فتحت حرب غزة الاخيرة ابوابا واسعة للنقاش حول اولويات الامة، بعد ان بدا ان المراهنين على هزيمة المقاومة خسروا الرهان. فلم يستسلم المدافعون عن غزة، ولم ينقسم الفلسطينيون على انفسهم، ولم يحقق العدوان الاسرائيلي ايا من اهدافه التي اعلنها عندما بدأ الحرب. فالصواريخ الفلسطينية بقيت تنطلق باتجاه كافة المدن الاسرائيلية حتى ما بعد وقف اطلاق النار، ولم تنجح «اسرائيل» في فرض شرطها الاساسي الداعي لنزع سلاح المقاومة. من هنا شعر الفريق الداعم للمجموعات الفلسطينية خصوصا حماس والجهاد الاسلامي بنشوة نصر آخر يضاف لانتصاري 2006 و 2009. وقد انعكست حرب غزة ونتائجها على الواقع السياسي الاقليمي بشكل خاص، فقد شعرت القوى التي كانت تخطط لتجاوز القضية الفلسطينية وسحب سلاح المقاومة والاعداد لصفقة «سلام» مع الكيان الاسرائيلي، انها خسرت على صعيدين اساسيين:
اولهما انها راهنت على الحصان الخاسر، المتمثل بالكيان الاسرائيلي الذي برر حربه بانها تهدف لنزع سلاح حماس وحركة الجهاد وحزب الله. وانتهت الحرب بدون ان يتحقق شيء من ذلك. ثانهيما: ان ثقلها السياسي تراجع كثيرا خصوصا امام شعوبها التي ما فتئت تسعى لاصلاح اوضاع بلادها السياسية وان ذلك الاصلاح لن يتحقق الا باحداث تغيييرات جذرية في ايديولوجية انظمتها السياسية وان استمرار الاحتلال الاسرائيلي عامل في ابقاء جذوة الثروة والوعي واليقظة في اوساط الشعوب العربية.
ماذا بعد حرب غزة؟ في ضوء الاضطراب السياسي والفكري في العالمين العربي والاسلامي يصطرع خطان واضحان في الساحتين: احدهما يركزعلى «تصفية الحسابات» مع المختلفين معه، أيا كان دينهم اوانتماؤهم السياسي،والآخر، وان ادى ذلك لتمزق الامة، والآخر يسعى لترويج «المقاومة» للاحتلال وينطلق على اساس ان وجود ذلك الاحتلال من اهم عناصرتخلف الامة واستمرار الاستبداد والهيمنة والصراعات الداخلية. وخلال حرب الخمسين يوما كان واضحا وجود هذين الخطين وتمايزهما. ففيما كانت طائرات العدو الاسرائيلي تدك غزة وتحيلها الى خراب، كانت المجموعات المتطرفة مثل داعش تواصل مشوار القتل والذبح في شمال العراق وسوريا، بل ان بعض قياداتها انتقد فتح الجبهة مع المحتلين. وللمرة الاولى منذ بضعة اعوام، توفرت للشعوب العربية والاسلامية فرصة لرؤية اكثر وضوحا، وشعرت ان بوصلتها تقترب من وضعها الطبيعي، كأمة تجتمع على التصدي للاعتداء والاحتلال، كما كانت طوال العقود السابقة، وان فلسطين هي الجامع الاكبر للتوجهات الفكرية والمشاعر الوجدانية، وان ما عداها عوامل للشتات والفرقة.
وتفاعلت شعوب العالم مع قضية غزة في مظاهرات عارمة غابت طوال فترة المحنة التي افتعلها دعاة الطائفية والمذهبية. اما الاستقطاب السياسي على صعيد الانظمة العربية فقد تواصل، واتضح للكثيرين وجود محورين:احدهما يتبنى ما يسميه «مشروع المقاومة» والآخر يتبنى خيار التصالح مع الاسرائيليين والاعتراف بهم وتوقيع اتفاقات سلام معهم. وبشكل اوضح فان دعاة المقاومة يصنفون على قوى التغيير التي تفاعلت ايجابا مع ثورات الربيع العربي وما تزال تسعى لاحداث تحول ديمقراطي في المنطقة بعد عقود من الاستبداد. اما دعاة التصالح مع الاحتلال فهم اعداء التغيير الديمقراطي، وباختصار فهم يتمثلون بـ «قوى الثورة المضادة» التي ساهمت في افشال الثورات العربية، واستخدمت سلاح الطائفية ضد قوى التغيير والمقاومة.
يمكن القول ان حرب غزة ونتائجها اضعفت كثيرا مشاريع التفتيت والصراعات البينية والاطروحات الطائفية والعرقية، وللمرة الاولى تهرع قوات الاحتلال وداعموها لاستجداء وقف اطلاق النار بعد ان ادركت ان استمرارها يضعف المشروع الآخر. وبموازاة ذلك روجت قوى المقاومة لغة خطابها، واصبحت تتحدى الوجود الاسرائيلي علنا. وفي الاسبوع الماضي عقدت ايران مؤتمرا متميزا لترويج مشروع المقاومة واعادة التأكيد على ضرورة تحرير فلسطين. فطهران تشعر انها شاركت في صنع النصر مع مجموعات المقاومة وانها ستستمر في توفير الدعم لمن يقاوم الاحتلال. وخلال المؤتمر الذي حضره علماء من اكثر من خمسين دولة كرر الايرانيون سياستهم المعلنة ليس بعدم الاعتراف بـ «اسرائيل» فحسب، بل بالاستمرار في العمل السياسي والدبلوماسي والاعلامي على طريق تحرير كامل التراب الفلسطيني. وهي بذلك تتناغم مع المجموعتين الاساسيتين اللتين استهدفتا بالعدوان الاسرائيلي الاخير، حماس والجهاد الاسلامي. واضافت طهران هذه المرة بعدا آخر لمشروع رفض الاحتلال بالدعوة لاقامة ما اسمته «اتحاد علماء المقاومة» لتوفير اطار جامع لعلماء الدين الذين يدعمون ذلك المشروع من مختلف بلاد المسلمين. فعلماء الدين لديهم نفوذ واسع في اوساط الشعوب سواء من خلال حضورهم الميداني في المساجد، أو مؤلفاتهم الدينية أو ادارتهم مؤسسات دينية واجتماعية أو اشرافهم على مدارس التعليم الديني وحوزاته.
يضاف الى ذلك ان انخراط العلماء في مشروع كهذا سيحول دون استدراجهم للمشاريع التي تمزق صفوف الامة وفق خطوط التمايز المذهبي او الديني. وكان ثمة حماس كبير من علماء الدين الذين حضروا مؤتمر طهران لتكوين الاتحاد، الامر الذي يشير الى تحويل مشروع التحرير الى ثقافة شعبية مدعومة بالموقف الديني. ويتوقع اصحاب المشروع ان يساهم الاتحاد في اعادة التوازن للخطاب الديني الذي وجه في السنوات الاخيرة لدعم الطائفية والمذهبية.
ليس معلوما بعد ما اذا كان مؤتمر طهران تظاهرة سياسية فحسب، ام تعبيرا عن تغير في الموقف الايراني لجهة تصعيد لغة الخطاب ضد الاحتلال الاسرائيلي. فقد كان اهتمام طهران بالمؤتمر كبيرا، إذ حضره رئيس البرلمان، الدكتور علي لاريجاني، ورئيس مجلس مصلحة النظام الشيخ هاشمي رفسنجاني، ومسؤولون آخرون. وبرغم ان افتتاحه تزامن مع اجراء عملية جراحية لمرشد الثورة، آية الله خامنئي، فقد كان الحماس لمشروع «اتحاد علماء المقاومة» اكثر مما توقعه المسؤولون الايرانيون انفسهم. ومن سياق السجال الذي طرح في المؤتمر يبدو ان ثمة قناعات ايرانية بعدد من الامور: أولها: ان «اسرائيل اليوم ليست كما كانت بالامس، وان مقولة «الجيش الذي لا يقهر» لم تعد دقيقة، ثانيها: ان خسارتها ثلاث حروب متتالية في غضون ثماني سنوات يعبر عن ضعف بنيوي لدى الكيان الاسرائيلي، وذلك يشجع على التصدي للاحتلال ونزع عقدة الخوف المهيمنة على الانظمة العربية منذ ما يقرب من سبعين عاما. ثالثها: ان ايران لا تريد ان تظل واقفة في مكانها بينما الاسرائيليون يعبثون بامنها وامن الدول الاقليمية الاخرى سواء بالتحريض ضدها ام بغرس مجموعات متطرفة تعمل باسم الدين ولكنها موجهة لغير صالح الامة وبعيدا عن قضاياها المحورية وفي مقدمتها الاحتلال» رابعا: ان تعبئة الشعوب الاسلامية تتطلب حضور علماء الدين في الساحة ومخاطبة الجماهير علنا لمنع انتشار الافكار الطائفية الهدامة واستبدالها بخطابات دينية معتدلة من جهة ولكنها اكثر مبدئية من جهة ثانية. خامسا: ادركت طهران ان حالة الاحباط التي اصابت الشعوب العربية بعد استهداف مشروع التغيير الذي تجسد في ثورات الربيع العربي، كانت من اهم عوامل انتشارالطائفية والمذهبية كالنار في الهشيم، وان الطريق العملي الوحيد لوقف حالة التداعي النفسي والسياسي، يتمثل باعادة توجيه الشعورالعام لدى المثقف العربي وعالم الدين، لصالح مشروع التغيير السياسي الذي لا ينفك عن مشروع تحرير فلسطين. سادسا: ان لدى الايرانيين قناعة بان «اسرائيل» بدأت مشوار السقوط النهائي للمشروع الصهيوني وان الامريكيين ادركوا عدم قدرة تل أبيب تقديم خدمات استراتيجية لواشنطن، وان الدفاع المتواصل عنها اصبح يثقل كاهل الامريكيين بدون ان يكون هناك عائد من هذه «العلاقة الاستراتيجية» بين واشنطن وتل أبيب.
ان من السابق لاوانه التنبؤ بمدى نجاح مشروع «اتحاد علماء المقاومة» ولكنه، من وجهة نظرالايرانيين، ضرورة للتأثير على الرأي العام في العالم الاسلامي واعادة صياغته وتوجيهه على مسار التحرير من الاحتلال والتحرر من الاستبداد، وستكشف الايام مدى واقعية المشروع وآفاق نجاحه في عالم يخضع لهيمنة امريكا وحلفائها.
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي