مشكلة حزب الله انه معاد لامريكا وليس انه متحالف مع ايران
لندن ـ “القدس العربي” ـ من خالد الشامي: وصل الوزراء العرب امس الي نيويورك من بيـــــروت حيث كانوا شنوا معركة اللحظـــــة الاخيرة لانقاذ ماء وجه النظام العربي الرسمي اكثر من انقاذ لبنان.
التوقعات تشير الي ان الولايات المتحدة قد تقبل باعطاء الوفد الوزاري العربي تغييرات شكلية ولفظية في مشروع القرار دون تعديل جوهره الذي يضع جنوب لبنان تحت انتداب اسرائيلي الي حين انشاء انتداب دولي ستوفره القوات المتعددة الجنسيات المفوضة من مجلس الأمن، لكن بقيادة مستقلة عن الامم المتحدة.
ويخشي المراقبون من ان مشروع القرار الذي قد يصبح قرارا بعد التصويت عليه اليوم او غدا، سيخلق في جنوب لبنان وضعا مشابها للحالة العراقية: احتلال يتمتع بغطاء من الشرعية الدولية والاخطر توتر طائفي يهدد باعادة بعث اجواء الحرب الاهلية. وهنا يكمن انتصار اسرائيل الحقيقي.
سؤال ليس له معني الآن: اين كان العرب طوال الاسبوعين الماضيين، عندما كان الفرنسيون والامريكيون يطبخون علي نار هادئة هذه الصيغة الجهنمية لمشروع القرار الذي يعبر عن تقاطع مصالحهم عند نقطة هزيمة حزب الله؟ وهذه تحقق للامريكيين ضمان انتصار اسرائيل نيابة عنها في معركة جديدة بـ الحرب ضد الارهاب، اما بالنسبة لفرنسا فاعادة الاعتبار للقوي اللبنانية المتحالفة معها، والأهم استعادة باريس مكانتها كـ راع سياسي للبنان الجديد.
وبالرغم من قرار ارسال الجيش اللبناني للجنوب فان السيطرة الحقيقية ستكون للقوات الدولية ومن خلفها المجتمع الدولي: التسمية المهذبة للنفوذ الامبريالي الجديد.
السعودية و المشروع الايرانيلقد كان العرب اذن مشغولين عن كل هذا بمحاربة المشروع الايراني بالنيابة عن الولايات المتحدة ايضا.
ليست مصادفة ان السعودية التي كانت رأس الحربة الامريكية في مواجهة الاتحاد السوفييتي بالمنطقة ابان الحرب الباردة، تتصدي اليوم لمجابهة المشروع الايراني المتمثل في المقاومة اللبنانية كما تزعم ابواق السعودية الاعلامية والسياسية.
وليست مستغربا ان تستنكر هذه الابواق الالتفاف الشعبي العربي حول السيد حسن نصر الله، وان تشبهه بالالتفاف حول جمال عبد الناصر بالرغم من انه كان مهزوما حسب قول احدهم.
بالفعل لقد هزم عبد الناصر ومعه العرب جميعا في حرب عام 1967، الا انه هزم وهو يدافع عن الحقوق العربية في وقت كانت السعودية تتزعم فيه محاربة مشروع القومية العربية الذي كان بالمصادفة مناقضا ايضا للمشـــــروع الامريكي الصهيوني. ولابد انها مصادفة سيئة حقا التي تضع السياسة السعودية دائما في مواجهة كل من يتحدي المشروع الامريكي بالمنطقة سواء كان فاشيا قوميا ملحدا مثل عبد الناصر او رافضيا ايرانيا مثل نصر الله.
ولكن هل تحتاج ايران اصلا لتفجير حرب في لبنان بواسطة حزب الله لتكريس مكانتها في المنطقة في الوقت الذي ترفض فيه سلة حوافز امريكية بينها الدور القيادي الاول في المنطقة؟ وهل يمكن لحزب الله ان يخوض حرب حياة او موت له كما هي لاسرائيل من اجل ايران التي هي قوية وتنفرد بقوة ردع يحسب لها الف حساب؟
المشكلة اذن ليست في ان حزب الله يمثل مشروعا ايرانيا او انه شيعي او ينتمي الي الروافض حسب تصنيف المتطرفين في المذهب الوهابي. ولكن مشكلته انه ينتمي الي الروافض للمشروع الامريكي، ما جعله يستحق عداء السعودية، بل وتحالفها غير المباشر مع اسرائيل ضده، في حال صدقت اتهامات اسرائيلية وعربية ايضا حول اتصال دولة خليجية باولمرت لتشجيعه.
وهكذا يمكن تفسير تطوع السعودية بأن تكون اول من كسر الصمت العربي بعد بدء العدوان، بأن اصدرت تصريحا رسميا يحمل حزب الله المسؤولية ويعطي اسرائيل الدعم والتشجيع (وليس الضوء الاخضر لانها لا تحتاجه اصلا) للمضي قدما في الاجهاز علي المقاومة ومشروعها الذي يعوق ميلاد الشرق الاوسط الجديد.
ولا ينفي هذا كله وجود مشروع ايراني سيحاول دون شك الاستفادة من الظروف الاقليمية لتحقيق اهدافه التي قد تتوافق او تتعارض مع المصالح العربية. وليس متوقعا من ايران ان تفعل غير هذا. وتقضي اللعبة السياسية بان يستفيد العرب من كل المشاريع الاقليمية، بما فيها الايراني، لتحقيق مصالحهم، او علي الاقل لرفع سقفهم داخل المشروع الامريكي المرهونين له، طالما ان هذا هو اقصي ما يستطيعونه حاليا.
وبالطبع يبقي الوضع المثالي بان يكون للعرب مشروعهم الخاص الوطني المستقل عن التأثيرات الاقليمية والدولية مرهونا بتحررهم اولا من الانظمة الي رهنت نفسها لمشروع واحد. وهكذا يبدو تصريح وزير الخارجية السعودي حول الخروج من دائرة التأثيرات الخارجية محقا بهذا الشأن من الناحية النظرية. وتبدو المفارقة واضحة الي حد الصدمة عندما يصدر هذا التصريح من السعودية دون غيرها، في الوقت الذي تصم الرياض اذانها عن المناشدات والمطالبات العربية باستخدام سلاح النفط لانقاذ لبنان، اقرارا منها بفقدان سيطرتها علي الثروة النفطية في اراضيها لصالح الولايات المتحدة التي لن تسمح ولو بالتلميح بتقليل الانتاج.
لبنان ما بعد القرارسيكون لبناناً جديدا ذلك الذي سينتجه القرار الدولي الجديد من حيث خريطته السياسية والاقليمية والعسكرية.
انه لبنان مدمر يحتاج لسنوات ومليارات عديدة بالاضافة الي كثير من الدعم السياسي، والأهم الوحدة الوطنية لتحقيق اعادة الاعمار.
انه لبنان محتل ايضا، اولا بقوات اسرائيلية ثم بقوات دولية سيكون للولايات المتحدة غالبا نفوذ كبير علي قيادتها، عن طريق الدعم اللوجستي الذي ستقدمه لها.
انه لبنان اكثر حاجة للمقاومة مما كان فيما قبل 12 تموز (يوليو)، ولكنه اقل قدرة علي الاحتفاظ بها حتي اذا اراد هو ذلك. لن يكون لبنان امريكيا او اسرائيليا هكذا تعهد السيد حسن نصر الله في خطابه الاخير. لكن مشروع القرار حسب نصه الاصلي لا يمكن الا ان ينتج هكذا لبنان.
انه لبنان علي موعد مع مزيد من المواجهات العسكرية والصراعات السياسية التي تعجز عن تحملها دول عتيدة وكبيرة. وكأن المطلوب منه ان ينهار امامها، كما انهار رئيس حكومته امام الوزراء العرب. وليته بدا اكثر تماسكا حفاظا علي تماسك لبنان وروحه المعنوية وجبهته الداخلية. وفي النهاية فان لبنان لا يحتاج لاستعطاف العرب لخوض معركتهم خاصة اذا كانت علي ارضه وبدمه وباطفاله وباقتصاده.
واذا كانت القوي اللبنانية المعارضة لحزب الله ستجد في القرار الجديد سلاحا لنزع سلاح حزب الله، الا ان لبنان قد لا يتحمل المزيد من تصارع الاسلحة داخليا، كما اقليميا. ولا يأمل كثيرون في ان تكترث الولايات المتحدة او اسرائيل لهكذا اعتبار. فالقضاء علي حزب الله مطلوب بأي ثمن، حتي اذا كان ذلك يعني القضاء علي لبنان كما نعرفه اليوم.
وحينئذ لن يكون لبنان وحده من سيدفع الثمن، بل المنطقة بأكملها، وفي المقدمة الذين سددوا الطعنة الاولي في ظهره عندما استدار لمواجهة العدوان.