مسلسل مصري طويل: المطوجية والشومجية يخوضون معركة الكديش والجمل

حجم الخط
0

خطيب بدلةلي صديق متابع شغوف للمسلسلات العربية التي تعرضها ‘الفضائيات’ العربية ليلاً ونهاراً، لا يُفَوِّتُ منها مسلسلاً سورياً، أو مصرياً، أو أردنياً، أو خليجياً.

لا يهمه إن كان المسلسل اجتماعياً يدعو إلى الزواج بوصفه (قسمة ونصيب، وأن المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين!)، أم كان بدوياً يدعو إلى الدسائس، والثأر، والتناحر، وسيادة الأعراف بدلاً من القوانين، واحتكار شيخ القبيلة ورَبْعُه لمشيختها،.. أم كان سياسياً يدعو إلى مكافحة الفساد، دون أن يحدد مكامن الفساد الرئيسية، فإن فعل ذلك فسد لحمُ منتجيه، وعُلِّقَت جلودهم في سوق الفَرَّائين، وما عاد الذباب الأزرق يعرف إليهم سبيلا!.. أم كان تاريخياً حنظلياً، قعقاعياً، أوْسياً، خزرجياً، يرتدي فيه رجالُ عبس وبكر ووائل وذبيان الشورطات الرياضية، وتنتفُ ممثلاتُه حواجبهُن على الملمتر، ويطلين شفاتيرهن المنتفخة بموجب عمليات تجميلية بأحدث أنواع الـ(روج) العالمية – كما في مسلسلات نجدت أنزور الفنطازية التاريخية- أو تراجيدياً يُبكي الحجر الأصم، أو كان كوميدياً يدغدغ الممثلون فيه خواصرَ المشاهدين لكي يضحكوا، بالحسنى، وإلا اضطروا إلى إضحاكهم بالذوق، والعافية!

حتى إن هذا الصديق، المشغوف درامياً، يشاهد المسلسلات المدبلجة، التي ابتدأت بالمكسيكي، والأرجنتيني، ثم انتقلت إلى التركي، فاكتسحت الموقف، وصار للدبلجة العربية سوق أين منها سوق الإنتاج الدرامي،.. والممثلون ذوو الموديلات القديمة البطلانة (الذين يتجنب المخرجون التلفزيونيون دعوتهم للعمل لأن وجوههم غير سياحية!) أصبحوا يجدون فرص عمل في الدبلجة تجنبهم ذل السؤال والتذلل لأولئك المخرجين البطرانين.

قال لي هذا الصديق: سأخبرك بسر شخصي. أنا، منذ مدة طويلة، مقاطع المسلسلات المصرية، مع يقيني بأنها الرائدة الفعلية للدراما العربية، من دون منازع.

قلت: ليش؟

قال: لأن الدراما المصرية (عدا استثناءات قليلة ونادرة) ما تزال تدور في فلك أنماطها التقليدية، ومعظمها تنتج الميلودراما القَدَرية التي تعتمد على المصادفات والقضاء والقدر في صناعة خيوطها الرئيسية، وتعتمد على النجم التلفزيوني المستهلك الذي لا يحول ولا يزول، كالسادة: نور الشريف ويحيى الفخراني ونجمة السينما إلهام شاهين، وبعض الشخصيات الأخرى.. وقد ظهرت، في الآونة الأخيرة، موجة جديدة في الإنتاج التلفزيوني المصري تعتمد على نجوم الدراما السورية كجمال سليمان، وأيمن زيدان، وباسم ياخور، وسوزان نجم الدين، هؤلاء الفنانون المبدعون الذين شرعوا يتحدثون باللهجة المصرية بحماس يؤكد اقتناعهم بأن هذا العمل، أي انتقالهم لتمثيل أدوار البطولة في مسلسلات ذات نسيج مصري، يمثل قفزة نوعية في مسيرتهم الفنية، مع أن هذا- لو علموا- يشكل ضربات قاصمة، لا برء منها، لمسيراتهم.

وحتى من الناحية التقنية، فمخرجو الدراما المصرية ما زالوا يعتمدون في تصوير أعمالهم على ثلاث كاميرات، ولم يستفيدوا من تقنية الكاميرا الواحدة، وإنجازاتها الكبيرة.

قلت لصديقي: إلى أين تريد أن تصل من وراء هذا الحديث الطويل؟

قال: لقد عدتُ الآن، بعد كل هذه المقاطعة، لمتابعة أجمل مسلسل مصري وأروعه، مسلسل حي، مباشر، عظيم، راق، مهم، تاريخي، اجتماعي، مصيري، عبقري، مغاير للمسلسلات التجارية الهابطة، فهو لا يعتمد على النجم الوحيد الأوحد، بل يقول له: ارحل، وحل عن سمانا! ولا يقبل بالنمط السائد، باعتباره نمطاً كاسداً، مزيفا.. في كل يوم، يا صديقي، بعد أن أرجع من شغلي، أتسمَّرُ أمام شاشة التلفزيون، وأتسلح بجهاز الريموت كونترول، وأقلب من محطة إلى محطة، وأتابع حلقات هذا المسلسل الجميل بشغف، واهتمام، واحترام، وكلما شاهدتُ جموع الشعب المصري العظيم وهي تتحرك، وتموج، وتهتف، على نحو سلمي، شريف، أنيق، إنساني، كبير، مطالبة بحريتها، وكرامتها، ولقمة عيشها المنهوبة، وبحقها أن يكون لها رأي في الحكم، ومؤسساتٌ تشارك بالحكم من خلالها، ودستور يحفظ للملايين كرامتها، ويؤسس لعصر قادم يتم تداول السلطة فيه على نحو سلمي، ولا يسمح (لأخو أخته) في العالم كله أن يستبد بها، وبالشعب، وبثرواته، وبمقاديره، وبأن يتم شطب الصفات القديمة التي أورثها النظام المستبد للشعب المصري، من قبيل: (صابر، منتظر، غلبان، متحمل، خانع، قانط، يائس، مستكين)، ويضع مكان كل واحد من هذه الصفات الصفة التي تعاكسها بالضبط.. الصفات التي يمكن تلخيصها بـ: شعب حر، كريم، أبي، ثائر، متطلع، قادر على تحمل مسؤولية نفسه.

لأمر ما.. وعلى الرغم من الوضوح الكبير الذي اتسمت به ثورة الشعب المصري، ومن كون العين المجردة قادرة على تفحص نسيجها، وقراءة أهدافها وخطوطها العريضة، إلا أن كل واحد من المتحدثين بشأنها، المحللين لماهيتها، الذين يَظهرون على الفضائيات كل دقيقة، وكل ثانية، يحاول أن يرسم لها شكلاً يناسبه، ويتحدث في الجانب الذي يريحه، مهملاً، عن قصد طبعاً، التحدث ببقية الأشياء التي لا يريد أن يتحدث فيها، يفعل ذلك لأمر ما، و(لأمر ما- كما تعلمون- جدع المرحوم، المغفور له، السيد قصير أنفه، على أيام الملكة زنوبيا). فالرئيس غير المرغوب فيه حسني مبارك تحدث في أمرين إثنين فقط، هما تعيين رئيس جهاز المخابرات عمر سليمان نائباً له، وحل الوزارة القديمة وتشكيل وزارة جديدة، متغاضياً عن ألف قصة لا يسره التطرق إليها.. والسيد أحمد شفيق أبدى استغرابه لما حصل في ميدان التحرير يوم المعركة التي أقترحُ تسميتَها (معركة الكديش والجمل!)- لأن البلطجية المجهولون دخلوا على صهوات الكدش والجمال للاعتداء على المتظاهرين المسالمين- وقال إن التحقيق المزمع إجراؤه سيوصلنا إلى معرفة مرتكبي العدوان، وسيحاسبون، واستخدم النائب عمر سليمان في تصريح لاحق عبارة (حساباً عسيرا)، وهو يعلم، ونحن كذلك نعلم، أن الفرق جد كبير بين (حساباً يسيرا) و(حساباً عسيرا)، ولولا ذلك لاكتفى بعبارة (سيحاسبون). المتظاهرون من أبناء الشعب العظيم ألقوا باللائمة على جهاز البوليس، وقدموا دلائل على وجود عناصر مندسين بينهم باللباس المدني، وأما أحد أعضاء الحزب الوطني الجدد فقال في برنامج مصر النهارده على قناة النيل (الأحد 6 فبراير) إنه يستغرب أن يتم حرق مكاتب الحزب الوطني، في لحظة واحدة، مع غياب كامل لأجهزة الأمن.. وكأن مصر المحروسة (وهذا الاستنتاج من عندي) على زمن الرئيس غير المرغوب فيه حسني مبارك من دون بوليس أو مخابرات. السيد علي خامنئي مرشد الثورة الإسلامية في إيران (خطبة الجمعة على القناة الإيرانية) اعتبر ما يجري في مصر (صحوة إسلامية!).. وهذا، في الحقيقة، أغرب وصف سمعته عن ثورة الشعب المصري منذ اندلعت انتفاضة (25 يناير) حتى لحظة كتابة هذه المقالة.

الجنرال ميشيل عون حيى الانتفاضة، وأكد أن المنتفضين يستطيعون أن يحققوا إنجازات كبيرة، على نحو سلمي، على غرار ما حققته المعارضة في لبنان.

المطوجي والكديشنجيعرضت الجزيرة في أحد تقاريرها التحليلية، يوم (معركة الكديش والجمل) توضيحاً لكلمة ‘بلطجية’ وقالت إنها مشتقة من الشخص الذي يستخدم البلطة في قطع الطريق والعدوان على الناس.

هذا التحليل صحيح بالطبع، والمقطع (جي) يستخدم في اللغة التركية للنسبة، فصاحب الدكان يدعى (دكانجي)، وصاحب الخمارة (خمارجي)، وأما رقيب الصحف على أيام الدولة العثمانية فكان يدعى (المكتوبجي).. بيد أن الجزيرة، وغيرها من المحطات التي تحدثت عن الموقعة، وحتى المحللين السياسيين الذين تحدثوا عنها، كانوا مخطئين هذه المرة، فمن خلال مشاهدتنا لما جرى في الساحة، لاحظنا أنه لا يوجد بين المهاجمين بلطجي (حامل بلطة) واحد، بينما كانوا: مطوجية، وشومَجية.. وبما أنهم كانوا يمتطون الكدش والأباعر، فالواحد منهم يمكن أن نسميه: كديشنجي، أو أباعرجي.. والله من وراء القصد. قاص وكاتب من سورية [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية