مسكن الفكر

حجم الخط
0

مسكن الفكر

عزيز الحداديمسكن الفكر لقد أصبحنا عبارة عن علامة فارغة من المعني بدون إحساس وبعيدين عن الوطن وربما قد فقدنا تقريبا القدرة علي الكلام هولدرلينسنحاول في هذه المقالة أن نفكر في المسكن والمبني، لأن كل فكر يهتم بالمبني ليس في نيته أن يكشف عن آراء تخص البناء أو علي الأقل أن يقرر قواعد حول البناء، وبعبارة أخري ان الغاية من هذه المقالة لا يمكن أن تتحقق انطلاقا من الاعتماد علي علم الهندسة وتقنياته، بل سيتم تقديم المسكن في إطار الوجود، ولذلك نتساءل، ما هو المسكن، وكيف يمكن للمبني أن يصبح بمثابة جزء من المسكن؟يبدو أننا نحصل علي المسكن انطلاقا من المبني، علي الرغم من ان كل البنايات ليست كلها صالحة للسكن ونذكر علي سبيل المثال، قنطرة، باحة المطار، ملعبا، مركب الإنارة، إنها بمثابة بنايات، ومع ذلك لا يمكنها أن تدخل ضمن مجال مسكننا، وخاصة وأن هذا المجال يفوق في حجمه المساحة المخصصة للمسكن.يمكن القول ان كل هذه البنايات التي تم ذكرها قد تمنح للإنسان إقامة، علي الرغم من أنه لا يسكن فيها، إذ أنه يسكن ولا يسكن فيها. ان تسكن معناه أن تقيم في منزل والحقيقة أننا سنكون في غاية الاطمئنان والسعادة إذا حصلنا علي مسكن في الظروف الراهنة، أي في أزمة السكن الحالية. هناك اقامات مخصصة للسكن منفتحة علي الهواء، والإنارة وأشعة الشمس، لكن هل بإمكانها أن تجعلنا نطمئن بأننا قد حصلنا علي مسكن؟ والواقع أن هذه البنايات التي تعد بمثابة مساكن، تظل دائما علي مقربة من ماهيتها من خلال السكن، ما دامت تسخر لخدمة سكن الإنسان.ولذلك لا ينبغي أن نقصد بالمبني مجرد وسيلة لتشييد المسكن، ولكنه مجرد سبيل يقود نحو تشييده، يمكن اعتباره مسكنا نطمئن إليه أو ربما يمنحنا ذلك المكيال، أو الميزان الرباني بلغة ابن عربي، الذي يمكن بواسطته أن نكيل وجود السكن والمبني في نفس الآن.ان الكلمة التي تعني وجود الشيء نتعرف عليها من خلال اللغة، خاصة إذا انتبهنا إلي أن الإنسان يتصرف وكأنه مبدع اللغة وسيدها، في الوقت الذي هو مجرد وصي عليها. من الأفضل أن نحرص علي عشقنا وتشبثنا باللغة علي الرغم من أنها مجرد وسيلة للتعبير. لكن ماذا يعني المبني الآن؟لعل الكلمة في اللغة الألمانية القديمة كانت تعني السكن، بمعني الإقامة، أي قضاء بعض الأيام. والواقع أننا قد فقدنا المعني الخاص لكلمة المبني وأيضا المسكن. هكذا تركا آثارا غير مرئية في كلمة الجار، لأن الجار هو الذي يسكن بالقرب منا. إذ أننا نشتغل هنا ونسكن هناك. إذا كنا رجال أعمال، فإننا نسافر، وعندما نكون في الطريق نتوقف من أجل الراحة ونختار إقامة مرة هنا وأخري هناك. فهل يمكن اعتبار هذه الإقامة مؤقتة؟ حين نقول أنا موجود، أنت موجود ، فإن ذلك يعني: أنا أسكن، أنت تسكن. إنها الإقامة فوق الأرض، ان تكون إنسانا معناه أن توجد فوق الأرض ككائن ميت ينبغي عليه أن يعتني بالأرض وبالكروم وبالإبداع.تسكن معناه أنك توجد فوق الأرض الآن وتحرص بعناية كبيرة علي الفواكه لكي تنضج لأن السكن لا يعني التشييد، لأنه بإمكاننا أن نشيد السفينة أو أشياء أخري ومع ذلك ان لكلمة سكن معني مزدوجا فمن جهة تعني العناية بالأرض وبفواكهها، وأيضا التشييد وبناء العمارات.ان اللغة هي الوحيدة التي تعلمنا المعني الحقيقي لكلمة سكن وخاصة وأننا نتكلم الكلمات التي تسقط في النسيان ولعلنا نستخلص ما يلي:1 ـ السكن هو الإقامة.2 ـ الإقامة هي الطريقة التي يوجد بها الأموات علي الأرض.3 ـ السكن يعني العناية والتشييد في نفس الوقت.إننا لم نسكن بعد علي الرغم من أننا قمنا بالبناء لأن إقامتنا ستكون في السكن باعتباره عناية بالأشياء المحيطة بنا، لكن علي أي أسس يتأسس وجود السكن أو الإقامة؟لنستمع من جديد إلي اللغة التي تخبرنا بأن الإقامة تعني اما السكن الدائم، أو قضاء بعض الأيام، وربما ليلة واحدة. ولكن ينبغي أن تكون في أمان وسلم لأن الإقامة تعني أيضا السلام الذي يسود بين الأموات المقيمين علي الأرض، وتحت السماء لكي تكون المشاهدة ممكنة من قبل المحرك الأول هكذا تكون الإقامة تشمل الأرض والسماء والمحرك الأول والكائن الميت إنهم يشكلون وحدة أصيلة؛ فعندما نقول الأرض فإننا نعني بها النبات والحيوان والماء والحجر وكل الأشياء المرتبطة بها أما السماء فإنها الفضاء الذي تتحرك فيه الشمس والقمر والنجوم والإنارة وانتهاء النهار الذي يعقبه الليل.الموت تحايل علي الإنسان ولذلك نسميه بالميت، لأن له قدرة علي الموت بما هو موت، وحده الإنسان يموت باستمرار طيلة إقامته علي الأرض، وتحت السماء وأمام العقل الفعال. والعناية بالأرض لا تعني الامتلاك والسيطرة.إن الإنسان باعتباره كائنا ميتا يسكن إذن حين يستقبل السماء باعتبارها كذلك، ويلتمس الاقتراب من الشمس والقمر دون أن يعرقل مسارهما نحو النجوم ودون أن يكون بمثابة عائق أمام فصول السنة والاعتراف بفضلهم وعنايتهم خاصة عندما لا تسعي إلي تغيير الليل إلي نهار، ولا النهار إلي ليل بل تجدهما يتابعان طريقهما نحو الأبدية. هكذا سنتوجه بتأملاتنا نحو التساؤل عن وجود أو ماهية السكن، ما هو حال السكن في عصرنا الراهن؟إن الجميع يتحدث عن أزمة السكن، بل لا يتوقف الأمر عند الحديث فقط، بل يتعداه إلي العمل علي تجاوز هذه الأزمة من خلال إحداث منازل جديدة والتشجيع علي البناء والتشييد. إنها معضلة مؤلمة أن يكون هناك تخصيص في السكن. إن أزمة السكن لها ارتباط بالحروب وبتكاثر السكن وأوضاع العمال ومعني ذلك أن الحيوانات الميتة تبحث عن وجود السكن وترتبط بماهيته، حيث يجب عليها أن تتعلم كيف تسكن. وتستمع لنداء الأرض والسماء ولدعوتهما بالإقامة.ولكن كيف يمكن للأموات أن يجيبوا علي هذا النداء إذا لم يكونوا يفكرون في وجودهم من خلال إقامتهم علي الأرض.اعتمدنا علي محاضرة هايدغر:BATIR HABITER PENSER،in eais et confrence، Gallimard 1958كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية