بغداد-“القدس العربي”: أثار تجديد الحديث عن فكرة مشروع لمد خطوط سكك حديدية بين الكويت والعراق، ردود أفعال لدى العراقيين ساد معظمها رفض المشروع الذي سيلحق بالعراق أضرارا اقتصادية كبيرة مقابل استفادة الكويت منه، في وقت اعتبره الكثير جزءا من مشروع كويتي أمريكي لخنق العراق.
ولم تكن دعوة رئيس الجمهورية برهم صالح، خلال زيارته الكويت مؤخرا، إلى “العمل على إنشاء خطوط نقل جديدة وسكك حديد توطد العلاقات الاقتصادية والثقافية بين البلدين” الأولى في طرح هذه الفكرة، بل سبق وأن أعربت الحكومة الكويتية منذ سنوات عن رغبتها الشديدة في إجراء ربط سككي مع العراق لنقل البضائع.
وتوالت هذه الأيام ردود الأفعال الرافضة لمقترح الكويت بإنشاء خط سكك حديدية تجاري بين العراق والكويت وخصوصا عقب زيارة صالح إلى الكويت ضمن جولته الإقليمية، حيث اتفق خبراء الاقتصاد والسياسيون وأبناء محافظة البصرة، على أن المشروع المقترح ستكون له تبعات اقتصادية سلبية منها إفشال ميناء الفاو، وحرمان العراق من إيرادات مالية كبيرة وفقدان عشرات الآلاف من فرص العمل.
فقد انتقد النائب عن البصرة مظفر الفضل، فكرة إنشاء سكك حديدية تربط العراق بالكويت، مؤكدا أن ذلك المشروع من شأنه ان “يقتل” ميناء الفاو الكبير وينهي جدواه الاقتصادية.
ورفض الفضل في تصريحات تابعتها “القدس العربي” ربط الكويت بالعراق، عبر مشروع سكة الحديد والذي سيصب بالمنفعة المباشرة لميناء مبارك والموانئ الكويتية الأخرى، وينهي الموانئ العراقية لاسيما ميناء الفاو الكبير، والذي من المقرر أن يربط موانئ العراق عبر خط سكة الحديد بأوروبا عبر تركيا، داعيا لتفعيل ميناء الفاو الكبير لما له من مردود اقتصادي كبير على العراق والبصرة على وجه الخصوص، لا سيما في تشغيل اليد العاملة واستحصال ايرادات مالية كبيرة، بدلاً من قتل المشروع عبر الربط السككي مع الكويت، حسب قوله.
وسبق أن دعا النائب جواد البزوني، الحكومة العراقية إلى “إفشال مشروع إنشاء ميناء مبارك الكويتي من خلال عدم الموافقة على إنشاء خط للسكك الحديدية يربط بين العراق والكويت”، مشيرا إلى أن “الكويت ترغب في الربط السككي مع العراق لإنجاح مشروعها الذي سيدمر الاقتصاد العراقي” مؤكدا أن “الإسراع بتنفيذ مشروع إنشاء ميناء الفاو الكبير سيقلل من التأثيرات السلبية لميناء مبارك الكويتي على العراق”.
وسبق أن شهدت محافظة البصرة في مناسبات مختلفة تظاهرات جماهيرية حاشدة طالبت بإلغاء اتفاقية خور عبد الله بين العراق والكويت، ورفض إقامة سكك حديدية بينهما لكونها تلحق أفدح الأضرار باقتصاد المحافظة خصوصا والعراق عموما.
وكان وزير النقل السابق عامر عبد الجبار، من أشد المعارضين للمشروع، حيث حذر في لقاءات صحافية من أضراره على اقتصاد العراق وعلاقته بإنشاء مينائي مبارك الكويتي والفاو العراقي.
وكشف أن “الجانب الكويتي (يستقتل) من أجل موافقة الجانب العراقي على مد خط سكك الحديد التجارية من خلال إرساله لوفود وهدايا لكثير من الساسة العراقيين من أصحاب القرار”، كاشفا أن “هذا المشروع تم طرحه عام 2007 من الجانب الكويتي بواسطة وفد أمريكي أوفدته للتفاوض مع الجانب العراقي حيث أبدينا تحفظنا على الموضوع”.
وأكد وزير النقل السابق أن ميناء مبارك الكويتي قد أقيم بأجندة أمريكية كويتية، وان هناك شخصيات في الحكومة تسعى إلى مصالح دول الجوار أكثر من تفكيرهم بالضرر على العراق، مبينا أن “المخاوف الاقتصادية مرتبطة بإكمال مشروع الفاو الكبير، فإذا سعت الحكومة لإنشائه فلا توجد مخاوف من مد خط سكك حديدية تجارية مع الكويت، وعكس ذلك فإن العراق سيكون ممرا اقتصاديا لتعظيم الموارد الاقتصادية لميناء المبارك”. وشدد على ان “هذه فرصة من أجل أن يكون العراق مفاوضا قويا مع الكويت من أجل نيل مكاسب وطنية تعود فائدتها للعراق لا ان يترك الأمر بدون مقابل”.
وتحفل وسائل الإعلام ومراكز البحوث العراقية، بالعشرات من البحوث والدراسات والتقارير عن استراتيجية تنفذها الكويت منذ حرب الخليج عام 1991 تسعى لإحكام الطوق لخنق اقتصاد العراق وتحجيم قدرته على التأثير في المنطقة أو التحرك نحو دول الخليج. وقد ظهر ذلك عبر العديد من الإجراءات والمواقف منها استغلال قرارات الأمم المتحدة عقب الغزو بشكل بشع كالتعويضات المالية المجحفة واقتطاع أجزاء من الأراضي والمياه العراقية وإنشاء ميناء مبارك في مدخل خور عبد الله العراقي، الذي يتحكم بحركة السفن في الموانئ العراقية، إضافة إلى السعي لإقامة مشروع خط سكك حديدي لنقل البضائع من الموانئ الكويتية عبر العراق، الذي يؤدي إلى خنق ميناء الفاو الذي يقوم العراق بإنشائه حاليا.
النائبة عالية نصيف، المعروف عنها معارضتها لمحاولات الكويت، السيطرة على منافذ العراق على الخليج العربي، شنت انتقادات عنيفة لتلك المساعي سواء في مجلس النواب أو وسائل الإعلام، ومن ذلك انتقادها قيام حكومة حيدر العبادي بتوقيع اتفاقية مع الكويت لإعادة ترسيم خور عبد الله التي منحت الكويت أراضي ومياها عراقية لم تشر إليها العقوبات الدولية، كما انتقدت موافقة وزير النقل السابق هادي العامري، على فكرة مشروع مد خط سكك حديد بين الكويت والعراق بدون عرض الموضوع على البرلمان. وقد اتهمت نصيف مسؤولين حكوميين بتلقي رشاوى من الكويت مقابل التنازل عن خور عبد الله لها، متهمة دبلوماسية العراق بأنها “كانت واهنة ومتآمرة وليست مدافعة عن العراق”.
أما أستاذ علم الاقتصاد في جامعة البصرة نبيل جعفر المرسومي، فقد صرح بأن “مشروع الربط السككي بين العراق والكويت يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنشاء ميناء الفاو الكبير الذي بدأ العمل به خلال عام 2010 وما زال في مراحله الأولية” مبينا أن المشروع “سيؤدي إلى انهيار ميناء الفاو الكبير، وبالتالي إلى خسارة إيرادات مالية واقتصادية كبيرة، إضافة إلى فقدان عشرات الآلاف من فرص العمل، وهذا الربط لو تحقق فإنه يشكل خطرا كبيرا على الاقتصاد العراقي”.
ويتفق المطلعون على أن المتضرر الأول من تنفيذ مشروع سكك حديدية لنقل البضائع من الكويت إلى العراق وإلى بلدان أوروبية، هو ميناء الفاو الكبير الذي بدأ العمل به منذ سنوات.
ويفترض به أن يكون من أكبر الموانئ في المنطقة، من خلال ربط التجارة بين آسيا وأوروبا عبر العراق، وتوفير عائدات مالية ضخمة للعراق تصل إلى ملياري دولار سنويا، إضافة إلى أهميته في النهوض بالواقع الاقتصادي، وتنشيط حركته بشكل كبير في البصرة والعراق عموما. ويعتقد المتابعون أن جهود الحكومة العراقية لجذب الاستثمارات الأجنبية في ميناء الفاو ستفشل إذا وافقت على المشروع.
ويخشى المتابعون أن تستغل الكويت أجواء الفوضى والفساد السائدة في العراق، وان تتمكن من إقناع الحكومة العراقية في تنفيذ مشروعها، لتحقق بذلك إنجازا اقتصاديا حيويا للاقتصاد الكويتي على حساب مصلحة العراق الاقتصادية ومنها قتل ميناء الفاو الكبير الذي لم تتعامل معه الحكومات السابقة بجدية، ربما لأن إنجاز هذا المشروع ستتضرر منه البلدان المجاورة وخاصة الكويت وإيران.