مسرفو التهندم، مفرطات العري: مدخل إلي الاستشراق والأزياء الغربية
عبدالله حبيبمسرفو التهندم، مفرطات العري: مدخل إلي الاستشراق والأزياء الغربيةفي 1978 صدر كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، وقد تسبب الكتاب هذا في إحداث ثورة غير مسبوقة في العلوم الإنسانية والاجتماعية بحيث شكل قطيعة ابستميولوجية كاملة تذكر بكتب انقلابية هائلة من قبيل بنية الثورات العلمية لتوماس كون. وقد استُعمل كتاب سعيد الذي ترجم إلي أكثر من ثلاثين لغة في دراسة الأنسقة الثقافية والفكرية الكبري في شتي أشكال المعرفة. لكن هناك تفاصيل صغيرة ودقيقة لا تزال مخفية في فسيفساء مشاهد معرفية وسياسية ضخمة، ولم يتم الانتباه لها بالصورة المطلوبة حتي الآن. والحقيقة ان ما يمكن تسميته بسياسات الأزياء واحد من هذه التفاصيل المغفلة. أتمني، إذاً، أن تشكل الملاحظات الأولية التي ستلي مدخلاً لدراسة العلاقة السياسية والثقافية بين الاستشراق والأزياء الغربية.ولنبدأ بما حدث قبل ست سنوات، ففي يوم السبت، العاشر من حزيران (يونيو) عام 2000، بثت قناة السي إن إن الأميركية تقريراً إخبارياً احتفت فيه باثنين من أشهر مصممي الأزياء الهنود هما ريتو بيري وسافيتا شارما. وقد زعمت المحطة الإخبارية الشهيرة ان بيري وشارما هما أول من قدم الأزياء الهندية في عاصمة الأزياء، باريس، في عرض أزياء أقيم في عام 1999. لكن المؤسف أن السي إن إن، وليس علي غير عادتها، لم تكن مُحِقَة هنا أيضاً، ذلك ان الزي الشرقي والاستشراقي والمُشَرْقَن، بما في ذلك الملابس الهندية، كان قد اكتسح عاصمة الأزياء العالمية قبل وقت أسبق بكثير من عام 1999.ولنعد، هذه المرة، إلي بدايات القرن العشرين، حيث كان مصمم الأزياء الفرنسي الأشهر بول بواريه سيد الأزياء الاستشراقية بلا منازع. ولم يكن من باب الصدفة علي الإطلاق ان بول بواريه كان يصمم أزياءه الاستشراقية تلك خلال نفس الفترة التي وصل فيها الاستعمار الأوروبي لما سيسمي لاحقاً العالم الثالث مداه، بما في ذلك أجزاء شاسعة من العالمين العربي والاسلامي، وذلك في نفس الوقت الذي كانت فيه الثقافة الغربية تشهد، بالتوازي، ثورة حقيقية. بلي، فقد كانت الحداثة في الآداب والفنون هي الحركة البديلة الصاعدة في الثقافة الأوروبية، وقد بدأت تلك الحداثة في السيطرة الثقافية مع التوسع الرأسمالي الهائل الذي واكب حركة الاستعمار ونهب خيرات المستعمرات لتعمل وقوداً للآلة الكولونيالية والرأسمالية الضخمة. يا للـ مصادفة التي يسميها بعض الفلاسفة مصادفة موضوعية! . وفي هذا السياق كانت رؤيا بواريه الجمالية فيما يخص تصميم الأزياء الغربية تكمن في مشروع يهدف إلي مزاوجة البساطة والمرونة الحداثيتين الشكليتين في أوروبا الجديدة بكوكتيل زخرفي من الموتيفات الإسلامية والآسيوية المنتمية، حسب التصور الاستعماري، إلي العالم المتخلف . ولكن أليس من الغريب هنا ان الحداثة الغربية تلجأ إلي تبني عناصر من عالم بدائي و متخلف يقوم الخطاب الاستشراقي نفسه علي مبدأ عدم أهلية ذلك العالم للدخول إلي تجربة الحداثة؟. ما الذي نستطيع تعلمه من رمزية الأزياء في حركة التاريخ؟ مثلاً، ما الذي يدفع رحالة مثل ويلفريد ثيسيجر، التلميذ الأنجب للورانس العرب أحد مهندسي اتفاقية سايكس بيكو، إلي عبور صحراء الربع الخالي في ربيع شبابه وهو مرتدياً ثياباً عمانية برفقة بدو لم يملكوا في الحياة الشظفي ومنها الا سقط متاعها – اولئك البدو الذين عادلوا رمزيا لدي ثيسيجر اسطورة المتوحش النبيل في المتخيل الغربي. ولكن ثيسيجر قبيل وفاته جاء إلي أبوظبي وهو مرتد بذلته الأوروبية الأنيقة ذات القطع الثلاث كاملة كي يقف حزيناً ذاوياً مكسوراً أمام الكاميرات، وكي ينظر متحسراً الي البنايات العالية التي خيبت ظنون طوباويته الاستشراقية في أرض كان ينبغي أن لا تدخل إلي الحداثة – حتي الحداثة المعمارية الشكلية علي الأقل – أبداً، أبداً. قد لا يكون ذلك غريباً، فإدوارد سعيد أصر علي ان الشرق، وفقاً للمخيلة الاستشراقية، قد حَدَثَ و تجمد في الزمان، وان مهمة المستشرقين هي الإصرار علي عدم ذوبان الجليد التاريخي الذي عليه أن يغلف ثقافة كاملة إلي الأبد، وان الشرق هذا كان دوماً، مع ذلك، ذاتاً سرية موازية للأنا الغربية. لقد اكتشف ثيسيجر — الذي قال مرة في عبارة مسمومة اعتبرها السذج إيجابية ان ثغاء الجمال في الربع الخالي أحب إليه من صوت أبواق السيارات في لندن — وهو يعاني سكرات الموت، أن الشرق يتحرك أيضاً، وانه لا يمكن إيقاف التاريخ، فالبشرية تجاوزت طفولتها في كل مكان علي الأرض، تماماً كما اكتشف أستاذه من قبله وهو يحتضر أن العرب، وعلي الرغم من كل شيء، لم يكونوا شعباً محدوداً، ضيق الأفق غير معني بالأسئلة الهامة في تاريخ الحضارة البشرية. لقد كتب لورانس في أعمدة الحكمة السبعة ان العرب خيالاتهم كانت مفعمة بالحيوية، ولكنها غير خلاقة ، وانهم لم يتوفروا سوي علي مقدار ضئيل من الفن الي الدرجة التي يمكن أن يقال فيها أنه لم تكن لديهم أية فنون ، وانه لم يكن لديهم تنظيم للعقل أو الجسد ، و لم يخترعوا أي نظام للفلسفة ولا للميثولوجيا المعقدة ، وانهم اختاروا مناورة طريقهم بين أوثان القبيلة وأوثان الكهف . لكن بغض النظر عن هذه الآراء العنصرية الصريحة، فيما يخص سياقنا هذا، أود أن الفت الإنتباه إلي أن لورانس كان قد ألف منشوراً بغرض التوزيع المحدود علي ضباط المخابرات البريطانية الذين كانوا يعملون في المنطقة العربية خلال فترة الحرب العالمية الأولي حول طريقة التعامل مع العرب. وهذه الوثيقة التي اميط عنها اللثام بعد وفاة لورانس تتضمن سبعاً وعشرين نصيحة محنكة يوجهها ضابط الاستخبارات العتيد لأقرانه، وينص أحدها علي ضرورة التخلي عن الزي العسكري الغربي واستبداله بالزي العربي المدني من أجل كسب ثقة القبائل، وهي نصيحة أذعن لها بإخلاص شديد حتي نهاية ثمانينيات القرن الماضي الضباط البريطانيون الذين عملوا في الخليج وشبه الجزيرة؛ بل ان لورانس – الذي لا يزال يتبختر في صور فوتوغرافية شهيرة في زي شريف مكي — يذهب إلي القول بضرورة ارتداء الزي العربي كاملاً وليس الاقتصار علي قطع منه. ولا تبدو هذه النصيحة غير متسقة مع ما يقرره لورانس في هذه الوثيقة الهامة من ان التعامل مع العرب فن وليس علماً و اننا سنهزمهم في لعبتهم ، ولعل هذا المنشور الكاشف المكشوف يترجم الي لغة الضاد في أقرب فرصة ممكنة (سأسمح لنفسي أن استطرد هنا ان كافة الترجمات العربية لـ أعمدة الحكمة السبعة تعاني من اشكالات حقيقية يصل بعضها الي درجة التسبب في مغالطات تاريخية وبيوغرافية فاقعة اعتباراً من صفحة الإهداء الملغز). أما بواريه – مصمم الأزياء الفرنسي الأشهر — فقد كان مسحوراً بالشرق بالطريقة الاستشراقية غير البريئة التي عهدناها في كافة المستشرقين من مختلف الأصناف، فقد قام بواريه برحلة بحرية في البحر الأبيض المتوسط وشمال افريقيا في عام 1910، ولعله سيفيدنا هنا معرفة ان بواريه اطلق علي نحو له مغزاه اسم البدوي علي المركب الذي كان يملكه. حسن جداً، مرحباً وأهلاً وسهلاً بهذا البدوي النشمي الشهم الذي جاء الينا من فرنسا محمولاً علي الأمواج الاستشراقية!. ومما حدث في تلك الرحلة ان بواريه شاهد في المغرب في لحظة يقظة ووعي ما يشبه الحلم المسحور الذي تدور أحداثه في أغوار الأنا الحضارية السفلي، وهو مشهد يصفه نفسه بأنه غبار أحمر وسديم ذهبي بدت الجمال الزاحفة من خلاله وكأنها أشباح وردية. يا للوصف الشعري حقاً!. لكن ما حدث هو أن بواريه، وفي السياق نفسه، حلم بمزاوجة هذا المشهد مع حرير أبيض وصوف قطني رقيق. ألا يبدو هذا مثيراً للدهشة؟!. قد لا يكون الأمر كذلك، فقد علمنا إدوارد سعيد ان الشرق، حسب المخيلة الاستشراقية الجامحة، ليس إلا مكاناً رومانسياً تتزواج فيه كائنات غرائبية بذكريات آسرة وتجارب استثنائية. والحقيقة ان بواريه حقق حلمه الاستشراقي الصريح في السنة التالية مباشرة، ففي مساء الرابع والعشرين من حزيران (يونيو) عام 1911 أقام حفلة أسطورية أسماها ألف ليلة وليلة ثانية في مغزي واع لا يمكن أن يخطئه أحد، وقد دشن بواريه في هذه الحفلة رؤيته الأزيائية الاستشراقية. هذه الحفلة التي يشير إليها مؤرخو الأزياء الغربيون بأنها حفلة الأزياء الأكثر أهمية في كامل القرن العشرين أسهمت في تغيير الأزياء الغربية إلي الأبد. ولكن ما الذي حدث بالضبط في تلك الحفلة التاريخية؟. تخبرنا المصادر أن بعض ما حدث هو ان بواريه ارتدي زي سلطان عربي مكون من قفطان ذي حواش فروية، وعمامة من الحرير الأبيض، وحزاماً قطنياً أخضر، وخفين مخمليين مرصعين بالجواهر، وكان مستلقياً علي وسائد وثيرة تحت مظلة تشبه خيمة بدوية صيفية كبيرة. وفي هذا العرض الاستشراقي والفنتازي الباذخ قامت زوجة بواريه، واسمها دينيس، بدور محظيته الأثيرة، وكانت مرتدية رداء يشبه كُمة المصباح، والذي سيطوره بواريه لاحقاً في زي استوحاه من عمارة مآذن المساجد. ولأنها تقوم بدور محظية (وليس زوجة شرعية) فقد كانت دينيس محبوسة مع مرافقاتها في قفص ذهبي. أما ضيوف هذه الحفلة فقد كانوا مرتدين ملابس شخصيات من ألف ليلة وليلة ، وكان في استقبالهم ستة من الخدم أبنوسيي اللون عراة النصف الأعلي من الجسد ومرتدين بنطلونات فضفاضة. يا للمشهد الهوليوودي بامتياز تنبؤي، والذي لا تزال توجد في بعض مراكز الدراسات ومتاحف الأزياء الغربية صور وتذكارات منه اتيح لي مشاهدة بعضها.لكن من الجدير بالذكر في هذا السياق انه قبل تسعة وتسعين سنة من حفلة بواريه الأسطورية هذه، أي في عام 1812، كان الفنان الفرنسي المعروف جين أوغست أنغر قد أنتج لوحته الشهيرة الحمام التركي ، والتي صور فيها الشرق الإسلامي باعتباره فضاء أيروسياً وغرائبياً. إلا انه من المثير للاهتمام انه علي عكس ضيوف حفلة بواريه الذين كانوا في كامل ملابسهم الاستشراقية الأنيقة، فإن لوحة مواطنه أنغر تزدحم بقطيع من النساء المسلمات العاريات اللائي يحضرن أنفسهن لمتعة سيدهن المفترَض، وطبعاً للنظرة الأيروسية ذات اللعاب السائل (وربما سوائل أخري) للمتفرج الغربي. وما المُتاحيَة البصرية للنساء الشرقيات هنا إلا مجاز لكامل المشروع الاستعماري في العالمين العربي والإسلامي، وهو مشروع لا تنفصم عراه عن مختلف تجليات الاستشراق، فاختراق الجدران الحصينة التي يحتمي الجسد العاري للآخر خلفها مُوازٍ للاستيلاء علي خيرات تلك الأرض وكنوزها.ومن المفارقات المضحكة المبكية هنا انه في الوقت الذي كان أنغر يرسم فيه نساء مسلمات عاريات، كان القطن والنسيج والكساء علي رأس قائمة المنهوبات الشرقية إلي الغرب، فقد كانت سفن سيئة الصيت شركة الهند الشرقية، وشركات هولندية وبرتغالية وفرنسية أخري، تمخر عباب الخلجان والبحار والمحيطات بأقصي ما يمكن من سرعة وهي تنقل تلك المنهوبات النفيسة تحت ضوء الشمس وتحت جنح الظلام معاً. ولذلك فمن البديهي أن حفلة بواريه الأزيائية التي أسماها (مشكوراً!) ألف ليلة وليلة ثانية لم تكن ممكنة لولا ذلك النهب في المقام الأول. وثمة مفارقة أخري هنا، فبعد سنتين فقط من انتاج أنغر للوحته الحمام التركي التي يعرض فيها سرب النساء المسلمات العاريات، قام توماس فيليب في عام 1814 برسم بورتريه للشاعر الإنجليزي المتمرد اللورد بايرون يظهره فيها مرتدياً زياً شرقياً بطريقة مبالغ فيها. وقد استحسن بايرون هذا البورتريه لأنه رأي فيه مُتَمِماً بصرياً للمشهد الشرقي الشعري في قصائده، وأكد علي صورته باعتباره مغامراً رومانسياً. هكذا، إذاً، نكتشف يوماً بعد يوم هول الفكرة الاستشراقية وتغلغلها إلي أدق وأصغر التفاصيل السياسية والثقافية. لقد حاول الخطاب الاستشراقي إخفاء ماهيته بقمصان وبناطيل وجلابيب وسترات كثيرة، لكن علينا أن نتذكر هنا أن القطن والنسيج والصوف والحرير كلها جاءت من هنا؛ من الشرق، وان من يملك هذا يمتلك أيضاً كامل الحق الأخلاقي والسياسي والمعرفي في تعرية التاريخ الذي، في يوم ما، ما قد يكف عن كتابته من انتصروا في يوم ما.شاعر وناقد من عُمان0