مشروع الروائي أحمد أبو سليم نموذجاً: الأسئلة الوجودية في الرواية

إياد شماسنة
حجم الخط
0

يُعدُّ الأديب أحمد أبو سليم، الفلسطيني الأصل والأردني الجنسية، من الكتاب الذين أسسوا رواياتهم على تساؤلات وجودية تلامس قضايا الإنسان في عصره الحديث، حيث تناول قضايا الحياة والموت، والحرية والهوية والوجود والمصير. في مجمل أعماله؛ حاول استنطاق الواقع من خلال أسئلة وشكوك عميقة تتجاوز الحدود المحلية، فكان ينقض الواقع ويعيد تصور الأمور، ويتطرق إلى القضايا الإنسانية العالمية. وعلى الرغم من أن بعض رواياته مثل «كوانتوم» و«الحاسة صفر» و«يس» و«أزواد» تنتمي إلى بيئة فلسطينية، إلا أن اهتمامه ركّز على معالجة التحديات التي يواجهها الإنسان في عالم مليء بالصراع والتعقيدات. أنجز الكاتب في مشروعه روايات أخرى: «ذئاب منويَّة»، «بروميثانا»، و«باباس»، بالإضافة إلى خمس مجموعات شعريَّة.
تتجسد الوجودية في روايات أبو سليم على مستويين رئيسيين: الأول يعكس محاولات الشخصيات اكتشاف هويتها في بيئة شديدة التعقيد والصراع، بينما الثاني يتعلق بالوعي الذاتي الذي يواجه اختباراً صعباً من خلال التفاعل مع مفاهيم الموت والحياة والوجود. في «الحاسة صفر»، يواجه الراوي والشخصيات اختباراً للوعي الذاتي في عالم مليء بالفوضى والحروب. بينما في «كوانتوم»، يتم ربط الفيزياء بالفلسفة لعرض القوى الخفية التي تتحكم في الحياة، مثل المصالح والسلطة والخوف، مما يقيد حرية الحياة ويخلق واقعاً مليئاً بالاحتمالات التي قد تكون أكثر إنسانية أو صدقاً.
مشروعه الروائي، الذي امتدّ منذ أولى أعماله «الحاسة صفر» (2012) إلى «باباس» (2024) يقتصر على السرد التقليدي، بل يسعى إلى تفكيك الواقع وإعادة تشكيله عبر عدسة نقدية جريئة. أبو سليم لا يكتب ليُريح قارئه، بل ليهزه ويؤرقه، مؤكداً أن الأدب الحقيقي هو الذي يُشعل أسئلة لا تنطفئ.
«الحاسة صفر»، إشكاليات الوعي الذاتي: تستعرض هذه الرواية صراع الشخصية الرئيسية في ظل الحروب والفوضى والصراع الوجودي، تتساءل عن الثورة والواقع والهوية. تكشف الرواية عن التناقضات في «التنظيم» الذي انفصل عن أهدافه الأساسية، وصولاً إلى حالة من «التكلّس»، ما أسهم في هزيمته. يرفض سعيد الدوري، الشخصية الرئيسية، الصمت ويواجه عواقب قاسية بسبب تساؤلاته الجريئة حول المقاومة.
«ذئاب منويَّة»: صراع الإنسان مع الطبيعة والوجود: الرواية الصادرة عام 2016؛ تقدم صورة عن صراع الإنسان مع البيئة من حوله. وتعرض علاقة الإنسان بالطبيعة كمجموعة من التوترات الوجودية التي تؤثر على حياته وهويته، مما يفتح المجال للتأمل الفلسفي حول معنى الحياة والموت.
«كوانتوم»، التحولات الوجودية في عالم معاصر: صدرت هذه الرواية عام 2018، وتستعرض التوترات بين الحياة والتاريخ والمكان والزمان عبر منظور فلسفي. تدور أحداث الرواية في القدس بين ستينات القرن الماضي ونهاية التسعينات، متتبعةً التغيرات التي شهدتها المدينة تحت وطأة الاحتلال. تُعيد الرواية طرح الأسئلة الوجودية حول الزمان والمكان والحياة، مستندةً إلى فكرة الاحتمالات المتعددة التي تهدم البديهيات العقلية التقليدية، مستلهمةً مقولة ماكس بلانك: «لا بد من تقديم تفسير نظري مهما بلغت التكلفة».
«بروميثانا»، الهوية والصراع: صدرت عام 2020، وتعد من الأعمال الأدبية المعقدة التي تتناول قضايا الوجود والهوية والصراع الداخلي. تركز الرواية على شخصية دحدل، الذي يكتشف أنه بطل لرواية كُتبت من دون علمه، مما يرمز لصراع الإنسان مع غموض مصيره. تتنقل الأحداث بين أماكن وأزمنة متقلبة، مع تسليط الضوء على تأثير التحولات الكبرى مثل الأزمات السياسية وانهيار الاتحاد السوفييتي. رغم استحضارها لرمزية بروميثيوس، تتجاوز الرواية ذلك لتستعرض فوضى الحياة ومعناها العميق، مؤكدًة أن الغموض هو جزء أساسي من جوهر الوجود الإنساني.
«يس»، التشابك بين الواقع والفلسفة: صدرت عام 2021، وهي تعيد قراءة المجازر الفلسطينية بطرح فلسفي وجودي، مستعرضة مأساة دير ياسين كرمز لتاريخ القهر الفلسطيني، مع تسليط الضوء على العلاقة بين الضحية والجلاد. عبر شخصية ياسين، الطفل الناجي من المجزرة، تعكس الرواية وعياً مقلوباً يتحدى الإدراك التقليدي للهوية والواقع، متأثراً بالفلسفة الأفلاطونية. تسعى الرواية لطرح أسئلة وجودية عميقة، داعية للخروج من إطار مظلومية الضحية نحو وعي تحرري يواجه محاولات طمس السردية الفلسطينية.
«أزواد»، المأساة الوجودية في ظل الصراع الدموي: الرواية الصادرة عام 2023 تستمد جزءاً من أحداثها من عملية «قناص وادي الحرامية»، في فلسطين، التي نفذها الشهيد ثائر حماد ضد حاجز عسكري عام 2002، مع تسليط الضوء على أبعاد المقاومة في سياق الاحتلال. تتجاوز الرواية الجانب النضالي لتتأمل الماضي وتأويله، وتكشف زيف السرديات الاحتلالية التي سعت لتزييف التاريخ وفرض واقع جديد. تعيد أزواد للأدب الفلسطيني دوره الجوهري في مواجهة الدعاية الصهيونية، مؤكدة أن الرواية ليست مجرد وسيلة للتأريخ، بل أداة للمقاومة الثقافية وإعادة كتابة السرديات المغيَّبة.
«باباس»، استمرارية الأسئلة الوجودية وتعدد الاتجاهات: تفتح الرواية نافذةً واسعة على أسئلة الوجود الكبرى، متخذة من سؤالها الافتتاحي «ما الذي كنت ستفعله لو كنت تملك هذا العالم؟» نقطة انطلاق نحو أعماق التجربة الإنسانية. هذا السؤال الذي يبدو بسيطاً يتجاوز ظاهره، ليكشف عن صراع الإنسان مع مصيره، ومع قوى تتجاوز إرادته، قد تجرّده من ذاته ومن إحساسه بجوهر وجوده. ومن هذه البداية الفلسفية، تنطلق الأحداث في حبكة تتشابك فيها الأزمان والأماكن، وكأنها خريطة تستعيد الحاضر من خلال ذاكرةٍ تعمل على تفكيك الماضي.
تقدم الرواية رؤية وجودية معقدة للصراع الإنساني، حيث تتجسد التوترات بين الذات والطموح، والأحلام والواقع، والقيم الروحية التي تمنح الحياة معناها والمادية التي تلتهم الروح. الشخصيات في الرواية ليست مجرد أدوات لتحريك الحبكة، بل تمثل انعكاسات للجدليات الكبرى التي تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. باباس، الذي يعيش على حافة التناقضات الوجودية، يصبح رمزاً لإنسان يعاني من اغتراب داخلي في مواجهة عالمٍ يفتقر إلى المعنى. يحمل تأملات عميقة حول الحياة والموت، ويسعى للبحث عن القيم المفقودة في حياته المادية. من جهة أخرى، تمثل سلام الجانب الإنساني الحائر بين الإيمان واليأس، حيث يُشكل صراعها مع قوالب اجتماعية قاسية تهدد وجودها في مجتمع يختزل دور المرأة إلى قدرتها على الإنجاب، مما يجعلها رمزاً لمعاناة الإنسان في ظل ضغوط اجتماعية قاسية.
وسط هذا النسيج المعقد من الشخصيات، يبرز سرادق ككيانٍ روحي غامض، يحمل جاذبية أخلاقية تثير التساؤلات حول حدود الإيمان واستغلال السلطة الروحية. إنه شخصية رمزية تجمع بين القداسة والانحراف، حيث يتحول إلى مرآة تعكس التناقض بين البراءة والسلطة، بين الخلاص الروحي والاستغلال النفعي. علاقته بمريم، الطفلة التي جاءت إلى الحياة نتيجة طقوس غامضة، تضيف طبقةً جديدة إلى التوترات التي تحملها الرواية، حيث تتداخل البراءة مع خطايا الماضي، ويظهر تأثير القرارات الأخلاقية على حياة الأبرياء. مريم ليست مجرد طفلةٍ، بل رمزٌ للإنسانية التي تُسحق تحت وطأة الأخطاء الجماعية.
الموت في الرواية ليس النهاية بل عملية تحول وجودي، يفتح أبواباً لفهم استمرارية الحياة ومعانيها. من موت الأم إلى مواقف الشخصيات مع الفقد، يتجلى الموت كحالة فلسفية تجمع بين الحزن والأمل، بين الفناء والبقاء. هذا التوتر الوجودي يتعمق مع تناول الرواية للإيمان بوصفه عملية صراعية أكثر من كونه يقيناً، حيث تصبح الطقوس والمعجزات في كثير من الأحيان وسيلةً للهيمنة بدلاً من كونها خلاصاً روحياً.
المكان في الرواية شريك في بناء الرمزية. من جبل نيبو الذي يمثل رحلة البحث الروحي، إلى التجربة الموسيقية التي تتحول إلى مساحة تأملية تقاوم عبثية الواقع، يصبح المكان انعكاساً لصراعات الشخصيات الداخلية. الرموز الطبيعية تضفي ثقلاً على السرد؛ الشجرة الجرداء تحمل دلالات الفقد واليأس، لكنها تخفي في داخلها بذوراً للنهوض من جديد، بينما الغربان، المتكررة في النص، ترسم أجواءً سوداوية تذكر بالخسارة والفناء.
تعتمد البنية السردية للرواية على تشظي الزمن، حيث يتنقل النص بين الماضي والحاضر، مما يعكس هشاشة الحاضر في مواجهة ثقل الذكريات. ورغم أن هذه التقنية تضيف عمقاً نفسياً للشخصيات، إلا أنها أحياناً تجعل الحبكة تبدو أقل تماسكاً. الثيمات التي تتناولها الرواية ثرية ومتنوعة، إذ تتجاوز السرد العادي لتطرح قضايا جوهرية عن الإيمان، الروحانية، والمصير الإنساني. ومع ذلك، فإن التركيز الكبير على الرمزية أحياناً يجعل النص أقرب إلى التأمل الفلسفي منه إلى الرواية بمعناها التقليدي، مما قد يبعد القارئ الباحث عن سرد مباشر.
يقدم أحمد أبو سليم من خلال أعماله الأدبية مزيجاً متقناً من الفلسفة وهموم الواقع، حيث يستعرض بعمق القضايا الوجودية التي تتناول الحرية، والهوية، والمعنى في سياقات اجتماعية وثقافية معقدة. من خلال رواياته مثل «بروميثانا» و«أزوادّ و«يس»، ينغمس في التوترات النفسية والصراعات الداخلية للشخصيات التي تبحث عن الأمل وسط الخيبات في عالم مليء بالتحديات. كما يطرح أسئلة فلسفية عميقة حول الوجود والمصير في عالم يعج بالفوضى والتناقضات، ما يجعله بين أبرز الكتاب الذين يواجهون التحديات الوجودية الحديثة في الأدب العربي المعاصر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية