مسلسل «ليام»… كنزة مرسلي نقطة تحوّل الدراما الجزائرية

حجم الخط
2

يستوقفنا المسلسل الجزائري المنافس في دراما رمضان، على قول رئيس اتحاد المنتجين العرب إبراهيم عبد السلام «إن الممثل بشكل ما سلعة» و»إن الفنان يخضع لقانون العرض والطلب» ذلك أن قدرة هذا المسلسل على المنافسة على جوائز نقاد الدراما العربية، وتمكّنه من تصدّر تصويت الجمهور كان بفضل النجمة كنزة مرسلي، التي قلبت موازين الأعمال الرمضانية الجزائرية، التي كانت لعقود من الزمن في قوقعة المحلية، دون أي حظوظ للظهور في الساحة العربية التي تزخر بالمسلسلات الدرامية التي تشعل المنافسة كل عام.
كنزة مرسلي خريجة «ستار أكاديمي» استطاعت أن تكسب شهرة واسعة، من خلال الأغاني التي تقدمها و»الفيديو كليبات» التي تحظى بمتابعات بالملايين على اليوتوب. هذه الشهرة هي التي صنعت الفرق هذا الموسم للدراما الجزائرية، حيث نال مسلسل «ليام» الذي يُعرض على التلفزيون العمومي الجزائري، متابعة واسعة، إذ حلّ الأول في تصويت الجمهور في الحلقة السادسة، الأمر الذي لفت أنظار واهتمام الإعلام العربي، في سابقة أولى للمسلسلات الجزائرية، التي حافظت على مميزاتها وخصوصياتها لسنوات عديدة، وبقيت وفية لفنيات الإخراج والإنتاج والتمثيل نفسها، بل حتى للديكور ذاته الذي لا يتماشى مع التقنيات البصرية الحديثة التي تعتمد على الدقة الرفيعة في الصورة والصوت، يهدف استقطاب المشاهد، الذي تحوّل هو الآخر من مشاهد تقليدي بسيط، إلى مشاهد ذكي متطلب غير متسامح مع صناع الأعمال الدرامية التلفزيونية، فالمشاهد العصري يُعتبر الناقد الأول والمباشر للعمل المقدّم، قبل أن يتناوله النقاد الأكاديميون، لذلك لا مجال للتحايل على المشاهدين الذين لا يبحثون عن الفرجة كما السنوات الأولى من التجربة التلفزيونية، وإنما أصبحوا ثاقبي البصر قادرين على التحليل والنقد والمشاركة بفعالية، لأنهم تخلصوا من سلبيتهم وسطحيتهم في تلقي كل ما يقدّم لهم ويُعرض على شاشات التلفزيون.
إن التحوّل الذي أحدثته مشاركة كنزة مرسلي ـ بغض النظر عن قوتها في التمثيل من عدمها – بات واضحا جدا، ودليلا على أن الدراما التي كانت تصنع النجوم باتت الآن تستنجد بالنجوم لإرضاء المشاهدين، الذين يطالبون بالقطيعة مع القديم والتقليدي، وتقديم واقع مغاير من شأنه تحويل الفعل الدرامي إلى صيغة اتصال تخيّلية معقّدة، بدءا بالشق الأدبي، أي النص، وصولا إلى الشق المشهدي أي العرض، وهو الحلقة المباشرة مع الجمهور الذي يتابع هذ العرض بعين ناقدة تبحث عن مخيال جديد إيجابي لا يحاكي الواقع السلبي الذي يعيشونه في حياتهم اليومية، خاصة أن العصر الحالي للدراما كما السينما، لا يرضى بتحدّث صناعها بلسان المشاهدين، وتصوير مشاكلهم وواقعهم، بل الأمر يتطلب التعبير عن هذا الواقع بنصوص سحرية مخالفة لما كان في السابق، حينما كانت الدراما مجرد محاكاة للواقع، لها القدرة على طرح القضايا المجتمعية في قوالب مختلفة، مع المحافظة على قوتها على ضمان المتعة والفرجة.

مسلسل «ليام» الذي يتناول قصة فتاة ثرية تعيش في كندا، حيث كانت تسيّر شركتها، تضطر للعودة إلى بلدها بعد تعرّض والدها، وهو رجل أعمال، لمحاولة اغتيال من مجهولين ودخوله للعناية المركزة قبل أن يكتشف الأطباء أنه يعاني من ورم في الرأس يضطره للسفر إلى فرنسا للعلاج، وهكذا تجد دنيا نفسها مجبرة على تسلّم مهام والدها في تسيير شركته في الجزائر، في محيط ملغّم بالعداوات وتصفية الحسابات من الماضي والحاضر، ما يجعل «خليل» الرجل القريب من والدها «سي مصطفى» وذراعه الأيمن يخصص لها حارسا شخصيا «بودي غارد» في أحداث درامية لا تمت بصلة للواقع الجزائري، حيث أن الاقتباس واضح جدا، فالمشاهد يشعر بأنه يتابع مسلسلا تركيا أو مكسيكيا، لكن هذا لم يمنع العمل من استقطاب الجماهير، بالنظر إلى قوة الإنتاج من جهة واتكاء النص الدرامي على مقومات أخرى أهمها نجوم العمل من كنزة مرسلي، والوزير السابق يوسف سحيري، الذي حقق نجاحا باهرا في العام الماضي في مسلسل «ولاد لحلال» الذي أقنع الجمهور بشكل غير مسبوق.
هذ العمل وإن لم تقدّم فيه كاتبة السيناريو منال مسعودي والمخرج نسيم بومايزة نصا قويا وحبكة محكمة، إلا أنه تمكن من جلب المشاهدين بطريقة مغناطيسية، في مؤشرات قوية لتغيّر موازين قوى الدراما، من نصوص تحكي الواقع إلى رؤى سحرية للمخيال الأدبي والمشهدي، بعيدا عن هضم الواقع كما هو مرارا وتكرارا. كنزة مرسلي «دنيا» ويوسف سحيري «آدم» نقطة التحوّل الأولى في العمل بنجوميتهما، إضافة إلى السيناريو والإخراج اللذين صنعا مساحات من التحرّر في التعبير عن المشاعر وصناعة المشاهد، التي لم نعهدها في المسلسلات الجزائرية، حيث أقدم التلفزيون الجزائري على حذف مشهد دنيا وآدم، وهما قريبين من بعضهما بعضا، وهما يحدقان النظر في عيون بعضهما في إيحاء قوي لقبلة منتظرة ومتوقعة، هذا المشهد العادي جدا في الدراما الأجنبية، لكنه بالنسبة لنظيرتها في الجزائر فهي جرأة، دفعت آلة الرقابة لحذفها، الأمر الذي دفع بالمشاهدين إلى السخط والتذمر، حسب ما لوحظ في تعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويمكن أن نقول إن قوة مسلسل «ليام» في قدرة صُنّاعه على تقديم أفكار جديدة لم يعتد المشاهد رؤيتها لأنها غريبة على المجتمع، وبالتالي فهي غير مستهلكة من قبل في الأعمال التلفزيونية المقدّمة، وفق تعبير العديد من المتابعين الذين تساءلوا «ما الفائدة من إعادة سرد الواقع؟» لهذا فإن فكرة المسلسل الجديدة والمغايرة استطاعت كسب الجمهور، الذي تخلّص من جموده، وبات يطالب بالبديل والتغيير في كل ما يقدّم له. وكما يقال، الدراما ليست بالضرورة سردا للواقع، أو انعكاسا لمثاليات المجتمع وعاداته وموروثه، بل يمكنها أن تقدّم قصصا من الخيال بحبكة جيدة، ومقاربة ذكية للواقع بإمكانها أن تقفز بالعمل الدرامي إلى درجة الارتقاء بذائقة الجمهور، حتى لو كانت مختلفة عن الواقع، ولا تعرض ما يحدث فيه، بل تقدم أفكارا بديلة قادرة على تغيير المجتمع الذي سيتبناها ويكرّسها في حياته.
ووفق هذا المنظور يمكن للدراما أن تنتفض على الواقع والمجتمع التقليدي القديم بهدف غرس أفكار وقيم جديدة، بدل الالتزام بالمحاكاة والتقيّد بواقع سلبي هدام يجتر نفسه، وآن الأوان للصناعة الدرامية أن تتخلى على القاعدة «الواقع» وتنتقل لصنع الاستثناء، الذي تستطيع عبره ترويض المشاهدين بتقديم أفكار إيجابية تتماشى مع الوعي الجماهيري وذكائه في التفاعل مع كل ما يتلقاه، لأنه لم يعد ذلك المشاهد العقيم السلبي، الذي لا يصدر عنه رد فعل، بل نحن في عصر لا يمكن فيه الاستهانة بعقل المشاهد «الناقد» الذي أعلن القطيعة فعلا مع الأحداث النمطية المقدّمة على مرّ عقود من الزمن، نحن في عصر «ثورة الصورة» تستوجب «ثورة صناعها» أيضا.
وإن قالت الممثلة المصرية سميحة أيوب «إن التريند» ليس معيار قوة أي عمل درامي، لكن النقاد يحتكمون إليه بقياس نسب المشاهدة التي يحققها العمل، ومسلسل «ليام» في المراتب الأولى، رغم ضعف الحبكة وعدم إقناع السيناريو، والفضل كل الفضل للنجمة كنزة مرسلي.. قوة النجم تزيح الحبكة وتغطي على النقائص والهفوات، وليس المجتمع وحده من يؤثر في الدراما، بل يمكن للدراما أن تؤثر في المجتمع إلى درجة تغييره.

كاتبة جزائرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية