ألمانيا-وكالات ـ «القدس العربي»: عاد موضوع تصاعد خطر اليمين المتشدد في ألمانيا إلى الواجهة بعد أن كشفت منصة «كوريكتيف» الإعلامية عن عقد لقاء سري بين قادة من حزب «البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي مع متطرفين يمينيين في مدينة بوتسدام شرقي البلاد. وهذا لقاء حضرته شخصيات يمينية متطرفة من بينها النمساوي مارتن سيلنر، الذي تزعم على مدار فترة طويلة حركة الهوية الاشتراكية الأوروبية المتطرفة، التي تعارض بشدة هجرة المسلمين إلى أوروبا. ويبدو أن الاجتماع دعا إلى إعادة المهاجرين إلى بلادهم. وقيل أيضا إن المشاركين ناقشوا استراتيجيات وتوجهات الحزب وربما آفاق اتخاذه لمواقف أكثر تطرفاً. وأثيرت كذلك مخاوف من أن يتبنى هذا التنظيم الحزبي الممثل في البرلمان الألماني وجهات نظر أكثر تشددا، الأمر الذي قد يؤدي إلى عواقب سياسية خطيرة. تلك القضية أثارت سيلا من ردود الفعل السياسية والإعلامية في ألمانيا وأوروبا، ومن بينها دعوات لحل «حزب البديل».
وتنوعت تعليقات الصحافة الألمانية في وجهات النظر، من حيث أفضل السبل لمواجهة المد اليميني المتشدد. ففيما حذر البعض من الاستنتاجات المتسرعة بشأن الدعوات إلى حظر حزب «البديل» وما قد يكون لذلك من عواقب غير محسوبة، انتقد البعض الآخر الطبيعة الغامضة لاجتماع بوتسدام وانعدام الشفافية عند «حزب البديل» والمخاطر التي قد يشكلها ذلك على مستقبل البلاد. وهكذا حشد المجتمع المدني الألماني كما الأحزاب السياسية جهدا غير مألوف للتنديد بما بات يسمى بـ«اجتماع بوتسدام السري».
وشهدت المدن الألمانية في الأيام الماضية مظاهرات مناهضة لليمين في كل أنحاء البلاد، وكثيرا ما كان يزيد عدد المشاركين في هذه المظاهرات عن المتوقع. كما تظاهر الخميس والجمعة آلاف الأشخاص ضد التطرف اليميني في عدة مدن ألمانية.
واجتاحت مسيرات كبرى مدن فرانكفورت وزاربروكن وهيرن وغوترسلوه للإعراب عن الاحتجاج على التطرف اليميني.
وتتوقع المدن الألمانية تنظيم المزيد من المظاهرات الواسعة ضد التطرف اليميني، خلال عطلة نهاية الأسبوع.
والسبت شارك حوالي 30 ألف شخص، في مظاهرة مناهضة لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في مدينة دوسلدورف. ومن المقرر أيضا تنظيم فعاليات أكبر في مدن آخن ومانهايم وماربورغ بالإضافة إلى مدن أخرى.
وفي مدينة اسنابروك، انضم وزير الدفاع، بوريس بيستوريوس، إلى المتظاهرين، في الشوارع، بينما في مدينة فيتنبرغ، انضم راينر هاسيلوف، رئيس وزراء ولاية ساكسن انهالت أيضا إلى المتظاهرين.
ومن المقرر أيضا تنظيم مظاهرات اليوم الأحد، في هامبورغ ومواقع أخرى.
وتزامنت مظاهرات السبت مع يوم «ذكرى المحرقة اليهودية/ الهولوكوست» حيث يحيي العديد من المنظمين، ذكرى الضحايا اليهود الذين لقوا حتفهم على أيدي النازيين.
وأعرب الرئيس الألماني، فرانك فالتر-شتاينماير عن دعمه للمظاهرات، لكنه دعا إلى الالتزام أكثر بالديمقراطية.
وفي زاربروكن بالقرب من الحدود الفرنسية، احتج نحو سبعة آلاف شخص ضد فعالية لحزب البديل من أجل ألمانيا.
يشار إلى أن حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي يتصدر استطلاعات الرأي في شرق ألمانيا قبل انتخابات الولايات الثلاث في أيلول/سبتمبر المقبل، يذكر العديد من الألمان بالنظام النازي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي .
وامتدت المظاهرات إلى النمسا، مسقط رأس الزعيم النازي أدولف هتلر. وانضمت البلاد إلى ألمانيا النازية في اتحاد في عام 1938 وغازلت السياسيين اليمينيين المتطرفين في العقود الأخيرة.
وقالت الشرطة إن نحو 35 ألف شخص تجمعوا أمام البرلمان في فيينا. وكان شعار الاحتجاج «دافعوا عن الديمقراطية!». كما خرج الآلاف في إنسبروك وسالزبورغ إلى الشوارع.
مخاطر
التطرف اليميني
وحذر الرئيس التنفيذي لمصرف دويتشه بنك الألماني كريستيان سوينغ، من مخاطر التطرف اليميني المتزايدة في البلاد، وبشكل خاصة على الاقتصاد.
جاءت تصريحات سوينغ، الذي يشغل أيضا منصب رئيس اتحاد البنوك الألمانية، في مقابلة مع صحيفة «فيلت أم سونتاج» تظهر في عددها اليوم الأحد، ونشرت مقتطفات منها السبت. وقال سوينغ: «يجب أن لا يكون للكراهية والعنصرية مكان في بلادنا».
وأضاف أنه من منظور اقتصادي، هناك أيضا أسباب كثيرة لاتخاذ موقف ضد هذا التطرف. وتابع: «المستثمرون الأجانب أيضا ينخرطون في ألمانيا بسبب قيمها وهياكلها الديمقراطية الموثوقة، ويتساءلون بالفعل عن ما إذا كان بإمكانهم الثقة بها على المدى الطويل».
وذكر الرئيس التنفيذية لـ «دويتشه بنك» أنه إضافة إلى ذلك، لن تستطيع ألمانيا التغلب على النقص في العمالة الماهرة «إلا إذا صرنا وجهة جاذبة للعمالة المؤهلة القادمة من الخارج».
وشدد سوينغ على أن التفكير في خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي بـ«ديكسيت» كما انسحبت المملكة المتحدة «بريكست» محض «هراء اقتصادي خطير للغاية وغير مدروس».
وأوضح أن العواقب السلبية لانسحاب بريطانيا على الاقتصاد البريطاني واضحة للغاية، مضيفا أن أوروبا هي «أعظم ورقة رابحة لدينا في المنافسة العالمية».
القلق يتزايد بين المنحدرين
من أصول أجنبية
يتزايد شعور الأشخاص المنحدرين من أصول مهاجرة في ألمانيا بالتعرض للعداء والتقليل من قيمتهم، ويرى هؤلاء الأشخاص أن مسيرات التضامن وحدها لا تكفي لحل مشكلتهم.
ويعتبر مجتمع الأغلبية في ألمانيا كيفية التعامل مع حزب «البديل من أجل ألمانيا» مسألة سياسية بالدرجة الأولى. غير أنه الحزب الذي وصف نائبه روجر بيكامب، المهاجرين في البرلمان على نحو مسيء بأنهم «مهاجرون غرباء عن الثقافة جاءوا ليحلوا محل السكان الأصليين». وبالتالي فإذا كان التعامل مع حزب البديل مسألة سياسية بالنسبة لمجتمع الأغلبية في ألمانيا، فإنه بالنسبة لأولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم أشخاص من أصول مهاجرة سواء في المدرسة أو في مكان العمل أو في مترو الأنفاق، مسألة أكبر من ذلك بكثير.
وكانت تقارير تحدثت عن عقد اجتماع بين ساسة وشخصيات معروفة من التيار الذي يسمى باليمين الجديد، أثارت قلق الكثير من الأشخاص من ذوي الأصول الأجنبية بشكل زادت معه الاستفسارات الواردة إلى السياسيين ومراكز الاستشارات المعنيين بشؤون هؤلاء الأشخاص. وكان مشاركون في مثل هذا الاجتماع كشفوا أن هذا الاجتماع دار حول البحث في تحديد دائرة الأشخاص الذين ينبغي أن يغادروا ألمانيا وكيف يمكن دعم هذا الأمر، وهي دائرة تتجاوز من وجهة نظر اليمينيين المتطرفين مجموعة الأجانب الملزمين بمغادرة البلاد بشكل قانوني.
من جانبها، تقول وزيرة الدولة ريم العبلي-رادوفان، المسؤولة عن قضايا الاندماج ومكافحة العنصرية في الحكومة الألمانية إن «الأشخاص الذين نشأوا كأطفال لمهاجرين في ألمانيا يتساءلون عما إذا كان لا يزال لديهم مستقبل هنا» وأضافت: «هذا أمر مخجل بالنسبة لبلادنا، خاصة مع تاريخنا». وفي ذات السياق، تقول مصباح خان السياسية بحزب الخضر المختصة بشؤون السياسة الداخلية إن الأشخاص المنحدرين من أصول مهاجرة مضطرون كل يوم إلى الكفاح حتى يصبحوا جزءا متساوي الحقوق من مجتمعنا، وأضافت أن «خطط الطرد غير الإنسانية التي يقترحها حزب البديل لألمانيا تُشكل عبئا نفسيا إضافيا على هؤلاء الأشخاص المتضررين».
ويرى المتضررون أن هذه الدوامة السلبية لم تبدأ فقط في الأسبوع الماضي عندما كشف تقرير لدار «كوريكتيف» الإعلامية أن الارتباط بين ناشطين يمينيين متطرفين وساسة معينين أصبح أكثر وضوحا أمام الرأي العام، خاصة وأن كان جهاز حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) أبلغ عن مثل هذه التوجهات منذ فترة طويلة.
ومنذ العام الماضي، يشعر الأشخاص المنتمون إلى رابطة العائلات ثنائية الجنسية في ألمانيا بأنهم يتعرضون على نحو متزايد للإهانة والتمييز والتهديد، وذلك حسبما تقول المتحدثة باسم الرابطة كارمن كوليناس مشيرة إلى أن «العنصرية اليومية تزايدت بشكل صارخ» ورأت أن السبب في ذلك يرجع إلى أن النقاش حول الهجرة يجري بأسلوب سلبي بالدرجة الأولى، وقالت إن هذا الأمر لا يقتصر على حزب البديل وحسب.
وتابعت كوليناس أن الأشخاص الذين يعيشون في عائلات ثنائية القومية أصبح لديهم شعور بأنهم «عرضة للاستهداف بشكل متزايد» وساقت مثالا على ذلك بالنقاش حول «معاداة السامية المستوردة» والأفكار المطروحة في هذا السياق لوضع شروط إضافية لراغبي الحصول على الجنسية الألمانية. ورأت أن الكثير من الأجانب يعتبرون أن الأمر الجدير بالملاحظة هو أن مثل هذا الاشتباه العام كان مصدره في نهاية المطاف «ألمان ذوو خلفية نازية».
وأعربت كوليناس عن اعتقادها بأن خروج العديد من الناس إلى الشوارع في الأيام الأخيرة للتظاهر ضد العنصرية وخطط الطرد اليمينية هو أمر جيد، لكنها رأت أن المناخ الاجتماعي بوجه عام أخذ منحى غير جيد في الفترة الأخيرة بحيث أصبحت الأسئلة تظهر بشكل متزايد في العائلات ثنائية الجنسية مثل :»إلى أين نذهب؟» و«هل يمكنني حقا العيش هنا بسلام؟».
من جانبها، تقول زينب ياناسمايان، وهي عالمة اجتماع تعيش في ألمانيا منذ عشر سنوات وتعمل كرئيسة قسم في المركز الألماني للبحوث الاجتماعية والهجرة في برلين، إن هناك محاولات من الجانب السياسي لجعل «ألمانيا غير جذابة بغرض تقليل عدد الأشخاص الذين يبحثون عن ملاذ هنا». وقالت إن الأطراف الفاعلة في الساحة اليمينية يحاولون اختطاف مصطلحات من بحوث الهجرة مثل «إعادة التهجير» للتمويه على خططهم الرامية إلى طرد المهاجرين. ولكنها رأت أن استخدام مصطلحات أكثر لينا مثل «الإعادة أو الترحيل» في التعبير عن تدابير قاسية، يعد بمثابة ظاهرة يمكن ملاحظتها أيضا في وسط الطيف السياسي.
وتحذر وزيرة الدولة العبلي-رادوفان أيضا من الاعتقاد بأن مشاكل العنصرية موجودة فقط على الطرف اليميني دون غيره. وأعربت السياسية المنتمية إلى حزب المستشار أولاف شولتس الاشتراكي الديمقراطي، عن اعتقادها بأن التهديد وصل إلى بُعْد جديد من خلال وجود أشخاص في الاجتماع الذي تم الكشف عنه، ممن «يتبنون رؤية عنصرية قومية لألمانيا المطهرة، وفقا لمعايير عرقية عنصرية؛ وهؤلاء الأشخاص قد يحصلون على خيارات حقيقية للسلطة» في الانتخابات الوشيكة. ومع ذلك، أشارت العبلي-رادوفان إلى أن أنماط التفكير والأيديولوجيات والهياكل العنصرية موجودة أيضا في أماكن أخرى.
وتقول المسؤولة الحكومية عن مكافحة العنصرية إن «الفكرة المزدرية للإنسانية التي ترى أن بعض الناس أكثر قيمة من غيرهم، متجذرة بعمق» وأضافت «في السياسة أيضا، قمنا بغض الطرف لفترة طويلة جدا عن السرديات اليمينية ولم نتخذ إجراءات حاسمة بما فيه الكفاية ضدها.»