مشروع «طريق التنمية» بين التأييد والمعارضة

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: أولت الحكومة العراقية مؤتمر «طريق التنمية» الذي يربط أوروبا بآسيا عبر العراق، اهتماما رسميا كبيرا وحملة إعلامية واسعة بأهمية المشروع للعراق ودول المنطقة، وسط انتقادات وتشكيك من بعض القوى المحلية والدولية، من احتمال نجاح المشروع وكونه يخدم بعض الدول دون الأخرى.

ولابراز أهمية مؤتمر مشروع «طريق التنمية» الذي عقد في بغداد قبل أيام، وشاركت فيه عشر دول في المنطقة ومنظمات تمويل دولية، أكد رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني في كلمته أمام المشاركين في المؤتمر «نرى في هذا المشروع ركيزة للاقتصاد المستدام غير النفطي وعقدة ارتباط تخدم جيران العراق والمنطقة وإسهاما في جلب جهود التكامل الاقتصادي».
وشهد المؤتمر استعراضاً شاملاً لطرق الوسائط المتعددة التي يتضمنها المشروع، والإمكانيات التي يقدمها في الترابط الإقليمي، بالإضافة إلى البنى التحتية المطلوبة التي تشمل قطاعات النقل والصناعة والزراعة والطاقة المتجددة، وما سيُتاح من استثمارات في المطارات والقطارات السريعة والطرق البرية.
كذلك جرى خلال المؤتمر «استعراض المسار الذي يبتدئ من ميناء الفاو وتكامله مع موانئ المنطقة وصولاً إلى الحدود التركية، ودراسات الجدوى ونتائج العمل مع الجهات الاستشارية، والجدول الزمني للتنفيذ، والعوائد المالية التي يوفّرها، والبيانات المتعلّقة بكلّ تفاصيله». وأعلن المؤتمر «تشكيل لجان فنية لوضع التصوّر الكامل عن طبيعة وحجم مشاركة الدول الشقيقة والصديقة في هذا المشروع الحيوي الاستراتيجي».
وقد شارك في المؤتمر ممثلو عدة دول منها إيران، وتركيا، والأردن، وسوريا، ودولة الإمارات العربية المتّحدة، ودولة الكويت، ودولة قطر، وسلطنة عمان، بالإضافة إلى ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي.
وعقب مؤتمر طريق التنمية عقد السوداني اجتماعا لكبار المسؤولين العراقيين المعنيين بالمشروع، لبحث كيفية تنفيذ مقررات المؤتمر، في تأكيد على «جدية العراق وإصراره على تنفيذ مشروع طريق التنمية».
وحسب الناطق باسم الحكومة العراقية باسم العوادي، أن «الاجتماع الذي ترأسه السوداني لمتابعة مخرجات مؤتمر طريق التنمية، هو رسالة لوزارة النقل والدول المشاركة بأن العراق جاد ومصمم على تنفيذ المشروع» لافتا إلى أن «الهدف من الاجتماع هو الإحاطة بانطباعات الدول ونظرتها إلى المشروع الاولي الأساسي « مبينا أن «الدول المشاركة تنتظر ان يتحول المشروع إلى حقيقة».
وأكد العوادي أن «المشروع سيحول العراق لنقطة جذب وربط في منطقة غرب آسيا، من خلال ربط بلاد الشام مع إيران والسعودية والأردن عبر العراق بسكة حديد وطرق برية من الشرق والغرب عبر طريق التنمية» مشيرا إلى أن «العراق ينتظر في المرحلة المقبلة قرارات الدول المشاركة بالمؤتمر وطريقة تعاطيها مع المشروع وهو قادر على تنفيذ المشروع من خلال الجهود الوطنية والشركات، حتى إذا لم تشترك أي دولة أو أي شركة استثمارية بالمشروع».
وأوضح العوادي في تصريحات للصحافة، ان «مشروع التنمية هو مشروع استراتيجي كبير يشمل جوانب سيادية عراقية وأخرى استثمارية دولية» مبينا أن «مشروع سكة الحديد والطريق البري يمثل السيادة العراقية ويتوجب ان يكون تنفيذه عراقيا بحتا، أما القطارات السريعة فتحال للاستثمار إما إلى إحدى دول الجوار أو الشركات المتخصصة» مشيرا إلى أن «العراق مصمم على ان يبدأ بالمشروع مع مقترباته عام 2024».

أرباح وفرص عمل

يذكر ان الإعلان لأول مرة عن مشروع «طريق التنمية» تم خلال زيارة رئيس الوزراء محمد السوداني إلى تركيا، في اذار/مارس الماضي، حيث كشف عنه في مؤتمر صحافي مشترك للسوداني والرئيس التركي، رجب طيب اردوغان. وأكد السوداني وقتها أن «مشروع طريق التنمية ليس فقط للعراق وتركيا وإنما للمنطقة والعالم، وهو الممر العالمي لنقل البضائع والطاقة ويربط الشرق بالغرب».
ويعتد المشروع بشكل رئيسي على ميناء الفاو الذي يجري انشاؤه منذ سنوات في البصرة جنوب العراق، حيث ان «السعة القصوى لميناء الفاو الكبير تبلغ حوالي (3.5) مليون وحدة مكافئة وفق الأفق المفترض عام 2028 فيما ستبلغ حوالي (7.5) مليون وحدة مكافئة وفق الأفق المفترض عام 2038».
مدير عام السكك الحديدية العراقية يونس الكعبي، أشار أن» المشروع لن يشهد بالضرورة توقيع بروتوكول بل سيؤكد تأييد الدول الحاضرة لهذا المشروع المهم والحيوي الذي سيتضمن رسالة من العراق لتلك الدول بأن طريق التنمية سيشمل جميع الدول المشاركة وسيدعم حركة التجارة فيها مع أوروبا مروراً بالعراق». وتابع، أن «المشروع عراقي بامتياز ووزارة النقل العراقية هي المسؤولة عن تنفيذه وسيتضمن خطاً للسكك الحديد وطريقاً سريعاً انطلاقاً من ميناء الفاو بمحافظة البصرة مروراً بمحافظات البلاد وصولاً إلى الحدود العراقية التركية».
وتشير المصادر الحكومية العراقية إلى أن» الأرباح السنوية للمشروع ستصل إلى قُرابة 4 مليارات دولار فضلاً عن توفيره 100 ألف فرصة عمل» وأن «العراق من خلال هذا الطريق سيتحول إلى محطة رئيسة للتجارة ومحطة نقل كبرى بين آسيا وأوروبا ينخفض فيه زمن الرحلة البحرية من 33 إلى 15 يوما» فيما يتكلف المشروع نحو 17 مليار دولار.

معارضة للمشروع

وبالرغم من الحملة الإعلامية الحكومية العراقية للترويج لمشروع طريق التنمية وفوائده للبلد، إلا انه قوبل بأصوات معارضة له وخاصة من القوى الشيعية.
وفيما هاجم النائب عن كتلة «صادقون» التابعة لميليشيا العصائب حسن سالم، مشروع طريق التنمية، واصفا اياه، أنه «وصمة عار في تاريخ ساسة العراق» ومتهما الطبقة السياسية بانها «تشبعت بالفساد» فإن النائب عن ائتلاف دولة القانون محمد الشمري، اعتبر «ان مشروع التنمية لن يخدم العراق» مدعيا ان السعودية ستكون المستفيد الأكبر. وقال الشمري في حديث صحافي، ان «هناك فائدة اقتصادية من إنشاء طريق التنمية الحالي لكن ليست بحجم إنشاء مشروع طريق الحرير الذي يجعل العراق هو الممر العالمي للتجارة العالمية» مشيرا إلى ان «ضعف السياسية الدولية للعراق أدت إلى عدم الوصول إلى تنفيذ طريق الحرير ضمن المشروع الصيني».
وفي السياق ذاته شنت مواقع تواصل اجتماعي شيعية حملة انتقادات للمشروع تحت مبررات طول مدة انجاز المشروع، وعدم إحالة تنفيذه إلى الشركات العراقية التي نجحت في إنشاء العديد من الطرق الحديثة والمتطورة، اضافة إلى غياب الضمانات الدولية تجاه تركيا التي قد تعمل على إغلاقه في حال تم الاختلاف على بعض النقاط. وشددت تلك المواقع على ان «الاتفاقية الصينية» التي عقدها العراق مع الحكومة الصينية قبل نحو عامين، هي أفضل من «مشروع طريق التنمية» ومتهمة الضغوط الدولية (وخاصة الأمريكية) بافشال الاتفاقية الصينية.
أما «الحراك الشعبي من أجل الحزام والطريق» فقد عبر عن رفضه القاطع لمشروع تحويل العراق إلى القناة الجافة والربط السككي، معتبرا الأمر التفافا على مبادرة الحزام والطريق الصينية. وأعلن الحراك أن «القناة الجافة عبارة عن ربط سككي ترانزيت، بين البصرة وتركيا ودول الخليج» وأن «مشروع القناة الجافة يهدف لتنمية اقتصاديات هذه الدول على حساب العراق الذي سيكون مجرد ممر وطريق لنقل بضاعتهم». وشدد أن «الحزام والطريق هي الحل الوحيد لإنقاذ العراق اقتصاديا» مؤكدا أن «الحراك يرفض رفضا قاطعا تحويل العراق لمشروع قناة جافة والالتفاف على مبادرة الحزام والطريق الصينية».
ويبدو ان الاعتراضات على المشروع لم تقتصر على بعض القوى المحلية بل امتدت إلى دول إقليمية، حيث لاحظ المراقبون غياب مصر عن المؤتمر، في موقف فسره المراقبون انه يعبر عن خشية القاهرة من ان يكون هذا المشروع منافسا لقناة السويس.
ويعتقد بعض المحللين ان الصين والهند تعولان على هذا المشروع لزيادة صادراتها إلى أوروبا عبر الموانئ في العراق وتركيا، كما تعول عليه تركيا وإيران أيضا، اللتان تريدان أن تزيدا من ميزانهما التجاري مع العراق وأوروبا.
ويبدو واضحا ان حكومة بغداد تهتم بمشروع «طريق التنمية» باعتباره منجزا مهما لها قبيل الانتخابات المقبلة، ولكسب الشارع الغاضب على العملية السياسية وقواها، حيث تسعى الحكومة إلى ابراز فوائده الكثيرة للعراق مثل توفير موارد غير نفطية وتشغيل العمالة وإحياء المدن التي يمر بها المشروع، إضافة إلى جعل العراق نقطة التقاء لدول المنطقة والعالم في منطقة حيوية، إلا ان المراقبين يرون ان فوائد المشروع للعراق ستكون قليلة مقابل فوائد كبيرة تحصل عليها دول مثل إيران وسوريا وتركيا، وسط الخشية من ان هذا المشروع الحيوي قد يتعرض للفشل كما حصل مع العديد من المشاريع السابقة التي أعلنت عنها حكومات بغداد، بسبب تعارضها مع المشاريع السياسية للقوى المحلية والأجندات الإقليمية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية