مسيرة الأعلام الاستفزازية.. حلقة جديدة في المعركة على الوعي والرواية حول القدس

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: تعتبر حكومة الاحتلال الجديدة مسيرة الأعلام الاستفزازية امتحانا لها ولقوتها وهيبتها، وسط مزاودات من المعارضة عليها، ودعوات لمنع  حركة حماس من بناء روايتها كحامية للقدس، ومقابل تهديدات المقاومة الفلسطينية بالرد على انتهاكات الاحتلال في المدينة المقدسة.

في الوقت نفسه، فإن هذه المسيرة الاستفزازية المصادق عليها رسميا، هي اختبار لقدرة الشعب الفلسطيني في طرفي الخط الأخضر على مواصلة الدفاع عن القدس كما هبّ في الجولات السابقة.

وعلى خلفية ذلك، صادق  عومر بار ليف، وزير الأمن الداخلي في الحكومة الإسرائيلية على ما يسمى بمسيرة الأعلام للمستوطنين في القدس، وذلك رغم تحذيرات فصائل المقاومة والخارجية الفلسطينية، والدعوة للنفير العام، وسط ترجيحات إسرائيلية بأنها لن تشعل النار مجددا بعد تعديلات في مسارها. وجاء قرار بار ليف جاء بعد مشاورات مع قادة المؤسسة الأمنية، بحيث تبقى المسيرة في موعدها عصر الثلاثاء، والتي من المنتظر أن تمر في شارع السلطان سليمان قبالة باب العامود الذي سيتم إغلاقه أمام الفلسطينيين ولكن دون دخوله، والانتقال عبر حيّ المصرارة إلى باب الخليل والامتناع عن دخول البلدة القديمة.

وكانت حكومة بنيامين نتنياهو السابقة قد غيّرت قبل شهر مسار هذه المسيرة الاستفزازية، والتي يحتفل فيها المتطرفون الإسرائيليون بذكرى احتلال القدس وضمها إلى السيادة الإسرائيلية بعد توحيد شطريها. وقد صدرت الأوامر للشرطة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية برفع جاهزيتها وحشد تعزيزات على جانبي الخط الأخضر والقدس المحتلة وتعزيز منظومة القبة الحديدية تحسبا لانفجار الموقف وإطلاق الفصائل الفلسطينية صواريخ من غزة. وكشفت الإذاعة العبرية أن هناك مشاورات إسرائيلية مستمرة، وقد انتقدت الإذاعة طريقة معالجة الحكومة لهذه المسألة الحساسة، خاصة في ظل عدم ترتيب اجتماع رسمي لمتابعة مسيرة الأعلام، مكتفية بمشاورات وباعتقاد أن الأمور تحت السيطرة.

قلق دولي

 حذرت الأمم المتحدة من هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الفلسطينيين والإسرائيليين فجر 21 مايو/ أيار الماضي، داعية إلى ضبط النفس. وقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية أمرا بمنع موظفيها وأسرهم من دخول البلدة القديمة في القدس المحتلة، وذلك بسبب الدعوات إلى المسيرة الإسرائيلية والمظاهرات المضادة المحتملة. ودعا المجلس الوطني الفلسطيني، المجتمع الدولي خاصة مجلس الأمن إلى التحرك لمنع “مسيرة الأعلام”، واصفا إياها بأنها  ضرب من الجنون الإسرائيلي”، معتبرا أن “الإصرار على تنظيم تلك المسيرة دعوة لاستمرار الاضطهاد والإرهاب والعدوان على أبناء شعبنا في المدينة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية”. وشدد على أن “أبناء شعبنا، مسلمين ومسيحيين قادرون على مواجهة وإفشال هذه المسيرة كما أفشلوا بصدورهم العارية، وإرادتهم الصلبة كافة المحاولات السابقة التي استهدفت المقدسات المسيحية والإسلامية، وبشكل خاص الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك.

من جهتها، دعت حركة حماس للنفير والرباط في المسجد الأقصى والبلدة القديمة بمدينة القدس المحتلة، لتفويت الفرصة على المستوطنين في تنظيم مسيرة الأعلام. وطالبت الحركة أهالي القدس للتصدي لمحاولات الاحتلال فرض إرادته وتغيير معالم مدينة القدس، ونادت بأن يكون يوم الثلاثاء يوم نفير ورباط بالمسجد الأقصى، ويوم غضب وتحدّ للاحتلال. ودعت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينيين إلى المرابطة في ساحات المسجد الأقصى والنفير العام في المناطق الفلسطينية كافة وداخل الخط الأخضر من أجل مواجهة ما وصفته بتصعيد خطير يمس أقدس المقدسات وبعدوان يستهدف العرب والمسلمين.

بعد إلغاء المسيرة أول مرة في العاشر من مايو/ أيار الماضي، ومجددا الخميس الماضي، سعى رئيس حكومة الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو إلى السماح بتنظيمها قبل أيام وفق اتفاق محدد بين الشرطة والمنظمين، وتسبّب إصرار نتنياهو وقتها على تنظيم المسيرة في اتهامه من قبل خصومه بتأجيج الوضع واتباع سياسة “الأرض المحروقة”.

وأوضحت صحيفة ” معاريف ” أنه بعد مصادقة وزير الأمن الداخلي على مسيرة الأعلام الاستفزازية في مسارها المذكور، قرر الجيش والمخابرات الاستعداد لسيناريو التدهور الأمني بما في ذلك إطلاق صواريخ من غزة. وقالت إن شرطة الاحتلال دفعت بـ2500 من عناصرها للقدس المحتلة، وستقوم بإغلاق الكثير من شوارعها مبكرا، منوهة لنصب بطاريات القبة الحديدية. وتنقل الصحيفة عن بار ليف قوله في ختام مشاوراته مع المؤسسة الأمنية، إن انطباعه هو أن المؤسسة الأمنية مستعدة جيدا، لافتا إلى أن الشرطة ستبذل قصارى جهدها من أجل حفظ أمن الجمهور والنظام العام.

وقال موقع “والا ” الإسرائيلي في هذا المضمار، إن المؤسسة الأمنية ترجّح أن قائد حماس في غزة يحيى السنوار قد خرج من عدوان “حارس الأسوار” دون منجزات جوهرية، وما زال يصارع من أجل تسوية وترميم قطاع غزة بما يشمل إعادة فتح معبري بيت حانون وكرم سالم اللذين أغلقهما الاحتلال في الشهر المنصرم. وحسب تقديرات المؤسسة الأمنية وفق “والا” فإن السنوار يخشى جدا من التحرش بجيش الاحتلال بواسطة إطلاق صواريخ، ومع ذلك سيحاول تعزيز الرواية حول البعد الديني للقدس، ولذا تتوقع إسرائيل أن تحدث مناوشات على الحدود وإطلاق بالونات حارقة وقذائف قصيرة المدى، منوهة إلى أن حماس هذه المرة لم تهدد بإطلاق صواريخ نحو القدس بخلاف المرة السابقة. وينقل “والا” عن مصادر أمنية ترجيحاتها بأنه من غير المستبعد أن تقوم حركة الجهاد الإسلامي بإطلاق صواريخ نحو العمق الإسرائيلي، ولذا تم رفع درجة تأهب سلاح الجو الإسرائيلي قُبيل المسيرة الاستفزازية وذلك ضمن تطبيق تعليمات قائد الجيش أفيف كوخافي للاستعداد لكل الخيارات.

الرد بحذر

وفقا لهذه المعطيات، فقد عمم رؤساء المؤسسة الأمنية الإسرائيلية رسالة للقوات الميدانية بتحاشي التسبب في سقوط قتلى وجرحى من الجانب الفلسطيني لأن “المشاهد القاسية في القدس من شأنها أن تصب الماء على طاحونة المتطرفين في الضفة وغزة”. وحذّر موقع “والا” الإسرائيلي من هشاشة الوضع الأمني ومن الأجواء المتفجرة في الجانب الفلسطيني، واستذكر ما سبق وقاله بار ليف حول تسيير المسيرة، لأن ذلك مسموح في النظام الديموقراطي طالما أن ذلك ضمن القانون.

وردا على سؤال، قال بار ليف حول تهديدات حماس بإشعال أعمال “عدوانية” في القدس مجددا، قال إن ” القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية”. وكشف أن كوخافي ونائب رئيس “الشاباك” أوصيا أمام المجلس الوزاري الأمني المصغر بعدم المصادقة على المسار الأصلي لمسيرة الأعلام داخل البلدة القديمة وباب العامود، ونوّها لإمكانية تعديل مسارها. وخلال الاجتماع المذكور أوضح مدير عام وزارة الخارجية في حكومة الاحتلال ألون أوشبيز، أن إدارة بادين توجهت للوزارة وأعربت عن قلقها من مجرد القيام بالمسيرة، مشددة على أنها غير معنية باشتعال جديد في المنطقة.

وقال ما يعرف بالمنسق السابق للجيش الإسرئيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الجنرال إيتان دانغوت، إن المسيرة باتت حقيقة ولكن سنحكم عليها لاحقا بعد تسييرها. وزعم في حديث إذاعي أن تأجيل المسيرة ليس في صالح إسرائيل ولا حكومتها. وتابع: “نريد أن تنظم المسيرة، خاصة أن الشرطة تصادق عليها رغم المخاطر، وبحق لأنه من غير المقبول تثبيت هذا الأمر في الوعي وكأن حماس هي حارسة القدس. وفي حال قامت حماس بالتحرش بنا، على إسرائيل أن تثبت سيادتها وترد بقوة لمنع حماس من فرض وصايتها على القدس وهذه صيرورة طويلة. علينا إبداء الاستقلالية وتحجيم حماس كمنظمة إرهابية وليس بضربة واحدة. لا أعرف إذا كانت حماس سترد ولكن علينا الاستعداد بكل الأحوال” وفق تعبيره.

“إم ترتسو “.. حركة متطرفة

وقال مدير منظمة “إم ترتسو” الإسرائيلية المتطرفة، متان بيلغ، لإذاعة جيش الاحتلال، إنه يقبل بتعديل مسار المسيرة الاستفزازية التي ينظمها “لأننا نحترم الشرطة وعلينا التسوية، فقد قبلنا تسويتها القاضية بعدم دخول باب العامود والانتقال لباب الخليل ومنه لساحة البراق، وسنقوم بفصل مسار المسيرة لاحقا لاعتبارات تتعلق بعدد المشاركين”. وردا على سؤال الإذاعة حول الجدوى من هذا الاستفزاز في لحظة حساسة ومتفجرة، قال: “لن نأتي للاستفزاز، بل جئنا للاحتفال في عاصمتنا، ولن نسمح للإرهابيين بالسيطرة على قرار داخلها. ننظر إلى الموضوع بصورة أوسع بسبب تراجع الجيش عن مناورات في النقب بسبب الخوف من البدو، ولا نستطيع الاقتراب من المثلث والجليل الذي بات إقليما عربيا مستقلا، وفي المدن المختلطة يعيش اليهود في خوف. لم نعاند على المسار الأصلي وأبدينا تسوية رغم أنها عاصمتنا السيادية وقد أقيمت إسرائيل لتكون ملجأ آمنا حرا لليهود” بحسب زعم المتطرف الإسرائيلي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية