النتائج الباهرة التي حققها المعتزلون الجدد من الفنانين، يبدو أنها شجعت معتزلين سابقين كانوا اختفوا من دون بيان ضاجّ، لكسر عزلتهم والإطلالة على جمهورهم بما يشبه بيان اعتزال بمفعول رجعي.
الفنانة المصرية آثار الحكيم، التي قدمت آخر أعمالها العام 2009، تطلّ لتقول إنها اعتزلت منذ أكثر من عشر سنوات، ولعلها فوجئت أن للاعتزال في زمننا سعراً غالياً فاتَها، إذ بات فنان اليوم لا يكتفي بأنه عاش حياته بالطول والعرض تحت أضواء الشهرة والمعجبين، فهو يريد أيضاً كسب كل الأضواء التي تأتي صحبة خبر الاعتزال، وفي بعض الحالات هي أضواء أشد وأكثر سطوعاً.
ماذا لو أن فتوى أو قانوناً صدَرَ يطالب الفنانين المعتزلين، التائبين خصوصاً، بإعادة كل ما حصلوا عليه من مال جرّاء «فعلة» الفن!
عادت آثار الحكيم في الأيام الأخيرة في اتصال هاتفي على شاشة مصرية لتقول إنها «شبعانة نجومية» وإنها اعتزلت، ومتفرّغة للتقرّب إلى الله، حسب صحف عديدة.
مرة أخرى يثير ربط الإيمان والتفرغ للعبادة باعتزال الفن الريبة في الصدور فعلاً، لماذا هذا الربط دائماً بين طريقي الفن والعبادة، بما يوحي بأنهما متعاكسان حتماً؟! بالنسبة للجمهور، ومع ممثلة مثل آثار الحكيم، لا نحسب إلا أنه يكنّ لها كل الاحترام، شخصاً ومسيرة فنية، لكن يبدو أن للممثلة المصرية رأياً آخر، يوحي أن مسيرتها تستوجب التطهّر والحجّ والتعبّد والاستغفار! علام؟ حتى القبلة في فيلم «النمر والأنثى» قلتِ إنها مفبركة وليست حقيقية. ماذا إذاً في كواليس مسيرة الفنانين يستوجب هذا الانقلاب والتوبة على هذا النحو؟!
«روعة» الاعتزال أنه ليس غير مكلف وحسب، فقد ثبت أنه مربح، ومن دون رأس مال سوى الكلام. ماذا لو أن فتوى أو قانوناً صدَرَ يطالب الفنانين المعتزلين، التائبين خصوصاً، بإعادة كل ما حصلوا عليه من مال جرّاء «فعلة» الفن. طبعاً لن يصل بنا الأمر حدّ المطالبة بالتخلي عن المجد والشهرة وارتداء ملابس من الخيش وتسوّل العفو من الناس، الجمهور الذي تلقّى بكل براءة مسلسلاتكم وأفلامكم ومسرحياتكم ومقابلاتكم، بل وبنى حياته وأحلامه على أساسها، هل أنتم جاهزون لإرجاع الأموال لأصحابها!
النقاش الفريد للنواب العرب في الكنيست الإسرائيلي باللغة العربية منذ أيام، والمنقول على الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، جاء صادماً لبعض الإسرائيليين، إلى حدّ أن بعضهم وصف الأمر وكأن الفلسطينيين سيطروا على الكنيست. ليس مستبعداً أنهم أصيبوا حقاً بالذعر فيما يتخيّلون العام 2050 مثلاً، بأغلبية برلمانية عربية تطبع النقاش البرلماني باللغة العربية.
لكن بالنسبة للعرب لم يكن الحدث هنا، فقد كان المقطع الأكثر تداولاً وتعليقاً من جلسة الكنيسة هو الذي يحتوي على تصويب النائب أحمد الطيبي لرئيس القائمة العربية منصور عباس خطأ لغوياً، عندما قال الأخير عبارة «القرى الغير معترف بها» فباغَتَه الطيبي بالتصحيح، وبعيداً عن موضوع النقاش الملحّ (كهرباء القرى العربية): «القرى غير المعترف بها».
منصور عباس في حمّى بحثه عن موضع لعمود الكهرباء لن يفطن لخطأ لغوي، وقد يعدّ ذلك انتصاراً لمنطقه، فعمود الكهرباء أهم عنده من الهوية والسياسة والاعتراف!
والطيبي على حق بالطبع، فـ «ال»التعريف لا تدخل على «غير» حتى لو كان الناس مغضوباً عليهم بالتجاهل وغياب الكهرباء. اعتبُر الأمر جزءاً من لُذُوعِيّة الطيبي المعتادة، ولربما اعتُبر الانتقاد تذكيراً بموقف مشين لمنصور عباس (وما أكثر مواقفه المشينة) عندما رفض مشروع قانون قدّمه نائب إسرائيلي لتدريس اللغة العربية في المدارس الإسرائيلية، يومها صرخ بهم النائب: «عيب عليكم! هل هناك حركة إسلامية في العالم ترفض تدريس لغة القرآن الكريم!».
لكنه منصور عباس! من لم تهزّه عبارات النائب الإسرائيلي تلك، لا يمكنه أن يتوقف عند هفوة دخول «ال» التعريف على «غير».
بالطبع يمكن أن تتخيل أن يتمحور دفاع أنصار عباس بأن الرجل في حمّى بحثه عن موضع للعمود لا يمكن أن يفطن لخطأ لغوي، وقد يعدّ ذلك انتصاراً لمنطقه، فعمود الكهرباء أهم عنده من الهوية والسياسة والاعتراف. يخشى عباس وقوع عمود غير موجود في الأساس، ولن يفطن بالتالي بلغة إذا وقعت، حتى لو كانت هذه هي كلّ كرامته الباقية.
ما الأسوأ من المصير الذي تعرّض له الرئيس رفيق الحريري؟ ما الأسوأ من تلك الخاتمة الزلزال، المليئة باللهب والصور المتفحمة والأشلاء؟
نتابع أخباراً حول مسلسل تلفزيوني يزمع إنتاجه من قبل المنتج اللبناني الصباح، حسب صاحب الشركة نفسه في مقابلة تلفزيونية، إذ من المؤكد أن الدور سيسند إلى الممثل السوري تيم حسن، بطل مسلسل «الهيبة» بأجزائه المديدة، بتمجيده للسلاح خارج سلطة الدولة وتجارة الممنوعات من السلاح إلى الحشيش، إلى ما لا يعلمه سوى الله.
ائتلاف شركة الصباح وتيم حسن ومعهما مخرج المسلسل سامر برقاوي هم بالضبط محور الممانعة التلفزيوني، فتخيلوا كيف يمكن أن تأتي صورة الرئيس الشهيد، أي سيرة ستكتب، أي بداية ونهاية!
الأسوأ من المصير الذي لقيه الرئيس الحريري أن تُكتَب سيرته التلفزيونية من قبل أعدائه، من قبل قاتليه.
لا شك بأن الائتلاف التلفزيوني الممانع قادر على استئجار أبرز الأسماء وأكثرها كفاءة لتقديم سيرة منتقاة ممنتجة على هواه، من حسن م يوسف إلى حسن سامي اليوسف، ومن منى واصف (قد تكون مرشحة لدور نازك الحريري) إلى وفاء موصللي، ومن غسان مسعود إلى زهير عبدالكريم (ممكن مثلاً لدور رستم غزالي) حتى فراس إبراهيم يمكن أن يكون له دور في المسلسل (أحمد أبو عدس مثلاً).
أما غسان بن جدو فيمكن أن يؤدي شخصيته نفسها، أي أن يضع متنكراً شريط فيديو أبو عدس فوق الشجرة، ثم يأتي هو نفسه مرة أخرى متنكراً بزي إعلاميّ لالتقاط الشريط من فوق الشجرة، وهكذا.
الأسوأ من المصير الذي لقيه الرئيس الحريري أن تُكتَب سيرته التلفزيونية من قبل أعدائه، من قبل قاتليه.
كاتب فلسطيني سوري