مسلسل يعيد تكرار الرواية الرسمية نفسها: الحسن والحسين ومعاوية إلى المحكمة الدولية!

حجم الخط
0

د. علي الص

كرتثير الدراما التاريخية الدينية الكثير من الإشكالات الفنية التوثيقية المتعلقة بالمرجعية المدونة لأحداثها كما تثير جدلا فقهيا حول جواز تجسيد شخصيات أهل البيت والصحابة من عدمه فما بالك بمسلسل عنوانه (الحسن والحسين ومعاوية) تشرئب له أعناق المشاهدين العرب كل ليلة بشغف وفضول كبيرين. ينجح العنوان نجاحا هائلا في جذب المشاهد وبعيدا عن الجدل الفقهي وفتاوى التحريم ينبغي الاعتراف بأن الممثلين الذين جسدا شخصيتي الحسن والحسين (محمد المجالي وخالد الغويري) قد نجحا إلى حد كبير في توصيل الصورة المتخيلة عن الشخصيتين بما يتوافق مع رؤية صائبة للمخرج (عبد الباري أبو الخير). هذا على المستوى الفني أما على المستوى الفكري فان المشاهد سيشعر أن الحسن والحسين قد جرى توظيفهما بحنكة لأغراض تجارية إعلانية أما قضيتهما الحق فلم نر فيها القول الفصل على مدى ثلاثين حلقة.

يحرص القائمون على المسلسل على إظهار قائمة طويلة من المراجع وعلماء الدين الذين ابدوا موافقتهم على ما جاء في المسلسل وكأنها شهادة تدرأ عنه الشبهات. لكنه لا يحرص على إخبار المشاهد عن المراجع التاريخية التي استقى منها مادته الدرامية التي تغطي ما يقارب ثلاثين عاما من عمر الأمة الإسلامية تزخر بالأحداث الجسام إذ لا بد للدراما التاريخية من مرجعية موثقة تنطلق منها مثلما دأب الروائي الكبير جرجي زيدان مثلا – على إدراج مصادره التاريخية عند كل رواياته وبالمناسبة فقد تناول جرجي زيدان تلك الفترة الأليمة من حياة الأمة الإسلامية في روايتين هما (السابع عشر من رمضان) و(غادة كربلاء) وأحسب أن الروائي الكبير كان أكثر موضوعية واحترافا من كاتبي المسلسل (محمد اليساري ود. محمد الصبار) في التعامل مع المادة التاريخية وتطويعها في السرد دون تغليب الخيال الروائي على الواقعة التاريخية المثبتة ودون أن يصب وعيه الذاتي على الشخصية الروائية. من حق الكاتبين أن يقدما معالجة درامية مبتكرة تحمل قراءة جديدة للواقعة التاريخية لكن من حق المشاهد أيضا أن يتساءل عن مدى صحة الحدث الذي يراه على الشاشة، وجميل جدا أن يقدم الكاتبان رؤية توفيقية للأحداث تهدف إلى ردم فجوة الخلاف المذهبي البغيض بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة لكن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي لتقديم القراءة التحليلية الجديدة التي يراد من المشاهد أن يستوعبها وأرى انه كان على الكاتبين الإشارة التوثيقية إلى الكثير من الوقائع المسرودة خصوصا وأن مراجع التاريخ الإسلامي المعروفة كالطبري والمسعودي مثلا قد غطت تلك الأحداث بإسهاب شديد. سيكون على الكاتبين على سبيل المثال لا الحصر – أن يخبرا المشاهد أين ومتى كان معاوية يسير في السوق يتفقد أحوال الرعية ويلقي التحية على الناس- مثل معظم الزعماء العرب المحبوبين لدى شعوبهم – والحسن على يمينه والحسين على يساره وهو يشرح لهما نظرية الشعرة الشهيرة وكيف أنه لا يضع سوطه حيث يكفيه سيفه ولا يضع سيفه حيث يكفيه سوطه وهما يرددان بإعجاب كبير ‘صدقت يا أمير المؤمنين’ وكأن ابني علي بحاجة إلى وعظ معاوية أم أن الكاتبين لم يطلعا على ما جاء في (نهج البلاغة) وأظن أن المنطق يملي أن يحيط الحسن والحسن بأبيهما أيام خلافته وليس بأحد آخر. في مشهد آخر نرى الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير جالسين (مع بعض) يبتهلون إلى الله أن يشفي أمير المؤمنين معاوية ويمد في عمره في الوقت الذي تخبرنا فيه كتب الأدب والتاريخ أن معاوية في أيام مرضه كان يعتدل جالسا حين يدخل عليه أحد من بني هاشم فيردد ( وتجلدي للشامتين….) فيجيبه الآخر (وإذا المنية أنشبت أظفارها / ألفيت كل تميمة لا تنفع). المفارقة العجيبة أن المسلسل الذي يعرض في ذروة الربيع العربي وارتفاع الأصوات ضد توريث الزعماء لأبنائهم يقدم لنا رؤية جديدة تماما لمبدأ التوريث الذي يعرف الجميع أن معاوية هو أول من ابتكره وسنه وقام بالتعديلات الدستورية اللازمة لتمريره وفقا لمبدأ (تلقفوها كالكرة فاني والله لأرجو أن تصل إلى صبيانكم). الرؤية الجديدة التي يقدمها ألمسلسل تتلخص في أن معاوية لم يكن يريد الخلافة لأبنه يزيد لطمعه في أن تبقى الخلافة في بني أمية كلا إطلاقا ولكنه يريد توريث ابنه يزيد لأنه رجل (تجتمع عليه الأمة وفيه صلاحها). يرد على لسان أكثر من شخصية أن مبدأ التوريث هو (اجتهاد) من معاوية ليس إلا وكما نعلم فان للمجتهد حسنة إذا أصاب وليس عليه جناح إذا أخطا. وبذلك توصل الكاتبان بكل براعة إلى تبرير جريرة التوريث التي سيكون نتيجتها أن تؤل زعامة الدولة العربية الإسلامية التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى زعماء مراهقين ومغامرين لا يفقهون في الإسلام شيئا من أمثال عبد الملك بن مروان ثم أبنائه سليمان والوليد ويزيد إلى آخر العائلة ثم يكرر العباسيون نفس المبدأ لتؤل الخلافة إلى مراهقين آخرين من العائلة العباسية أمثال الأمين والمأمون وأن ترزح شعوبنا العربية لحد اللحظة تحت نير التوريث. يتملص المسلسل بذكاء عن القول الفصل في الأمور الحساسة فيزيد بن معاوية (الله أعلم به) لكنه في نفس الوقت يمرر بحذق مشهدا يظهر فيه يزيد عائدا من جبهة القتال مع الروم ومشهدا آخر يقول فيه يزيد الشعر في بلاط أبيه بين جمع من الفقهاء والأدباء مما يعني أن يزيد بن معاوية مثل كل أبناء الزعماء العرب فارس مغوار وشاعر فذ وخطيب مفوه وان المثلبة الوحيدة التي يتجرأ كتاب المسلسل على ذكرها بشأن يزيد هي (أنه لا يمتلك حلم أبيه) مثل كل الشباب وكأن ما ينقص يزيد ليكون خليفة من طراز الخلفاء الراشدين هو الحلم فقط لا غير، فلم يكن ينقصه دين أو علم كما دأب يردد البعض. وفي الحلقات الأخيرة التي تمهد لمقتل الحسين سيندر بل ينعدم ظهور يزيد على الشاشة لصالح ظهور مكثف لعبيد الله بن زياد فيما أحسبه إيحاء ذكيا عن براءة الأول ومسؤولية الثاني الكاملة عن المقتلة. سيكتشف المشاهد في النهاية أن المسلسل لا يجرؤ على قول الحقيقة ولا يقدم على كشف أي سر حتى ولو بعد مرور أربعة عشر قرنا على الأحداث وسيكتفي بإيراد الرواية الرسمية للأحداث التي كتبتها ونشرتها على الملأ وسائل إعلام الحاكم الرسمية وكتابه الذين يجزل لهم العطاء فيسجلون التاريخ لمصلحته ومصلحة أبنائه وأجداده. وبذلك فان الأسئلة الكبرى ستبقى دون إجابة شافية والجرائم الكبرى تسجل ضد مجهول. فجماهير المسلمين الذين اشتكوا الى الخليفة عثمان من ظلم الولاة هم ليسوا الا همج وغوغاء ومشاغبين يظهرون بوجوه شريرة وسحن غريبة يقودهم (ابن سبأ) اليهودي بالمناسبة تشكك الكثير من كتب التاريخ بحقيقة وجود شخصية بهذا الاسم هذا اليهودي وأتباعه هم الذين سيقتلون الخليفة عثمان ويشعلون حروب الفتنه كلها. ذلك إذن هو مصدر الاتهام الذي ستبقى تتداوله أجهزة إعلام السلطة في بلادنا العربية لحد هذه اللحظة. فالمعارض للسلطة كان سابقا يهوديا أو مجوسيا واليوم هو عميل للمخابرات الأمريكية والصهيونية. المعارضون جرذان وخفافيش وقطاع طرق. أنهم إنهم كل شيء الا أن يكونوا عربا شرفاء. فالعربي الذي لا شك في عروبته وولائه عليه أن يردد بصوت عال (بوركت يا أمير المؤمنين) و(نعم الرأي والله يا أمير المؤمنين). وأمير المؤمنين مشغول منذ ذلك الوقت هو وأبناؤه وعشيرته المقربون طبعا – بتثبيت أركان ألدوله العربية الإسلامية ومحاربة الروم وسيكون فيما بعد مشغولا بالوقوف ضد المخططات الصهيونية الامبريالية التي تريد زعزعة استقرار البلاد لذا فان كل صوت معارض سيكون بالتأكيد قادما من وراء الحدود لخدمة هذه المخططات. ابن سبأ اليهودي المندس هو رأس الفتنة أما حكامنا فهم براء منها كما يقرر كتاب المسلسل. بصراحة ووضوح ان أهل الكوفة وبالتالي أهل العراق حصريا وليس غيرهم هم الذين خرجوا على الامام علي وخذلوه وقتلوه ثم طعنوا ابنه الحسن وهم الذين سيقتلون ابنه الحسين ويحزوا رأسه ورؤوس أبنائه وأبناء أخيه وأنصاره ليضعوها بين يدي يزيد وهم الذين سيأخذون نساء بني هاشم سبايا الى قصر بني أمية في الشام. يعني أن أنصار الحسين هم الذين يحتملون وزر دمه وليس أعداءه. أهل الكوفة بحسب المسلسل والرواية الشائعة قوم غدر و(لا عهد لهم) فهل هي عادة متأصلة عند أهل الكوفة تحملها جيناتهم الوراثية أن يخذلوا زعماءهم (تقول إحدى النساء في المسلسل عن أهل الكوفة: خذلكم الله يا من خذلتم سبط الرسول) أم أنها نتيجة حتمية لسياسة القهر والإخضاع والإذلال التي عانوا منها منذ بدء الفتنة فقد حرص أمراء الدولة الأموية على تعيين أكثر الولاة باعا وخبرة في القمع والوحشية على الكوفة خصوصا والعراق عموما مثل عبيد الله بن زياد الذي (يأخذ الشقي بالبريء والشاهد بالغائب) ثم الحجاج بن يوسف الثقفي الذي رأى أن رؤوس أهل العراق قد أينعت وحان قطافها والذي جعل العراقي يقول للآخر (انج سعد فقد هلك سعيد) أما حكومات الأحزاب الوطنية المناضلة في العصر الجمهوري (الذهبي) فقد جعلت أحدهم يقول للآخر أنج سعد أو اطلب اللجوء الإنساني في أي بلد أوربي لئلا يحل بك ما حل بسعيد وأخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه فقد اقتحمت دورهم وانتهكت أعراضهم قبل أن يحشروا بأسمالهم في قبور جماعية في صحراء السماوة اكتشف بعضها بمحض الصدفة ولم يكتشف البعض الأخر بعد ليكون جل حظهم أن يقول عنهم كتاب الدراما المعاصرون أنهم (قوم لا عهد لهم). لم ينصف المسلسل أهل الكوفة والعراق لأنهم ببساطة (حائط نصيص) كما يقول المثل العراقي الدارج فوجه أصبع الاتهام إلى الضحية وحكم ببراءة الجلاد الطاغية من كل التهم المنسوبة اليه. وهكذا حلت المسألة التاريخية التي أرقت الضمير الإسلامي على مر العصور. هنا أقترح على أهل الكوفة أن يطالبوا مثل غيرهم – بمحكمة دولية تكشف عن الجناة الحقيقيين في مقتل الأمام علي والحسن والحسين وأولادهم وأنصارهم الذين قتلوا في مختلف عصور الدولة الإسلامية طالما أن أبناء جلدتهم لا زالوا يخشون أو لا يتجرؤون على – كشف الحقيقة المؤلمة. ولعل الشعوب العربية تفلح هذه المرة في أن تكتب تاريخها بنفسها بدل أن يمليه الحاكم كيف يشاء على كتبته. * كاتب من العراقali_ segaro.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية