مشاهد متناقضة على ضفتَي الحرب بدلالات سياسية: روس يهربون من التعبئة وأوكرانيون يعودون للقتال وغناء يكسر رهبة صواريخ بوتين

رلى موفّق
حجم الخط
1

يقصف الجيش الروسي المدن الأوكرانية، ومن ضمنها كييف، بصواريخ استراتيجية عالية الدقة تستهدف البنى التحتية الحيوية، فتدوّي صفارات الإنذار ويهرع الناس إلى محطات المترو للاحتماء. ولكن بدل أن تسيطرَ ملامح الرعب على الوجوه، تصدح الحناجر لتنشدَ الأغاني الوطنية في تعبير مهيب عن تلك الروح الوطنية التي يتحلّى بها الشعب الأوكراني، الذي استفاق في الرابع والعشرين من شباط/فبراير الماضي على غزو روسي لبلاده سماه «سيد الكرملين» بـ«العملية العسكرية الخاصة».
كانت توقعات الخبراء العسكريين أن تُحقق العملية أهدافها في غضون أسبوعين إلى ثلاثة تصل فيها القوات الروسية إلى العاصمة، فتُطيح بالحكم الحليف للغرب والمجسِّد للنازية الجديدة الذي نفَّـذ انقلاباً ضد الدستور عام 2014 بدعم «الغرب الجماعي» بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وتنصيب حكمٍ صديقٍ لها. ربما ساهم هذا «الغرب الجماعي» وفق وصف «سيد الكرملين» فلاديمير بوتين في نصب فخ له، خصوصاً حين سُـرِّبت تقديرات للاستخبارات الأمريكية بأن يتمّ اجتياح كييف في غضون يوم إلى أربعة أيام من بدء الغزو الروسي.
ما حصل أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لم يهرب، ولم يترك الميدان هو وحكومته وقادة قواته المسلحة وجيشه الذي ما عاد يشبه جيش الحقبة السوفياتية التي يحنُّ بوتين إلى إعادة أمجادها، بل بات أقرب، في عقيدته وتدريبه وسلاحه، إلى الجيوش الغربية رغم الفرق الشاسع بين إمكانات وقدرات وعديد الجيش الروسي والجيش الأوكراني. وبعد سبعة أشهر من الغزو، خرج بوتين ليعلن في الحادي والعشرين من أيلول/سبتمبر التعبئة العسكرية الجزئية والقرار باستدعاء 300 ألف من قوات الاحتياط.
صحيح أن الروس خاضوا معارك طاحنة في الشرق الأوكراني بحيث وسّعوا رقعة سيطرة الانفصاليين الموالين لهم في منطقتي لوغانسك ودونتيسك في إقليم دونباس، واحتلوا أجزاءً من منطقة زاباروجيا متّجهين جنوباً نحو منطقة خيرسون طامحين، إذا ما أكملوا السيطرة عليها، باستحداث شريط يربط ما بين المناطق الأربع التي أعلنت موسكو ضمّها إلى الاتحاد الروسي وصولاً إلى القرم. لكن الصحيح أيضاً أنهم رغم ما تكبّدوه من خسائر كبيرة لم يُحكموا السيطرة الفعلية على تلك المناطق، ونجحت القوات الأوكرانية في استعادة جزءٍ منها.
يروي أحد المحللين الذي عاش ردهاً من الزمن في روسيا أيام الاتحاد السوفياتي، وعلى صلة وثيقة بدوائر القرار الروسي، أن استعادة القوات الأوكرانية لمنطقة خاركيف أحدثت إحباطاً في صفوف الجيش الروسي، الذي كشفت الحرب على أوكرانيا ضعف أدائه، وأظهرت الخسائر الكبيرة البشرية والعسكرية التي مُني بها بأنه لم يكن جاهزاً لدخول الحرب كما ظنت قيادة الأركان الروسية التي عمد بوتين إلى إحداث تغييرات فيها، وقام بإزاحة المئات من كبار الضباط، بعد روايات عن استفحال الفساد في الهياكل الرئيسية ضمن المنظومة العسكرية.
وما زاد من حراجة المشهد في روسيا قرار التعبئة الجزئية، الذي كشف حجم الرفض الشعبي للالتحاق بالحرب. ففي الوقت الذي يعود فيه الشباب الأوكراني من الخارج إلى بلاده من أجل القتال دفاعاً عن أرضهم، يهرب الشباب الروس من بلادهم كي لا يلتحقوا بالخدمة العسكرية. مشهدان متناقضان حيال صلابة القضية والروح الوطنية والحوافز المعنوية على كل من الضفتين الأوكرانية والروسية.
على الضفة الأوكرانية، تكثر الروايات عن الروح المعنوية العالية، وعن التضامن الشعبي والالتفاف حول القيادة السياسية والتقدير للقيادة العسكرية. وهي روايات لا تأتي في سياق الدعاية الإعلامية بل يعكسها المواطنون الذين يدفعون ثمن الحرب من أرزاقهم وأملاكهم ويوميات حياتهم. كُثر منهم تركوا أعمالهم والتحقوا بجبهات القتال كمتطوعين، وباتوا اليوم يُشكّلون ما نسبته 30 في المئة من القوات المقاتلة، فيما آخرون ينتظرون بلا تردد أن يتم استدعاؤهم إلى ميدان القتال لتحرير الأراضي المحتلة والدفاع عن سيادة بلادهم.
لم يتسلّل اليأس إلى نفوس الأوكرانيين. لا بل تكبر الرهانات على مزيد من الدعم العسكري الغربي الذي تتلقاه بلادهم. يُعبّرون عن الثقة بأن الغرب على يقين بأن خسارة أوكرانيا ستفتح شهية بوتين على التمدّد والتوسّع، وستكون أوروبا تحت رحمته وعرضة لابتزازه الدائم. يتحضرون لحرب ستشتدُّ ضراوة وبشاعة. الهجمات الروسية في العاشر والحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر الحالي على البنى التحية مستهدفة الطاقة بشكل مباشر، كرد على تفجير جسر كيرتش الذي يربط شبه جزيرة القرم بروسيا، تؤشّر على أن الكرملين لا يتوانى عن اعتماد استراتيجية التدمير الكلي للبنية التحتية التي ستترك تداعياتها على الكهرباء والماء وحركة القطارات والمواصلات والمستشفيات وكل مناحي الحياة الأوكرانية. وهي استراتيجية سبق أن استخدمتها موسكو ضد المناطق التي كانت تُسيطر عليها المعارضة السورية بلا رادع دولي، بحيث أن المدن السورية – وفي مقدمها حلب – تُشكل مثالاً حياً على وحشية النظام الروسي الذي تغاضى عنه الغرب حينها، ليجد اليوم نفسه أمام مفاعيل حرب نووية بسلاح تقليدي فتّاك ومدمر قد تشهدها أوكرانيا في أي لحظة دون الحاجة على اللجوء للسلاح النووي الحقيقي الذي يلوح به. يأتي الردُّ الغربي ببدء تزويد كييف بأنظمة دفاع جوي متطورة مع التصعيد الروسي في تكتيكات الحرب، وهو تصعيد، وإنْ استظل تفجير جسر القرم كسبب، فهو في حقيقة الأمر، ردٌ على الهجوم المضاد الذي شنّته القوات الأوكرانية خلال الأسابيع الماضية وأدى إلى تقهقر القوات الروسية وخسارتها مساحات واسعة من الأراضي التي احتلتها، في ضربة مُوجعة لهيبة بوتين وجيشه وترسانته العسكرية. والآتي لا يزال في علم الغيب، صعب التكهن مع بوتين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية