عار الدراما ودراما ‘العار’ ورحلة البحث عن عريس في الكتب الصفراءالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: أكثر ما يفسد الفنان أن يعطي لنفسه ولموهبته كل الصلاحيات، فيتصور أنه قادر على تجسيد كل الأدوار، الكوميدية والتراجيدية وما بين بين، وغالبا ما يؤدي هذا الادعاء الى الفشل الذريع فلا يتحقق مما يزعمه الفنان في نفسه شيئاً، اللهم الا انصراف الجمهور عنه، فيقعد عاطلا من الموهبة والانتشار وهنا تكون نهايته والعياذ بالله، ليس هذا بالطبع ما نتمناه لنجومنا ولكن هو النتيجة الحتمية المترتبة على معطيات عدم الدقة وسوء اختيار الأدوار ونظر النجم والنجمة لقدراتهما بغرور يفوق إمكانياتهما وملكاتهما الحقيقية، ونحن في هذا المقام لا نفعل الاستثناءات التي يمكن أن تجمع بين الميزتين، ميزة الأداء الكوميدي والأداء التراجيدي، فهناك أمثلة واضحة تمتعت بهذه الخاصية مثل توفيق الدقن واستيفان روستي وكمال الشناوي، ومن العناصر النسائية كانت الفنانة عقيلة راتب وإحسان القلعاوي وسهير البابلي والنجمة الكبيرة شادية، ولكن يظل الأمر رغم تعدد النماذج كسرا للقاعدة، حيث كل فنان مؤهل لما هو له ووفق هذا المقياس يجب على كل من يدخل تجربة جديدة أن يختبر قدراته أولا، الكلام عن الأداء الكوميدي يأتي على خلفية ما زخمت به الشاشة الرمضانية من صنوف المسلسلات وطوابير الممثلين والممثلات في محاولات يائسة وبائسة لانتزاع الضحكات بالقوة من أفواه المشاهدين بدعوى السخرية من واقعهم المرير والمساهمة في معالجة قضاياهم، الأمر الذي لا يمت للحقيقة بشيء، لأن ما يقدم من حكايات وروايات لا يبدو كونه مغازلة للشارع واستثمارا لمأساة المطحونين من البشر والضحك عليهم وليس إضحاكهم، مشكلة العنوسة مثلا قدمت في حوالي عشرة مسلسلات وأكثر من فيلم خلال العامين الماضيين ولم نلحظ أي اختلاف أو تجديد فيما يعرض الآن على الشاشة الصغيرة وتجسده نجمات كبيرات، ولعل المسلسل المعروض حالياً تحت عنوان ‘عايزة اتجوز’ يضعنا أمام المشكلة الإبداعية ويبلور لنا الأزمة التي يبدو أنها تفاقمت فأصبح الجهر بها علنا بشكل عار من الفن دليلا عليها، ونقصد بالأزمة هنا أزمة الإبداع وليس أزمة العنوسة، فهي أقل ضررا من تلك الفجاجة وما يترتب عليها من اختلاق المواقف الكوميدية من دون الاتكاء على مضمون حقيقي يرقى بالمستوى الدرامي والأداء التمثيلي للأبطال الذين يبذلون جهدا مضنيا للإضحاك من دون جدوى، لاسيما البطلة هند صبري رغم رصيدها الوفير من الأعمال السينمائية وتميزها الواضح في كل ما أسند إليها من أدوار على اختلاف تنويعاتها ومستوياتها والتي كانت بالطبع خالية من مسحة الكوميديا، على عكس المسلسل المذكور بسماته وخصائصه وتأثراته بكوميديا الست كوم الافتعالية وأداء أبطالها الثقيل، فما يهدف إليه المسلسل سابق الذكر ‘عايزة اتجوز’ من تسليط الضوء على مشكلة من أهم المشكلات الاجتماعية لم يتحقق منه شيء، وإنما المبالغة الشديدة حولت القضية الحيوية الكبرى الى مهزلة وبات المحتوى وطريقة الأداء غير الاحترافية لا يليقان إلا بجمهور ربات البيوت اللاتي يأخذن من العمل مشكلة الظاهر ويضحكن على الحركات والإفيهات فقط من دون النفاذ الى المعنى الحقيقي، وهذا الحكم في الاستقبال الجماهيري للعمل لا يمكن تعميمه على كل ربات البيوت، فبينهن من الناضجات الكثيرات والغالبية لهن نظرة نقدية صائبة وذائقة فنية حساسة، ومن ثم فإن الاستهانة بهن على النحو الذي يقدم لهن من صنوف الكوميديا المعطوبة أمر خارج اللياقة، فالعنوسة وإن كانت تؤرق قطاعا كبيرا من الفتيات لكنها لا تدفعهن الى هذا الابتزال وتضييع الوقت والجهد في الخرافات واقتفاء اثر الكتب الصفراء، كما فعلت البطلة التي قطعت أشواطا في البحث عن كتاب ‘كيف تصطادين عريسا؟’ بعد أن ضاقت بها سبل البحث والتقصي وفقدت الأمل في الحصول على فرصة مناسبة للفوز بشريك الحياة بطريقة كريمة، إن ما يؤخذ على أنه معالجة ساخرة هو في واقع الحال امتهان للفتاة المصرية وفضح لواقع ليس واقعها وإن تشابه قليلا من حيث الشكل العام ما يمكن ان يقوله السيناريست والمخرج وما تجسده البطلة هند صبري بشأن عنوستها المزمنة ليس هذا القول بالطبع ولننظر لما قدمه سينمائيا المخرج محمد أمين حول ذات القضية لندرك ان وظيفة الفن الأساسية تكمن بالدرجة الأولى في القدرة على الايجاز وبلاغة التعبير واللغة الرمزية الدالة على المعنى وليس بالمط والتطويل وعدد الحلقات يكون التأثير والإبهار، حتى إن اختلفت طبيعة السينما عن الدراما التلفزيونية ستظل هناك قاعدة ثابتة للكتابة لا يخرج عنها الفن الجيد.’أزمة سكر’ واحد من المسلسلات الكوميدية أيضا لكن المتميز والفارق فيه هو الأداء التلقائي لأحمد عيد بطل الحلقات وما يضفيه من خفة ظل حقيقية تتخلق من الأحداث وتأتي تلقائية وليست قسرية، فالكوميديا هي الحرفة الأساسية للنجم الذي تمرس كثيرا عليها وأجاد أداءها رغم التراوح في ظروف شخصية سكر الاجتماعية والنفسية والمستويات المتعددة لها، مما يصعب المهمة على عيد في بعض الأحيان، مسلسل آخر يمكن التوقف عنده، خاصة ان القصة سبق تقديمها في السينما بنفس الاسم ‘العار’ وقام ببطولتها نجوم لهم ثقلهم الفني والجماهيري وبغض النظر عن تفاصيل الحدوتة المعروفة سلفا فإن أصعب ما يواجه أبطال المسلسل أحمد رزق ومصطفى شعبان وشريف سلامة وعلا غانم أنهم سيوضعون في مقارنة مع نور الشريف وحسين فهمي ومحمود عبدالعزيز وإلهام شاهين أبطال الفيلم الذي قدم منذ أكثر من ربع قرن على الشاشة الكبيرة وحصل على العديد من الجوائز، وللأسف الشديد حتى تاريخ كتابة هذه السطور وعرض الحلقة الحادية عشرة المقارنة ليست في صالح المسلسل، على الرغم من ألاعيب التحوير والتدوير في الأحداث ومسار الشخصيات، لأن الفارق بين الأصل والمستنسخ سيظل قائما وهذه طبيعة الأشياء والمسلسلات والأفلام ولا عزاء لصناع دراما العار أو عار الدراما.
في أحد الشهور الرمضانية من السنوات الماضية قدم التلفزيون رواية ‘رد قلبي’ في حلقات مسلسلة بنفس شخصيات الفيلم الشهير، إنجي وعلي وحسين والريس عبدالواحد والبرنس علاء ولكن بأبطال مختلفين أذكر منهم نرمين الفقي في دور إنجي ومحمد رياض في دور علي، ومع كل الاجتهاد والإجهاد للأبطال الجدد حدثت المقارنة وجاءت النتيجة سلبية وخرجت الفنانة القديرة مريم فخر الدين حينئذ تحتج على إنجي التلفزيونية مستنكرة أن يكون هناك نظير لدورها التاريخي أمام العظيم شكري سرحان، على حد وصفها، أخشى أن يتكرر الاحتجاج من جانب أبطال فيلم ‘العار’ ولا يجد أبطال المسلسل ما يدافعون به عن أنفسهم.