وان اختلفت اصول الجاليات المسلمة المتواجدة بالغرب، فانها تتحد في علة الاقامة، وهي طلب الملاذ الآمن، واللجوء بشكل عام. وان اختلفت أسباب اختيارهم للغرب. منهم من اختار منفاه ومنهم من فر بحياته بحثا عن الملاذ الآمن وبعيدا عن غطرسة الانظمة العربية الفاسدة، ومنهم من لاذ بالفرار من سجونها وجلاديها، ومنهم من أتي بحثا عن اللقمة التي عسرت علي فيه وأفواه ذويه في وطنه، ومنهم من اجبره الاستعمار الاجنبي المقيت، سواء كان مباشرا او غير مباشر، كالاستعمار الصهيوني لاراضينا الفلسطينية والسورية واللبنانية والعراقية، والقائمة لاتزال مفتوحة، او غير مباشر عن طريق السفارات التي تدير قطب رحي السياسات العربية المملاة سلفا من السفارات الغربية او المطابقة لشرعيتها. ومن هؤلاء من أتي الي دنيا يصيبها، فلما ضاقت عليه الارض بما رحبت، لم يجد له ملاذا ولا مناص من العودة والتشبث بالجذور، لآن ظاهرة الاستقامة في الغرب لمن لم تعرف له إستقامة في وطنه، تكاد تكون هي القاعدة وما شذ عنها إلا قليل. لا يستطيع المسلم في الغرب ان ينكر ان للغرب افضال… ولو قيد أنملة، والفضل يعود الي المناخ المتاح، والذي يكاد يكون منعدما في سائر الدول العربية والاسلامية، هذا المناخ الديمقراطي الذي يعيشه الغرب يوجز بكل بساطة في معان نعلمها جميعا وترددها كل الافواه، ولكن يصعب إمتلاكها والتفقه فيها والعمل بها، إن سخر الجو الملائم لها وأساسها هو الوعي وكنهها هو العدل.
والعدل في أراضينا قد فاقت شكواه ما وصفه شوقي في إحدي قصائده، شكواه إلي الجن وإستضحاكه للموتي، لتسع شكواه السماوات والاراضين.
وقد أسس إبن خلدون العمران علي أساس العدل، ويعد العدل كنتاج يترجم مسارا إنسانيا يهدف إلي إيتاء كل ذي حق حقه دونما حيف أو زيف أو إكراه أو تغرير أو إسراف أو محاباة، ولذلك كان رمز العدل عند الغرب، إمرأة معصبة العينين لا تقيم وزنا للامير ولا تبخس المساكين.
أما عندنا فالعدل ميت قبل أن يولد، ولا يحق لنا الحديث عنه، لان ذلك يعد ضربا من السفسطة، ولا يجوز الحديث عن شيء حكمه معدوم.
وإنه لحري بنا أن ننهل من محاسن الغرب وخاصة في مجال الحريات وخاصة العدل، وليس هذا من قبيل المغالاة أو المجاملة بل هو من باب المناصفة، وأن ننكر عليه الكيل بمكيالين وترسيخ الانظمة المستبدة في ديارنا. العدل أصبح تقليدا وميزة أساسية في ديار الغرب، علي الاقل تجاه الغربيين أنفسهم وتجاه غيرهم إلي مدي غير بعيد، نتج عنه كل المعاني التي نفتقدها في أوطاننا ومنها الامن، والتعليم كحق مقدس والمسكن اللائق والحق في التداوي المجاني للمــــعوزين إلي غير ذلك من الحقوق المقدسة… وإن الإطناب في هذا الجانب العمراني وأساسه في الغرب، فلأنه عندنا مفقود… مفقود، ويجد المسلم نفسه في الغرب أمام هذا المفقود عندنا، حسرة علي وطنه المهدور وعالمه المشلول الذي يعجز عن الحراك والتقدم.
حبيب مصطفي آل شيبة6