د. علي محمد فخرو
ليمعن القارئ النظر في المشاهد التالية: رئيس دولة عربية يعلن أنه أثناء زيارته لروسيا سيتباحث مع مسؤوليهم لشأن التعاون في حقل الطاقة النووية فيصدر في اليوم التالي تصريح للسفير الأمريكي بأن أمريكا تعارض تلك الخطوة.
في إقليم يحاول الإنفصال عن الوطن الأم يقوم إبن أحد المسؤولين لمدير شركة أجنبية بأنها إذا أرادت أن تمارس نشاطها في الإقليم واحتاجت لأياد عربية من نفس تلك الدولة فعليها أن تحصل لهم علي رخص عمل حتي يستطيعوا العمل في ذلك الإقليم من بلادهم. في دولة عربية تفخر بأنها أحد أهم معاقل الثقافة العربية الحديثة تعلن إمرأة أمريكية، مدعومة حتماً بمال ونفوذ أمريكيًّين، بأنها ستؤسّّّّّّّّّّس مشروعاً للكتابة باللهجات المحلية بدلا من اللغة العربية الفصحي، ويسمعها القاصي والداني ولايتم شيء لمنع هذا المشروع الشيطاني.
دعنا نستمر في عرض المزيد من المشاهد: بنك عربي يحول ألف دولار لفرد قاطن في غزة فتنبري له جهات دولية وتغرم ذلك البنك الذي تجرًّأ وكسر الحصار الاقتصادي علي أهل غزة وسلطة بلادهم. بلدان عربية وصلت نسبة القاطنين الأجانب فيها إلي أكثر من تسعين في المائة من سكانها، وأصبحت هويتها مهددة، وأصبح مستقبلها في مهب الريح، ولكنها تستمر في بناء المئات من ناطحات السحاب لتستوعب المزيد من الأجانب ولتجعل من تلك البلدان معسكرات عمل عولمية لا تأبه بدروس التاريخ ولا بأخطار إنسلاخ جديد لمناطق عربية جديدة من الوطن العربي الكبير ولا بأهوال الصراعات العرقية في المستقبل المنظور. في بلد عربي كبير كان الحد الأدني للأجور في الخمسينات يسمح للعائلة بأن تشتري الكيلو والنصف من اللحم في اليوم، أما الآن فان الحد الأدني من الأجور لايشتري الكيلو من اللحم إلا مرة كل شهر. ينجح عساكر أحد البلدان العربية في تسليم السلطة إلي المدنيين بصورة سلمية وديموقراطية شهد لها العالم كله وأشاد بها، ويتقاطر بصورة رؤساء العديد من الدول لتهنئة رئيسها الجديد المنتخب، ولكن لا يذهب رئيس عربي واحد لمصافحة الرئيس الجديد وينشغل بعضهم بالذهاب إلي بلدان أجنبية لتوديع رؤسائها الذين انتهت ولايتهم.
يستطيع الإنسان أن يذكر أمثلة لاحصر لها ولا عد ويربطها بمشاهد السقوط المذهل المفجع في العراق وفلسطين والسودان والصومال ولبنان ومشاهد السقوط المذهل المفجع التي تتهدد كل مابقي من الوطن العربي في المستقبل غير البعيد، ولن يكون عند ذاك عاصم من تلك الكوارث. ذلك أنه إذا كانت الدولة العربية قد فقدت الإدارة وتعثرت أمام المحن فان الشعوب والمجتمعات قد فقدت الوعي الذي يحرٍّك الضمائر التي تقود إلي الفعل والانتفاض علي الشرٍّ.
قضية بناء الوعي العربي، في عقول وقلوب المسؤولين والمؤسسات والأفراد، من أجل المحافظة علي البقاء، من خلال معرفة الأخطار والأولويات وأهمية الهوية ومعاني التضامن والتوحد، هذه القضية أصبحت قضية القضايا. ذلك أن بناء مثل هكذا وعي يتطلب مدرسة وجامعة ووسائل إعلام ومنابر ثقافية لا تسيطر عليها قوي الاستبداد والجهل والأنانية والفساد. وهذا لا يمكن أن يتوفر في بلاد العرب في الوقت الحاضر. فما الطريق إذن؟ الطريق موجود في ثنايا التغيرات الكبري عبر تاريخ الإنسانية. فعندما تصل الأحوال إلي مراحل الأخطار الكبري وتملأ رائحة العفونة كل حيز تفرز المجتمعات نواة صلبة تأخذ علي عاتقها احتضان آلام وأحزان أمتها ومسح الدموع عن مآقيها، ثم تكتفي الأمة من حولها لتبدأ مرحلة الخلاص. بناء الوعي العربي الذي يستطيع مواجهة وتصحيح تلك المشاهد المأساوية المفجعة في حياة العرب لن يتم إلاُ إذا وجدت تلك النواة الصلبة، القادرة علي البذل والالتزام والتضحيات الجسام. بناء الوعي العربي أو استعادته أو تطويره يمر من تلك الساحة أولاً.