مسلسل التوريث بداية النهاية لنظم منهارة
د. يوسف نور عوضمسلسل التوريث بداية النهاية لنظم منهارةشهد العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية أنماطا من الحكم سيطرت عليها النخب العسكرية والمثقفون إلي جانب النظم التقليدية التي هي نتاج تاريخ طويل من الثقافة السائدة في المنطقة. ولا تعنينا هذه المجموعة الثانية لأنها لم تعد ذات تأثير وإن ظلت تتربع علي سدة الحكم في كثير من البلاد العربية. وما نركز عليه هو المجموعة الأولي التي ساعدتها علي الظهور ظروف السيطرة الاستعمارية السابقة علي المنطقة واستعداد المجتمعات العربية المتقبلة لشعارات القومية العربية والوحدة علي الرغم من أن كل ما يدور في الواقع العربي يتناقض مع هذه الشعارات ولا يوفر الأرضية التي يمكن أن تتأسس عليها نظم تسعي إلي الوحدة العربية. وكانت الشعارات القولية في ظروف الحرب الباردة ـ التي وجدت فيها النظم الإستبدادية دعما من الإتحاد السوفييتي ـ كافية لأن توفر الشرعية لهذه النظم التي انكشف ظهرها بشكل كامل بعد نهاية الحرب الباردة وأصبحت غير قادرة علي الاستمرار بأسلوبها القديم اعتمادا علي قدراتها الذاتية، وهنا ظهر التناقض في بنية هذه النظم بين ما أشرت إليه سابقا بالفرق بين الدولة والحكومة، ولكني مع ذلك لا أريد أن اتناول واقع هذه النظم بشكل كامل بل أود أن أركز علي ظاهرة جديدة يبدو أنها أصبحت مقنعة للقائمين بأمرها. وهي ظاهرة التوريث والسيطرة علي الحكم بكل الوسائل غير المشروعة.ولا شك أن أول تجربة ناجحة للتوريث هي تجربة الرئيس بشار الأسد الذي لعبت ظروف كثيرة دورها في وصوله إلي السلطة ، واهم هذه الظروف الإرث الذي تركه والده الذي عرف بثباته علي مواقفه المناهضة للكيان الصهيوني وفسر الكثيرون عدم إقدامه علي تحرير الجولان بأنه كان يعيش في واقعه مكشوف الظهر في وضع عربي متراجع ولم يتبع الرئيس حافظ الأسد الأساليب التي اتبعها الآخرون من أجل إيصال أبنائهم إلي الحكم إذ كانت القضية الوحيدة التي تقف أمام ابنه هي قضية تعديل الدستور التي تجاوزها المشرعون السوريون بسهولة ليجد بشار الأسد نفسه مباشرة أمام التحديات نفسها التي واجهها أبوه. دون أن تكون لديه القدرة علي تجاوز الواقع الذي يعايشه، وبالتالي استمرت صورة الحكم في سورية محافظة علي استمرار إرث الأب، وما قد يحمد لسورية هو أنها لم تقدم حتي الآن التنازلات المطلوبة منها وهي ما فتئت تبحث عن وسائل وأساليب جديدة للمواجهة.ولكن الأمر في مصر يتم بصورة أخري، وقد كانت الأمور تسير علي استحياء في المرحلة الأولي، إذ لم يكن بوسع الرئيس حسني مبارك أن يقنع الشعب المصري بكفاءة ابنه وقدراته الخارقة لان السؤال المطروح دائما هو ما الذي يميز جمال مبارك ويجعله مرشح الرئاسة الوحيد؟ هل عقمت مصر عن إنجاب المؤهلين؟وهل المؤهلات وحدها هي التي تجيز للأفراد الوصول إلي سدة الرئاسة أم أن النظام مقدم علي كل شيء؟تلك أمور لا يشغل الرئيس حسني مبارك نفسه بها وقد ظل منذ البداية يعمل من أجل توريث ابنه وكان أول عمل قام به رفضه تعيين نائب له حتي لا يكون هناك منافس واضح لابنه. وفي آخر الأمر أوصل الرئيس مبارك ابنه لمنصب رئيس لجنة السياسات ثم منصب نائب الأمين العام للحزب الوطني. وهنا أظهر جمال مبارك طموحه بوقوفه في وجه رئيس الوزراء المكلف، وفي المؤتمر الأخير للحزب الوطني بدأ جمال مبارك يقدم نفسه علي أنه رجل المرحلة الثانية من النهضة في مصر التي بدأها والده ويحدث ذلك في الوقت الذي تقع فيه مصر بين العشرة الأواخر في مجال التنمية الاقتصادية بحسب تقرير البنك الدولي. ولما كان جمال مبارك يدرك أن من الأمور التي ستؤخذ علي سياسات والده خضوعه للسياسات الأمريكية والإسرائيلية فقد أراد أن يشق لنفسه طريقا جديدا يقنع فيه الشعب المصري بأنه المناهض للهيمنة الأمريكية وذلك من خلال إعلانه انه يريد أن يستأنف البرنامج النووي المصري، وهو يعلم أن هذا الملف هو الذي يزعج الولايات المتحدة ولكنه بالطبع لم يكن يهدف إلي ذلك بل كان يريد أن يقدم نفسه بطلا للمواجهة والتحدي، ولكن بالطبع ليس مواجهة إسرائيل بل مواجهة إيران التي باتت في نظره تشكل خطرا اكبر مما تشكله إسرائيل التي لم تنشئ قوتها النووية إلا من أجل إخضاع مصر وغيرها من الدول العربية. وهنا يجب أن ندرك أنه في ظل المعارضة الواضحة لامتلاك إيران قدرات نووية فإن جمال مبارك ما كان له أن يعلن ما أعلنه لولا أنه أعطي الضوء الأخضر من الولايات المتحدة لأسباب إستراتيجية وهو نفس الضوء الذي أعطي للرئيس الباكستاني برويز مشرف لنشر مذكراتـــه التي قال فيها إن الولايات المتحدة هددته بأن تعيد باكستان للعصر الحجري إذا لم يتعاون مع سياستها في مقاومة الإرهاب ونفوذ طالبان. وكان ذلك غريبا لأن باكستان تمتلك السلاح النووي ولا تخضع لمثل هذا التهديد. الذي لا ينطلي علي احد والذي لا يتناغم مع استمرار مشرف في تنفيذ السياسات الأمريكية، فإذا كان الرجل يمتلك الشجاعة التي يفضح بها الولايات المتحدة فلماذا لا يتخذ المواقف التي تتعارض مع سياسات الولايات المتحدة التي لا تقوم علي المبادئ بل تقوم علي التهديد.ومسلسل التوريث يأخذ صورة جديدة في اليمن السعيد حيث لا يري الرئيس علي عبد الله صالح بأسا في أن يتولي ابنه السلطة من بعده وقد قام هو نفسه بفصل درامي. عندما أعلن عدم رغبته في الترشيح للانتخابات الرئاسية لتخرج المظاهرات مطالبة باستمراره فيستجيب لرغبة الشعب ولكن ليس لسنة أو سنتين بل لسبع سنوات كاملةوتأخذ القصة في ليبيا مظهرا جديدا حيث يجتهد العقيد القذافي في إظهار ابنه سيف الإسلام علي أنه يمثل الرؤية الجديدة لمستقبل البلاد ولكنه هو نفسه لا يتحمل مسؤولية لأنه لم يكن رئيسا فقد تنحي عن السلطة منذ زمن بعيد ولكن اللجان الشعبية هي التي طلبت منه أن يقوم بدوره فلماذا إذن يجري انتخابات رئاسية إذا لم يكن يتولي أي مسؤولية رسمية في الدولة. والسلطة في يد الشعب، وهو برغبة الشعب يبيح لنفسه أن يحضر مؤتمرات القمة ويتصرف في المقدرات الليبية بما يراه مناسبا. وعلي الرغم من مهارته في تسيير أموره داخل ليبيا لا يستطيع أن يري الكيفية التي تتآمر بها واشنطن عليه خاصة وهي تنصحه علي غير ما تنصح به أصدقاءها الحقيقيين، فقد رأينا وزيرة الخارجية في الأيام الماضية تستقبل وزير الخارجية الليبي ليصدر بعد ذلك ما يؤكد أنه لا خلافات مع ليبيا وتعرف الولايات المتحدة أن ذلك سوف يثير الشكوك حولها ويقلل من شأن قيادتها في نظر العالم العربي ولكن عندما يتعلق الأمر بباكستان ومصر فإن الولايات المتحدة تنصحهما بإتباع سياسات مضادة للولايات المتحدة حتي ترتفع شعبيتهما كما هو الشأن في مذكرات مشرف ومشروع البرنامج النووي عند جمال مبارك.وإذا نظرنا إلي هذا الواقع المزري في مجمله وجدنا أنه يتم في ظل غياب مؤسسة الدولة في العالم العربي بكون العالم العربي يخضع لسلطة الحكومات التي سطت علي السلطة في مرحلة تاريخية أو بسبب ظروف تقليدية ولكن هذه الحكومات لم تؤسس نظاما للدولة بل ظلت تسيطر علي مقدرات البلاد عن طريق النخب وبأساليب تقليدية قديمة، وحتي حين تتغير الظروف فهي لا تحاول أن تستفيد من المعطيات بل تصر علي أن تستمر بشيء من التكيف وذلك ما فعلته جميع النظم المستبدة في تغييرها لمواقفها فقط لتتكيف بها مع الأوضاع الجديدة دون تغيير جوهري في مؤسسة الحكم. ولما كانت المشكلات الاقتصادية هي التي ستحكم مستقبل العالم العربي فإن الكثيرين بدأوا يدركون معني الفرق بين الحكومة والدولة بكون غياب مؤسسة الدولة هو الذي يفقرهم واستمرارية الحكومات المريضة هو العقبة الكأداء في سبيل إقامة الدولة في العالم العربي. وفي انتظار التغيير ستظل أنظمة الحكم العربية تستنفد كل حيلها وثقافتها الضيقة أملا في أن يتجدد القديم الذي هو محكوم عليه بالزوال في لحظة قريبة من لحظات التاريخ.9