الناصرة- “القدس العربي”: رغم المصائب المتتالية على الفلسطينيين منذ نكبة 1948 على المستويين العام والخاص فإنهم يواصلون التفوق على الجراح واختراق الحدود والسدود وتحقيق نجاحات في العمل والعلم كما تجسد مسيرة طبيب من غزة قتلت إسرائيل ثلاثا من بناته وابنة أخيه وأصابت آخرين من أقربائه لكنهم نهضوا من بين ركام عدوان “الرصاص المصبوب” في 2008.
وحاز بروفيسور عز الدين أبو العيش، ابن مخيم جباليا في غزة، على درجة الأستاذية الكاملة (بروفيسور) من جامعة تورونتو الجامعة الأولى في كندا حيث يعمل محاضرا باحثا ضمن كلية الصحة العامة.
قتلت إسرائيل وأصابت نصف أسرته وحاز على درجة بروفيسور في الطب
وتبعنه بناته الناجيات من المجزرة فأنهين تعليمهن في الجامعات إذ تخرجت دلال من كلية الهندسة في جامعة تورنتو وتزوجت فلسطينيا أصله من عسقلان ومعها أيضا شقيقتها شذا أما رفاه فما زالت في الجامعة فيما أنهى نجله محمد دراسته في جامعة تورنتو ضمن كلية الإدارة وعبد الله يدرس في كلية “شولك” للإدارة في جامعة يورك.
وبالنسبة للأب هذه رسالة للفلسطينيين وللاحتلال وللعالم ويقول إنها العزيمة المولودة من رحم الألم ويضيف “لم يختبر بشر في العالم كما اختبر فلسطينيو المخيم وما زالوا فرغم المعاناة وبسببها تتعاظم عزيمتهم وإيمانهم بحقهم وبتمسكهم بالعلم فالإنسان معرض لأن يسرق ويفقد كل شيء إلا علمه وثقافته فهي سلاح وجواز سفر”.
وضمن مسيرته أنهى أبو العيش الثانوية العامة من مدرسة الفالوجا الثانوية داخل المخيم وحاز على بكالوريوس الطب والجراحة من كلية الطب في جامعة القاهرة. وعمل في المملكة العربية السعودية وحصل على منحة للتخصص في النساء والولادة في جامعة لندن وتخصص في العقم وأطفال الأنابيب.
أكمل بروفيسور أبو العيش تخصصا في طب الجنين والوراثة في جامعة لندن وبلجيكا وحصل على ماجستير في الإدارة والسياسة الصحية من جامعة هارفارد الأمريكية. عمل في منظمة الصحة العالمية وفي العديد من الدول بما فيها السعودية اليمن أفغانستان وكينيا وفلسطين.
أبو العيش الذي يوضح أنه فلسطيني قبل أن يكون كنديا يوضح لـ”القدس العربي” أن حياة المخيم واللجوء ما زالت في دواخله وأن فلسطين هي الأم وصاحبة الفضل
البروفيسور أبو العيش الذي يوضح أنه فلسطيني قبل أن يكون كنديا يوضح لـ”القدس العربي” أن حياة المخيم واللجوء ما زالت في دواخله وأن فلسطين هي الأم وصاحبة الفضل ويراها في كل أم فلسطينية وفي كل طالب وطفل عنده الأمل بحياة أفضل راجيا أن يرد أبناؤها لها الجميل وهذه مسؤولية لا شعارات.
ويتابع “الأم الفلسطينية هي سر بقائنا ونجاحنا فهي الوالدة والراعية ومرضعة حب فلسطين وهي الحاضر وهي الغائب شعبنا الفلسطيني شعب حي ويستحق الحياة وهو بكل أطيافه يصنع المعجزات من أجل البقاء والتطور. وتختزل مأساة الطبيب عز الدين أبو العيش من مخيم جباليا قصة حرب “الرصاص المصبوب” على غزة فيما تجسد حكاية عائلته النكبة الفلسطينية بكافة تجلياتها.
عز الدين أبو العيش (65) الذي فقد ثلاثا من بناته جراء استهداف منزله في جباليا بقذيفة دبابة إسرائيلية تستفزه كثيرا رواية جيش الاحتلال حول إطلاق نار على قوات من جهة منزله. قبل سنوات استعاد أبو العيش بعيون مليئة بالاحمرار والغضب ما جرى خلال حرب 2009 فقال إنه كان يلاعب طفليه داخل المنزل قبيل استهدافه وتابع “كنت ألف داخل البيت وابني محمد (6) يعتلي كتفي فيما يدفعني من الخلف ابني عبد الله (12)، وما أن غادرت غرفة البنات ودخلت الصالون حتى سمعت دوي انفجار وما هي لحظات حتى تكشفت المجزرة المهولة”.

وأشار الطبيب الذي توفيت أيضا زوجته مرضا إلى أنه سارع للاطمئنان على بناته الست وما لبث أن صعق وقد تحولن أمام ناظريه إلى أشلاء وسط بركة دماء وغبار متصاعد، وما هي لحظات حتى استهدف البيت بقذيفة ثانية جرحت آخرين من عائلته ويضيف “صرت أصرخ كالمجنون وأشعر كأنهم يقومون بذبحي بسكين وكنت بشكل عفوي أبحث عن بيسان ابنتي البكر المدللة متمنيا أن أجدها على قيد الحياة قبل أن أعثر عليها جسدا ممزقا”.
واستشهدت جراء القصف الشقيقات بيسان (20) ميار (15)، آية (14) وابنة عمهن نور (14) كما أصيبت ابنتا الطبيب شذا ورفاه وجرح شقيقه عطا ورائدة ابنته بجراح متوسطة- خطيرة بينما أصيب شقيقه شهاب الدين بجراح بالغة، وظل هناك بعدما منعت إسرائيل إدخاله.
وبعدما عد الجثث لم يجد أبو العيش من يغيثه فالجيران غادروا منازلهم فهاتف مراسل القناة الإسرائيلية العاشرة لشؤون قطاع غزة شلومي إلدار الذي نقل صرخته في بث حي ومباشر وما لبث أن ترك غرفة البث وسارع للاتصال بقادة الاحتلال للسماح بإسعاف الجرحى ونقلهم. وعن ذلك قال “سار بعض إخوتي نصف كيلومتر حاملين راية بيضاء طيلة ساعة في انتظار سيارة الإسعاف الممنوعة من التقدم نحونا من قبل جنود الاحتلال فنقلوا الجرحى مشيا على الأقدام”. ولاحقا أكد إلدار أن نقل صرخات ودموع أبو العيش بالبث الحي ومن ثم متابعتها بوسائل إعلام أخرى أحرجت إسرائيل وزعزعت ثقة الإسرائيليين بالحرب على غزة وقال إنها وضعتهم قبالة المرآة عراة.
وقال إنه سارع لمنزل شقيقه فحمل بيسان المصابة بين يديه وهي تقول، قبل لفظ أنفاسها، “إلحقني يا عم إلحقني يا عم” ويتابع “وفجأة قصفوا البيت بقذيفة ثانية فأصبت بظهري وسقطت وبيسان أرضا ولاحقا زحفت على ركبتي ونزلت نازفا الدرج من الطابق الثاني حتى ارتميت عند باب العمارة فصرت أتشاهد قبل أن أغمى علي”.
أبو العيش الذي قضى الكثير من أيامه في العمل داخل مستشفيات إسرائيلية طبيب نساء ومختصا كبيرا في طب الجنين كان يتوقف عن سرد مأساته وهو يولول متسائلا “كان أهالي غزة كافتهم يغبطونني على دماثة خلق بناتي وتفوقهن بالمدارس، أليس حراما أن يذبحن بدون ذنب والله إسرائيل لم تقتل بناتي فحسب بل قتلت كل ما هو جميل في هذه الدنيا”.
كما استذكر الوالد الثاكل الذي جفت الدموع في مآقيه أحلام بناته التي قطعتها نيران العدوان فيقول إن بيسان كانت تشارف على إنهاء دراستها الجامعية في التجارة وإدارة الأعمال، فيما حلمت آية بأن تصبح صحافية أما ميار فطالما حلمت بامتهان الطب ويضيف “أما شذا المصابة في عينها فعادت في أحد أيام العام الماضي باكية ولما سألتها عرضت علي شهادتها الفصلية وهي بمعدل 98 فهي تتطلع لتحصيل مائة بالمائة لتكون الأولى في التوجيهي بكل فلسطين”.
ونوه أبو العيش إلى أنه طيلة أيام الحرب كان يحرص على تفادي نوم أسرته في غرفة واحدة ويضيف “كنا نفترش الأرض خوفا من القذائف فأضع كل بنتين خلف جدار واحد لكن القذيفة سفحت طفولتهن نهارا جهارا.. صبرك يا رب يا رب”. أبو العيش الذي يوزع وقته في عمله كطبيب مختص وبين عمله البحثي الأكاديمي ينتمي لعائلة هجّرت عام 48 من قرية هوج حيث تقام عليها مستوطنة “حفاة هشكميم” التابعة لرئيس حكومة الاحتلال الراحل أرئيل شارون وولديه وأيضا كيبوتس “دوروت”، وقد كانت هوج قرية واسعة مساحة أراضيها 24 ألف دونم.
ونوه أبو العيش الذي يرى بنفسه “رسول سلام” ومتشبثا بإنسانيته إلى أن أرئيل شارون لم يكتف بسلب أرض الآباء والأجداد فأمر بالسبعينات العائلة بإخلاء بيتها المكون من غرفتين في جباليا حينما كان قائد لواء الجنوب في جيش الاحتلال بحجة شق شارع ويضيف “طلبت أمي منحها الفرصة لقطف قطوف العنب من الدالية قبل اقتلاعها فهي بالنسبة لها رأسمالها فيما قمنا وأبي باستصلاح بعض حجارة الطوب لنبني فيها غرفة تأوينا ولك أن تتخيل أسرة مباركة الأولاد بدون بيت”.
ويستذكر حياة البؤس والفقر التي عاشتها عائلته المكونة من 11 نفرا ويقول “انتهت طفولتي مبكرا لاضطراري الخروج للعمل في إسرائيل أيام العطل بظروف قاسية جدا. كالآلاف من الفلسطينيين شكلت النكبة وتبعاتها الموجعة تحديا لمواجهة الفقر واللجوء والعوز للنهوض بواسطة العلم أولا وعن ذلك يقول وقد انفرجت أسارير وجهه للحظات “كالكثيرين عشت مع أهالي المخيم الغلابى والفقراء وحلم التعلم يراودني فأنهيت المدرسة متفوقا وأنهيت الطب في جامعة القاهرة بمصر، ولما حال الاحتلال دون عودتي سافرت للسعودية عام 1985 وما لبثت أن استكملت في بلجيكا وبريطانيا قبل عودتي لغزة من جديد لأكون بجانب والدي وأخوتي وأهلي”.
وبعد سنوات قليلة سافر مجددا للولايات المتحدة للاستكمال في إدارة الطب بهدف العودة لبناء نظام صحة متطور في غزة ويتابع وقد اعتلت شارات هيجان عاطفي ملامح وجهه “خلال حفل التخرج من جامعة هارفارد كنت أتمنى أن يعود أبي وأمي من القبر لدقيقة واحدة فقط ليفوزان برؤية ابنهما الطبيب اللاجئ من جباليا الذي خرق حدود اليأس وهو يتسلم الشهادة ومن خلفه العلم الفلسطيني في أرقى جامعات العالم فأبي هو من زرع بي الحلم والإيمان وشطب كلمة مستحيل من القاموس وهذه هي قصة فلسطين برمتها… فابن المخيم اللاجئ الذي لم يذق طعم الطفولة بوسعه التحليق ورفع اسم شعبه لسابع سماء إذا أراد”.
ويؤكد أبو العيش أنه يحب بناته أكثر من ولديه محمد وعبد الله ويقول “بناتي أجمل ما في الوجود ورغم هول المأساة التي عصفت به وبوسعها زعزعة جبل الطور لم يفقد الطبيب الفلسطيني من جباليا توازنه ويصر على مواصلة رسالته الإنسانية فيقول “أشعر أكثر بالمسؤولية لإيصال رسالة شعبي بأننا طلاب حق وسلام.. كرست حياتي للسلام ولتعايش الشعبين فأصابتني هذه القذيفة في سويداء القلب والأصعب هي فريتهم وكأن نيرانا استهدفت جنودهم من جهة منزلي. وحلمي اليوم أن تتاح الفرصة للعودة إلى غزة وأعيش ما تبقى لي من عمر وأموت وأدفن فيها”.
يشار إلى أن محكمة بئر السبع الإسرائيلية رفضت قبل نحو العامين دعوى تعويض قدمها بادعاء أن “الحادثة” حصلت خلال أعمال حربية وأن منظمات “إرهابية” خبأت سلاحا داخل منزل أبو العيش دون علمه مما زاد من قوة الانفجار”. وردا على سؤال عما إذا كان يعتبر إنهاء بناته وأبنائه الناجين من المجزرة تعليمهم الجامعي إغلاق دائرة يقول أبو العيش إن الدائرة ستغلق يوم يعود الحق والعدل لبناته اللواتي قتلهن الجيش الإسرائيلي منوها أنه مع استصدار حكم قضائي يدين الجيش الإسرائيلي سيطير إلى غزة ويقف عند أضرحة بناته ويبلغهن بأنه حصل لهن على الحد الأدنى من حقهن.
وتابع “هذه أمانة في رقبتي فهن يرمزن بالنسبة لي لكل أبناء وبنات الفقراء والمقهورين ولذا هدفي أن تسجل أسماؤهم في الذاكرة بأحرف من نور ومحفورة في الصخر لا في الرمل. الاحتلال اختار الموت ونحن اخترنا الحياة وبكل ذلك أرجو أن أقابل ربي في اليوم الموعود”.