أيمن خالد أجد نفسي مضطراً لتذكير مشايخنا الأفاضل، بمسألة فقهية مهمة لا لبس فيها، وهي أن الله أجاز للمرء أن يأكل لحم الميتة، على إطلاق هذا المسمى، وذلك حفاظاً على حياته إذا وقع ما يحول بينه وبين الحياة، بمعنى أن حياة الإنسان مقدمة على الالتزام بدستور وقوانين الخالق في الحلال والحرام، فالقاعدة البشرية الأولى في الإسلام، التي تخص حقوق الإنسان أتت من الآية الكريمة (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) وهذه الآية قدمت أمرين مهمين غاية في الأهمية، الأول يتعلق بكرامة الإنسان عند الله، فهي لا تتعلق بجنس أو دين أو عرق، ولكن الكرامة لعموم بني آدم جميعا، والمسألة الثانية أنها كفلت حق السفر والتجوال لعموم البشر.
فحق الكرامة أسقطه الزعماء العرب، وحق السفر قيدوه لأعداد كثيرة من شعوبهم، ولذلك لا بد أن يرى مشايخ السلاطين أن علاقة الخالق مع البشر رسم فيها أولاً حدود الكرامة، ومنحهم حق التجوال، وأجاز تعطيل قوانين الخال ق ودستوره في الأرض عندما تكون حياة البشر معرضة للخطر، لكنه لم يعطل كرامة الإنسان أبدا، فهذه الكرامة لا يراها علماء السلاطين منذ عقود طويلة، وهم يفتون بحرمة المظاهرات والخروج على السلطان وغيره، ولم نسمع منهم فتوى بحفظ كرامة الإنسان.
بالتأكيد إن مشكلة القائد في عالمنا الإسلامي هي مشكلة معقدة، تعود لجذور الملك العضود، التي تلت الخلافة الراشدة، وما تكون بعده من صناعات للفقه السلطاني، التي حاولت أن تناقش مسألة الحكم وتفاصيلها، ولم تتــــــفق الأمة، ولن تتفق على حل يرضي طبقة الحكام وطبقة المحكومين. فعالم السلطان ومن يقف إلى جواره فقهيا أو سياسيا، يرى أن غياب الحاكم يعني المفسدة، وان 60 سنة تحت حكم جائر أفضل من يوم بلا حاكم، وبالطبع هذا الفقه خطير جداً، لأنه صنف الحاكم ضمناً، بمثابة القائم على استمرار البشرية، واعتبر وجوده رغم ظلمه وجوره خيراً من غيابه، ولكن أين هذا؟ هذا في صميم المجتمع المسلم، وكأن الرسالة الإسلامية جاءت فقط لصناعة الدولة، وصناعة حاكم يقوم بأمور الدولة وقيادة الناس وغيره. ولعل أخطر ما في هذه الفتوى التي سارت عليها جموع العلماء هي أنها قامت بتعطيل النظام الأخلاقي الداخلي للأمة الإسلامية، الذي يقوم أساسا على ربط الإنسان بخالقه مباشرة، بلا واسطة، وأعادت ربط الناس بالسلطان، مثل أي نظام كان سائداً قبل الإسلام، ولم تر التــــفاصيل الباقية، مثل نظم القبيلة والعاقلة التي بالأصــل ظلت نموذجاً أخلاقيا عاليا، يضبط حقوق الأفراد الأخلاقية حتى في ظل وجود الحاكم. فالمجتمعات الإسلامية ليست تجمعا من الأفراد مفقود الأواصر، لأن منطق الحياة أن أي تجمع بشري، مهما وصلت الفوضى بداخله، فهو في نهاية المطاف ينتقل قسرا إلى نوع من التنظيم والنظام، فكيف بنا في مجتمع مسلم، جعل أول لبنة فيه هي القاعدة الأخلاقية، التي بالطبع تم استبدالها بقانون بقاء السلطان على ما كان من جوره. وهنا بالطبع يصبح المهم هو الحفاظ على الدولة، والملك، وتعود مسألة استعباد البشر الذين يفقدون كرامتهم أولاً، وتصبح علاقتهم بالواقع أكثر مرارة من عصر العبودية، ففي عصر الأقنان، كان هناك من يعمل مقابل أجر، وبكل أصناف العبيد، فهم كانوا يخضعون لاستعباد محدد في العمل الزراعي أو الرعوي لأسيادهم، ولم يكن مطلوبا منهم القتال وخوض الحرب، بمعنى أنهم استعبدوا في أجسادهم وكانوا أحراراً في أفكارهم، وبمقابل ذلك، وفي لعبة فقهية بسيطة، وهي ما نعيشه اليوم، أن الإنسان أول شيء يفقده هو حريته الفكرية، فلا يجوز له أن يفكر بغير ما يفكر به الحاكم، مع أن الخالق الذي أرسل هذا الدين، قبل على نفسه أن يكون هناك من يخالفه، في الآية الكريمة (لا إكراه في الدين) فالمواطن محجوب عنه الكلام والتفكير، ومحجوب عنه في أغلب الأحيان حرية العمل ويعاني أكثر من معاناة العبيد في مؤسسات الدولة التي لا تعطيه من حقه الجسدي من عمله ما يستحق.
ومع القدسية التي يفرضها القانون على الحاكم، تتجاوز علاقة الناس بالحاكم علاقة الاسترقاق، إلى نمط من الإلوهية الفريدة، التي يرميها السلطان على نفسه وعائلته، وبنفس الوقت، تجد أن الثقافة المدرسية والمجتمعية، كلها تتهم القبيلة أو العشيرة أو نمط المجتمع العشائري بالتخلف، وتدعو إلى مجتمع مدني تحت القانون، ولكنه مجتمع مدني مركب تهبط فيه عشيرة الأفراد وتتمزق، لصالح عشيرة الحاكم التي تزداد ارتباطا وتوثيقاً. فإذا رجعنا لقوانين القصاص، نجد أن الإسلام ألزم العاقلة بالدية، وهي إشارة صريحة، بأن الحفاظ على القبيلة، هو نمط يقوي استرداد حقوق الأفراد والإمساك على المفسد، فالعاقلة التي تخضع للعقاب من فردها المرتكب للجريمة، هي أصلا تضطر إلى الإمساك به قبل انتهاك حقوق الأفراد.
وأما في مجال المخابرات، فقبل أن أنهي أشير إلى مسألة جوهرية جدا، تعود للعصر النبوي، فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى كاتم سره حذيفة بن اليمان أسماء المنافقين، ومنعه من كشفهم للناس، وفي تفسير ذلك أن المنافقين الذين هم أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم، والذين هم أبطنوا العداء له، لم يسمح الإسلام بأن يعرفهم كبار الصحابة، فالإسلام حافظ على أسرار الذين يعادون منهج الإسلام من داخل الصف المعلن إسلاميا في الدولة، ولم يسمح بالتجسس عليهم ومعاقبتهم على معتقداتهم، بل لم يعمل على التشهير بهم، ونحن اليوم بعد 1400سنة، لا نعرف أسماء المنافقين الذين كانوا زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا هو نظام المخابرات النبوي، الذي يحفظ سر المعادي للفكر والمنهج، ولا يتجسس عليه، ولا يحاربه ما لم يعلن الحرب.
علماء السلاطين الذين يقبلون بقوانين الطوارئ، والمخابرات، مطلوب علينا أن نحجر عليهم، او على الأقل عدم الاستماع لهم، وأنا أرى أن الذي يفتي في السياسة، ليس بالضرورة أن يكون هو من يفتي في أمور العبادات، فخالد بن الوليد الذي قاد الجيوش الإسلامية، وانتصر في أكثر من 40 معركة، وفاوض وهزم عدوه، ولكنه لم يكن يحفظ من القرآن إلا ما تصح به الصلاة فقط، فعلى علماء السلاطين الذين يتصدرون للفتوى، أن يشغلوا أنفسهم في شأن العبادات، ويتركوا الأمة تتحدث مع سلاطينها.
في الختام، هناك من يهاجم ثوار ليبيا ويصنع منهم كفرة، وذلك لأنهم استعانوا بالقوة الأجنبية لإنقاذهم من الموت، وبرأيي ان هذا يذكرنا بجواز أكل الميتة في الإسلام، في سبيل الحياة، لكننا نعاني من عدو ذكي يدير اللعبة جيداً، ومشايخ سلاطين، وحكام معاقين يحولون دون تحقيق كرامة الإنسان، التي هي مطلب خالقه.’ كاتب من فلسطين