هناك بهجة جديدة علينا هنا في اللاذقية، يخرج الناس عن تحفظهم وتجهمهم المعتادين، نتبادل ابتسامات في الشارع.. وبالنسبة لي شخصيا، لم أعد أتمتم بسباب مكتوم، كلما ظهرت بوجهي صورة بشار الأسد، لقد زال السبب.
أقطع أحياء المدينة سيرا على الأقدام. سيارات التاكسي قليلة وأسعارها مرتفعة، والسرافيس نادرة جدا.. هذه الشوارع القذرة المليئة بالحفر صديقة، الأبنية المتنافرة المتراكبة ودودة ولها جمالها الخاص، الأشجار التي بترت أطرافها بحجة التقليم، تبدو أكثر وعدا بالاخضرار، ويخيل إليّ أن نسبة الأوكسجين ارتفعت في الهواء.
كلما رأيت مجموعة من مسلحي الهيئة، أبادرهم بالترحيب والسلام، ولا أنكر، أنني دائما أتوقع تجاهلا، أو ردا مقتضبا، فأنا في النهاية (حرمة سافرة)، لكن غالبا ما يكذبون مخاوفي، فهم لطفاء، ونسبة كبيرة منهم من أبناء اللاذقية، يحصل أن يتجنب أحدهم النظر إلى وجهي، لكن ما المشكلة!
قبل أيام قدم لي أحد المسلحين بسكوتة.. قلت له أخجلتني، واجبنا نحن أن نقدم لكم الحلوى، لكنه أصر، قائلا «اعتبريه حلوان النصر يا خالتي».

لهم فقط ابتسم حين ينادونني «يا خالتي»، ولا أقول في قلبي «خالة يخل عظامك». سألت مرة مجموعة منهم إن كانوا تلقوا تعليمات بخصوص حجاب أو ملابس النساء.. فنفوا ذلك بوضوح.
تحدثنا قليلا، وبمزاح مقصود سألتهم إن كانوا يقبلون انتخابي رئيسة لسوريا، أحدهم أجابني أنه طبعا يرفض، وأن علي الاكتفاء برئاسة منزلي، آخر قال لي يمكن أن تصبحي وزيرة.. أما الثالث فقال، نعم، أنا سأنتخبك.. أنا مع النساء.سؤال آخر كان يهمني سماع جوابه، «هل تلقيتم تعليمات بفصل النساء عن الرجال في التجمعات؟»، الذي رفض انتخابي أجابني «طبعا هذا أفضل منعا للتحرش».. كان هذا رأيا شخصيا كما فهمت، وليس تعليمات. ولسؤالي سبب..في الساحة التي تسمى ساحة العلبي في حي الصليبة، حيث قتل عشرات المتظاهرين عام 2011 في ما صار يعرف بـ»مجزرة العلبي»، وأثناء أحد الاحتفالات شبه اليومية بالتحرير في هذه الساحة بالذات، طلب المتحدث أن يقف الرجال والنساء في جانبين منفصلين، متعللا بتلقي شكاوى تحرش بالنساء، لكن الأجواء كانت أكثر أريحية، ولم يطلب هذا الأمر في الاحتفال الحاشد الذي أقيم يوم الجمعة الماضي في ساحة الشيخ ضاهر، حيث كان ينتصب تمثال حافظ الأسد قبل اقتلاعه وتكسيره فجر اليوم الأول لسقوط النظام. اليوم اشتريت كمية من حلوى محشوة بالتمر، لأوزعها على شباب الهيئة، خصوصا (صديقي) الذي قدم لي البسكوتة، وبالمناسبة، لم ألتهمها، وإنما احتفظ بها ذكرى غالية.
أمام فرن الكرامة، كانت صفوف المنتظرين طويلة، الرجال في جانب والنساء في آخر. الانضباط لافت، كل ينتظر دوره، أخبرني أحدهم أنه يعرف الشخص الذي يوزع الخبز، لكنه لم يقترب منه والتزم بدوره. قبل أسبوع كان يتصرف بشكل مختلف تماما، كما قال صديقه ضاحكا. وقت الانتظار قصير، كما أخبروني، وهناك سيارات توزع الخبز أحيانا في المدينة، وقد نالني منها نصيب. قبل يومين كنت عائدة إلى البيت، حين توقفت أمامي شاحنة وأطل السائق من نافذتها صائحا «تفضلي ربطة خبز، وهذه ربطة أخرى.. خذيها إنها من إدلب».
في حي الصليبة، قلب المدينة القديمة والمنطقة ذات الغالبية السنية، لم أجد سوى قلة من أعلام الاستقلال، ولا صور على الاطلاق. الازدحام والحيوية المعتادان، ثلاثة من مسلحي الهيئة فقط في كامل المنطقة، امرأة توزع حبات التمر على المارة. مجموعة من الشباب يخبرونني أنهم قرروا جمع القمامة المتراكمة في شارعهم، ووضعها في أكياس بانتظار المجيء المرتقب لسيارات جمع القمامة التابعة للبلدية.
من ساحة أوغاريت إلى حي العنابة وسوق الصفن وثم ساحة الشيخ ضاهر، الوضع عادي، ولم أشاهد أيا من شباب الهيئة، ومرة أخرى لا صور على الإطلاق. في شارع العنابة، رأيت لافتة تحمل العلم الأخضر وعليه ثلاث صور، توجست.. هل عدنا إلى تقديس الأفراد؟ لكن الصور كانت لشهداء الثورة، كما تبين حين اقتربت. في بداية مشواري التقيت راهبة من دير العائلة المقدسة الواقع في شارع بغداد، الذي استحوذ النظام على مدرسته وحولها إلى مقر حزبي. أخبرتني الراهبة أن شباب الهيئة الذين دخلوا المبنى بعد فرار عناصر الأمن، استغربوا وجودها في البداية، لكنهم كانوا مهذبين ولطفاء، اليوم عاد الدير بالكامل لأصحابه، وقد كتب باليد على بوابته الحديدية العتيقة «دير راهبات العائلة المقدسة». وهذا ما حصل ايضا مع مدرستي الأرض المقدسة وراهبات الكرمليت.
في حي الأمريكان ذي الأغلبية المسيحية، كنيسة البروتستانت زينتها في الداخل كالعادة، وأخبرتني مجموعة من شبابها أنهم أنهوا للتو تنظيف الشارع أمام كنيستهم. قطع شجرة عيد الميلاد الضخمة وضعت عند مدخل كنيسة الروم الأرثوذكس استعدادا لتركيبها وتزيينها، العديد من المتاجر والمقاهي في المدينة زينت واجهاتها.. الشجرة العملاقة أيضا تقف عند مدخل كنيسة اللاتين التي مررت بها قبل قليل، حسنا، من أين تأتي الإشاعات بمنع زينة الميلاد؟ في الشارع الرئيسي في حي الأمريكان، دخلت حانة صغيرة، سألتهم بكل سذاجة، هل لديكم مشروب؟
كان الجواب، ليس لدينا الآن. لم يضايقهم أحد أو يمنعهم من تقديم المشروبات الروحية، كما أكدوا لي، وسبب إخفائها هو ترقب الأسعار. صاحب سوبر ماركت معروف قال لي إنه أيضا آثر إخفاء المشروبات تحسبا لتغيرات الأسعار، وتجنبا للمشاكل بعد تعرض متاجر لبيع الكحول لتدخل مقاتلين من فصيل متشدد. اللافت أنه تلقى مكالمة من سيدة رفضت الافصاح عن اسمها، نصحته – حرصا على مصلحته- بإخفاء المشروبات الروحية! على سور المتحف الوطني تراكمت كميات من القمامة، من الواضح أن جهود بعض الجمعيات وفرق الكشافة ليست كافية. تردد بعض شباب الهيئة في قبول الحلوى، فقلت لهم إنه مجرد شكر صغير، وهي حلال! فضحكوا وأخذوها مني . غدا سأذهب إلى حي الزراعة والأوقاف حيث الأكثرية العلوية.. ويا محلاها الحرية.


كاتبة سورية