مشاهد مجنونة في المصعد

حجم الخط
0

مشاهد مجنونة في المصعد

عناية جابرتجري في المصعد اشياء هستيرية. في المصعد تبدو الاشياء صعبة فعلا. نغمغم بتحية ما؟ مرحبا مثلا؟ مساء الخير؟ صباح الخير؟ نظرة متلصصة الي المرآة؟ صمت؟ ادارة الظهر؟ الابتسام؟ الارتباك؟ الحنق احيانا؟ ماذا؟بين الطابق الاول والطابق السابع يتسع الوقت لاكثر من التحية. ففي الطريق من الارض الي فوق، او من فوق الي الارض، هناك هذا المكان المعلق الذي لا اسم له، وتلزمه افعال لا اسم لها، مع ذلك يجب ان تحدث وان سريعة، ومختلسة. دخلت الي المصعد ووجدت رجلا. لا اعرف اي مكان هذا الذي يجمعنا متقاربين هكذا. من قال ان اجسادنا يجب ان تنحشر الي هذا الحد، حتي نصل الي اي مكان؟ رائحة دراكار نوار عابقة ونفاذة. الهدف الوحيد للرجل ولي هو الوصول كل الي بيته. فكرة البيت تغدو في المصعد يقينا، في حين ان الشك المحض هو هذه الرحلة اليه. تغدو رحابة البيت حية فجأة بشكل هائل وطاغ. وهذا شيء غريب حقا، حين تمعن التفكير فيه ولا يتناسب مع البرهة الزمنية عموما، للصعود والهبوط. المصعد الان يعرج متهاديا الي الاعلي بشكوكي التي لا يعترضها شيء. المصعد هو المكان الأبله الوحيد الذي عرفته في حياتي. انا ايضا بلهاء في المصعد. الآخرون اكثر بلاهة. من المؤسف ان رحلاتي فيه لا تستغرق وقتا كافيا لتتخذ الامور لنفسها شكلا. دائما هناك تلك الهمهمات، والعلاقات التي لا تحدث، والروائح البائتة، ونتف الاحاديث التي لا تنتظر ردا.انا والرجل في جوف صدفة، من دون حنان، نظيفان من العواطف، واحيانا يمنحنا هذا طاقة علي اللؤم الشخصي الذي لا اعرف ان اصفه، لكن هذه طريقتي في التعبير. طيب، هو ينظر اليّ مباشرة. لا يشكل هذا أية اهمية بالنسبة لي. الشيء الوحيد الذي لا اتسامح فيه هو رائحة لحمه، قوية وفوّاحة.افتح حقيبتي ـ الخدعة الصغيرة التي تلجأ اليها الكثيرات في المصاعد علي كل حال ـ واروح اقلب اغراضي في الحاح العثور علي غرض بعينه. أبقي رأسي غاطسا في قعر حقيبتي. بكل العناد اللازم ابعثر ما تطاله يدي بحثا عن المفتاح ـ المفتاح الذي يكون في يدي فعلا.انا قادرة علي تدمير اكثر الاوقات طولا، لكي اتجنب تبادل كلمة واحدة مع رجل لا يجمعني به سوي المصعد . خيّ.. وصلت. حين يتوقف المصعد في الطابق السابع، او في الطابق الارضي بحسب وُجهتي، اعود بسرعة الي صوابي، واخطو خارجة الي النور والقوة، والي خصوصية جسدي. بقدمين مزروعتين بثبات علي ارضية المصعد، راح يوقع لحنا مصاحبا لصفير خافت يُطلقه من شفتيه المضمومتين ويرميه في وجهي. غدا كله صوتا. الصفير المرسل ساخنا في اذني، وتوقيع قدميه يقبضان عليّ من خصري. ولما غدوت عصابية بشكل غير طبيعي، لم يهمني أبدا ان اطلقت ضحكة فارغة في وجهه. هذا قريب من الجنون الي حد. جنوني وجنونه. اوف .. يلزمنا ثلاثة طوابق بعد لكي ننضب في بيوتنا. في الصيف تفوح في المصعد رائحة غرفة خلفية، وقبو عتيق، وكهف باريسي لتخزين النبيذ، وسجائر ميتة، وثياب داخلية صمدت في الحر حتي المساء، وحرارة جافة تخلفها الاجساد الدبقة. كما واسمع في المصعد في الصيف ـ بشكل شخصي ـ طبعا ـ صوت حريق بعيد، وموسيقي الانغام الذاوية لفيبر، وبرليوز، وليست. في الشتاء ـ ودائما في المصعد ـ احتمل اي امر واي شيء. وفي الشتاء اغفر للمصعد ضيقه، وناسه، ولحظات ضعفه، وحيرته، ولؤمه، ووحشيته، وقلة فهمه.اغفر للرجل ـ في الشتاء فحسب ـ شفتيه الضخمتين كخياشيم سمكة القرش.في الشتاء، الرضي الذي ينهش كآبتي. الرضي الذي يطفو ويفيض، ويملأ البناية. ذات يوم، فتحت باب المصعد وسألته: لماذا تجعلني اشعر انني علي غير ما يرام؟ ان شيئا خاطئا في عقلي؟ما قلته أثر في الرجل تأثيرا عظيما. لكن الوقت كان ليلا، والليل دائما اقل قسوة من النهار. اجمل شيء حصل من اسئلتي، كان الاحساس الممتع بأنني من الآن وصاعدا، سيدة هذا المصعد. لقد وجدت ان ثمة شيئا غير عادي يكمن خلف طاقة الشخص الذي يقول الحقيقة.افكر الان بالرجل الذي ولّي هاربا لتوه. لقد خرج هلعا، ملقيا بنفسه في احد الطوابق، مع انه في امس الحاجة ـ مثلي تماما ـ للوصول الي بيته.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية