسرح، فلا الزّوج هو هو ولا الزّوجة هي هي ولا الجارة هي الجارة، ولا الرّقص الحاصل هو نشيد الفرح، إنّما هو عبث الحزن الدّفين في الرّوح، والفقد المرّ لأصالة الوجود، والتّماهي في الغياب.
أمّا ثنائيّة الحقيقة والوهم، فتبرزها المواقف التي تتبدّل، في بداية العمل الزّوجة هي من يريد الانتقام، من الجميع ومن دون تفريق، والزّوج هو الذي ينشد الحرّيّة من ثقل الثّأر، وفي نهاية العمل هو من يقتل الجنديّ صاحب الرّسالة، وهي من يأكل من السّم الذي وضعته في الطّعام. يمكن أن نفهم أنّ الثّأر هو وجه آخر للحياة لمن يتعرّض للظّلم، وأنّ موت الآخر تعويض عن غياب الأنا/ الإبن. كما يمكن أن يدلّ ذلك على غياب الحدّ الفاصل بين الحقيقة والوهم في الإنسان، فالحياة حين تحوّلت إلى انتقام صارت موتًا، فلم يعد الزّوج يفرّق بينهما، والحقيقة حين تجلّت انقلبت وهمًا، فانتحرت الزّوجة، ألا يشير ذلك إلى واقع إنسانيّ عامّ تخلقه الحروب؟ فكيف إذا كانت ساحتها فلسطين؟ هنا تتخّذ ثنائيّة الأنا/ الآخر بعدًا تراجيديًّا، إذ لا تقوم الأنا إلّا بإلغاء الآخر، وعندها يستمرّ العبث مرتديًا قناع وجه الحياة التي تصبح موتًا.
ويمكن أن نعود إلى العنوان ذاته “الملح الأخضر” فكما جاء في معجم المعاني فإنّ “الملحة بياض يخالطه سواد، ملح الشّيء ملحًا اشتدت زرقته حتّى تضرب الى البياض، وملح الحيوان كان في رجله داء أو عيب، أمّا الأخضر فهو اللون المكمّل للوّن القرمزيّ، لون الدّم، المرتبط بالحرب والموت، وفي العصور الوسطى كان الأخضر يمثل الشرّ أو الكائنات الشيطانيّة، وهو مرتبط بمشاعر الحسد في بعض الثّقافات، أما في الفنون فيستخدم اللون الأخضر في رسم الكاريكاتير للتّعبير عن المرض…وهو لون لباس الجيوش، يرمز إلى الشّاكرا الرّابعة أناهاتا أي القلب”.
لو حاولنا الرّبط بين الكلمتين سنجد أنّ الملح يشير إلى لونه النّقيض وهو السّواد، وما يرافقه من ظلام وخوف وألم وحيرة وتخبّط ووقوف قسريّ عن إمكانيّة السّير قدمًا، إذا ما كان الأسود مسيطرًا، والأخضر يدلّ على الأحمر، وهو لون الدّم المراق في الحروب، وهنا ستتبدّى العلاقة بالواقع الفلسطينيّ خاصّة والإنسانيّ إبان الحروب عامّة، وسيصبح السّؤال هل هو الملح الأخضر أم الموت الأسود؟