مشروع قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية لغم كبير في طريق حكومة نتنياهو

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”:

بعد غد الثلاثاء، ستنظر المحكمة العليا الإسرائيلية في واحد من أخطر الالتماسات وأكثرها حساسية، وهي تطالب بإلغاء قانون جديد سنّه الائتلاف الحاكم، قبل نحو شهرين، ويقضي بتقليص صلاحيات المحكمة نفسها، يُعرف بـ قانون “إلغاء حجة المعقولية”.

وتنبع حساسية الموضوع من نتيجة هذه الالتماسات التي قدمتها جهات معارضة، ففي حال استجابت لها فهذا يعني دخول إسرائيل في حالة “فراغ دستوري”، لأن جهات حكومية تعلن سلفاً بأنها لن تلتزم بحكم المحكمة العليا، وهذا يعني فتح باب صراع وجهاً لوجه بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وستجد المؤسسات الحكومية والدولة العميقة أمام وضع مربك؛ هل تحترم قرارات الحكومة أم أحكام المحكمة العليا!

 لكن إسرائيل على موعد مع “لغم” سياسي آخر، يتعلق بمشروع قانون إعفاء الشباب اليهود الأورثوذوكس (الحريديم) من الخدمة العسكرية كي يبقوا متفرّغين لدراسة التوارة. هذا القانون الذي تهدد أحزاب “الحريديم” بتفكيك الحكومة بحال عدم المصادقة عليه يلقى معارضة شديدة من قبل المعارضة، ومن بعض أوساط الائتلاف الحاكم، التي تخشى تبعات سن مثل هذا القانون الذي يميّز بين يهودي ويهودي من هذه الناحية، ويبقي أعباء الخدمة العسكرية على كاهل فئة دون أخرى منهم.

جهات حكومية تعلن سلفاً بأنها لن تلتزم بحكم المحكمة العليا، وهذا يعني فتح باب صراع وجهاً لوجه بين السلطتين التنفيذية والقضائية

بعد إقرار تعديل “قانون أساس” المذكور، المعروف بقانون إلغاء حجة المعقولية، قدّم أعضاء كنيست من حزب يهدوت هتوراه (الحريديم الغربيون) “مشروع قانون أساس: التعليم التوراتي”. وبحسب شرح مشروع القانون، سيتم اعتبار التعليم التوراتي قيمة أساسية في إرث الشعب اليهودي، مثلها مثل الخدمة العسكرية، لذلك، فإن حقوق الذين يتعلمون التوراة، ستكون متساوية لمن خدم في الجيش. وإلى جانب القيمة الإعلانية للقانون، فإن الهدف المركزي الذي يقف خلفه هو السماح بتعديل قانون الخدمة الأمنية بشكل يُمأسس، قانونياً، الإعفاء الجارف من الخدمة العسكرية الذي يحصل عليه أبناء المدارس الدينية. وبحسب مشروع القانون  (قانون التجنيد)، فإن جيل الإعفاء من الخدمة العسكرية سيغدو أقل (كما يبدو 22 عاماً)، وعدد المجندين في أوساط طلاب المدارس الدينية ستحدده الحكومة، وليس الكنيست. ولن يتضمن القانون أي عقوبات أو أهداف؛ وعملياً، سيتحول تجنيد الحريديم إلى تطوُّع، من دون إلزام بالخدمة العسكرية، أو القومية.

وتتبع الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب عيديت شفران غيتلمان الإسقاطات الأمنية والسياسية والاقتصادية لمثل هذا القانون بحال تمّ تشريعه. وتقول شفران-غيتلمان إن القصة السياسية بشأن تجنيد الشبان الحريديم للجيش مستمرة منذ أكثر من 20 عاماً. وتذكر أن ثمة حكومات تفكّكت بسبب الترتيب القانوني لإعفاء طلاب التعليم التوراتي من الخدمة العسكرية، وبات الاعتقاد المسيطر هو أن الحل الأخلاقي غير قابل للتطبيق سياسياً، لأن قيادات الأحزاب الحريدية لن تقبل أبداً قانوناً يفرض الخدمة الإلزامية على شباب الحريديم، بالصورة نفسها التي تفرضها الخدمة الإلزامية على كل شاب وفتاة في إسرائيل، كما أن الواقع السياسي- الاجتماعي لا يسمح بحلّ لائق من ناحية قيمية.

البعد القضائي

وتشير إلى أنه منذ سنوات لا تزال القضية مفتوحة، ولم يتم حلها، ولا يزال السؤال المطروح هو هل يمكن حلّ إشكالية تجنيد أبناء المدارس الدينية عبر قانون أساس؟ عن ذلك تضيف الباحثة الإسرائيلية: “مع الإشارة إلى أن قوة الكنيست أيضاً لا تزال محدودة في هذا السياق. ومنذ ذلك الوقت، هناك نقاشات جماهيرية وأكاديمية حادة حول إن كان من اللائق بالمحكمة إلغاء تفاهمات تم ترتيبها، تشريعياً، في الكنيست بهذا الشأن. وفي جميع الأحوال، نقطة الانطلاق اليوم هي أن تعديل القانون سيمرّ من المحكمة العليا التي ستبحث في الاستئنافات التي ستُقدم حتماً. ولذلك، طالبت الأحزاب الحريدية بالدفع قدماً بـ”فقرة التغلب”، التي من شأنها التأكيد أن المحكمة لن تستطيع إلغاء القانون، على أساس أن قرار الحكومة يغلب قرار المحكمة كون أعضائها منتخبين من الشعب”. وتقول إن محاولة أُخرى للدفاع عن القانون جرت خلال الحوارات في بيت “رئيس الدولة”، محاولة التوصل إلى تفاهمات بشأن بنود “الإصلاحات القضائية”، إذ تم البحث في فقرة تمنح التفاهمات المتعلقة بخدمة الحريديم العسكرية حصانة من التدخل القضائي. وبعد اتخاذ القرار بعدم الدفع بـ”فقرة التغلب”، وأيضاً بسبب الفشل في الحوارات التي كانت تهدف إلى التشريع بالتوافق، بات قانون أساس: “التعليم التوراتي”، هو الرد الأساسي المعقول الموجود لدى الأحزاب الحريدية.

حقوق الذين يتعلمون التوراة، ستكون متساوية لمن خدم في الجيش

قيمة أساسية

يجب التذكير بأنه رغم أن كثيرين من أعضاء الحكومة أعلنوا تحفّظهم على قانون أساس “التعليم التوراتي”، فإن القانون موجود في الاتفاقيات الائتلافية التي وقّعها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، حرفياً: البند 90: “بسبب الأهمية التي يوليها الشعب اليهودي للتعاليم التوراتية على مدار الأجيال، سيتم استكمال قوننة قانون أساس: “التعاليم التوراتية”، الذي يقرّ بأن التعليم التوراتي هو قيمة أساسية في إرث الشعب اليهودي، وذلك حتى تمرير الميزانية لسنة 2023. وتم الاتفاق على أنه سيتم الاستمرار في هذا الإرث في إسرائيل.” وفي الوقت نفسه، إلى حين تمرير الميزانية لسنة 2023، سيتم استكمال تعديل قانون “الخدمة الأمنية”، بهدف ترتيب مكانة طلاب المدارس الدينية بالاتفاق بين جميع مركّبات الائتلاف. وجاء أيضاً أنه في قسم “الدين والدولة” من الاتفاقيات، سيتم ترتيب الموضوع كشرط قبل تأليف الحكومة، ولكن جرى الاتفاق على تأجيله، بشرط استكمال التشريع حتى موعد تمرير الميزانية. ورغم التوضيحات القاضية بأن الموضوع جوهري بالنسبة إلى الأحزاب الدينية، فإن من الواضح أن وظيفة القانون هي منح غطاء قانوني لـ”قانون التجنيد” وضمان أنه سيحصل على مصادقة المحكمة العليا مع وصوله إليها.

قانون التجنيد

وحسب الباحثة الإسرائيلية، فإن النقاش بشأن قانون التجنيد يتركز على هدفين مركزيين: المساواة والتشغيل. الهدف من الأول تقليص عدم المساواة بين مَن يخدم ومَن لا يخدم؛ أما الهدف الثاني فهو الدفع بدمج طلاب المدارس الدينية في سوق العمل، وبذلك تزداد مساهمتهم في السوق. وتستذكر أنه عندما ألغت المحكمة العليا القانون سابقاً، استندت إلى الادعاء القائل إنه لا يتماشى مع المطالب بالمساواة، ومن خلاله، تجري عملية تمييز ضد قرار التجنيد الإلزامي وتتساءل بمَ تختلف صيغة القانون الحالية عن الصيغ السابقة؟ عن ذلك تقول: “رغم أن الصيغ السابقة للقانون، التي تم الدفع بها من طرف حكومات سابقة، لم تعطِ إجابة وافية عن هدف المساواة في الخدمة، فإن القانون المقترَح يختلف عن الصيغ السابقة على عدة صُعد مهمة. لا توجد أهداف محددة، على عكس الصيغ السابقة، التي كانت في مركزها نية دمج الجمهور الحريدي في الجيش، عبر وضع أهداف للوصول إليها من حيث أعداد المجندين، الصيغة الحالية لا تعرّف أي أهداف للتجنيد، ولا تحاول رفع أعداد طلاب المدارس الدينية، بالتدريج،  في الجيش وفي أي خدمة أُخرى”. كما تقول إنه لا يوجد أي تفصيل لعقوبات سيتم تفعيلها في حال لم يتم التوصل إلى الأهداف في مجال التجنيد.

 وتتابع: “عملياً، يترك القانون سؤال التجنيد لخيار طلاب المدارس الدينية الشخصي. الحكومة ستحدد الأعداد، على عكس الصيغ السابقة من القانون، والتي كانت فيها مسؤولية تحديد الأهداف التي يجب الوصول إليها بشأن أعداد المجندين بيد الكنيست، في الصيغة الحالية، الحكومة هي التي ستقرر. لذلك، من المتوقع أن تكون الأعداد المحددة أقل من تلك الموجودة اليوم، وبصورة خاصة بسبب عدم وجود أهداف مسبقة محددة ونقاط انطلاق تطمح إلى زيادة تدريجية”.

المنح المالية

يشار إلى أنه، في ما يتعلق بزيادة المنح المالية لطلاب المدارس الدينية، ودعم المؤسسات التعليمية التي لا تدرّس العلوم، إلى جانب الدفع بقانون التجنيد وقانون أساس “التعليم التوراتي”، التزمت حكومة الاحتلال، بحسب الاتفاقيات الائتلافية، بزيادة جدية (مضاعفة تقريباً) للمنح المالية الحكومية للطلاب المعتكفين، هذا إلى جانب زيادة جدية على ميزانيات التعليم الحريدية.

وتتابع شفران غيتيلمان: “ماذا عن قانون قيمة الخدمة؟ الهدف من قانون قيمة الخدمة هو منح مقابل مادي خاص لمن يخدم في الجيش. وبحسب مصادر إعلامية، فإن القانون سيمنح امتيازات لجميع من يخدم، بالأساس للمقاتلين، وأيضاً لمن يخدم في جيش الاحتياط. الذين يدفعون بالقانون مصممون على الدفع بجميع هذه الترتيبات، وبذلك يجعلون الصورة تبدو أقل ضرراً بمجال المساواة، وفي مقابل عدم المساواة، يتم التعويض بقانون قيمة الخدمة الذي سيمنح مَن يخدم امتيازات، وخصوصاً المقاتلين. وإلى جانب أهمية القانون الواضحة، يجب الحذر من تبنّي هذه الرواية التي تريدها الحكومة: المعادلة التي تربط ما بين سلب الحرية المنوطة بالخدمة العسكرية، وخصوصاً أنها تتضمن خطراً على الحياة، في مقابل قيمة مالية، فيها إشكاليات قيمية بنيوية. إنها تُلحق ضرراً كبيراً برواية الخدمة العسكرية وتضر بمبدأ المساواة كثيراً”.

باحثة: المعادلة التي تربط ما بين سلب الحرية المنوطة بالخدمة العسكرية بقيمة مالية، فيها إشكاليات قيمية بنيوية. إنها تُلحق ضرراً كبيراً برواية الخدمة العسكرية وتضرّ بمبدأ المساواة.

تبعات وإسقاطات

وتشير الباحثة الإسرائيلية إلى أن قانون التجنيد المقترح، وفي حال تم طرحه مع قانون أساس “التعليم التوراتي”، أو تم تحصينه بطريقة أو بأُخرى من النقض القانوني، سيكون بمثابة المسمار الأخير في نعش نموذج “جيش الشعب”.  وتقول إن المبادرة القانونية لا تشرّع التمييز الموجود اليوم فقط، بل تعلن الدولة، من خلال التشريع، أنها لم تعد ترى في الخدمة العسكرية قيمة عليا.

وتتابع: “مساواة حقوق طلاب المدارس الدينية بمن يخدمون “خدمة جدية” في الجيش هي بمثابة التخلي عمّن يخدمون، وأيضاً تجاهُل مستفز لمركز الخطورة على الحياة المنوطة بالخدمة العسكرية. بذلك، يتم إغلاق الباب أمام إمكانية الحفاظ على الرواية التي تفرض الخدمة العسكرية الإلزامية. المزيج ما بين القانونين، عدم المساواة المعلن، إلى جانب تقليل قيمة الخدمة العسكرية، يشجع على احتجاج الجمهور الذي يخدم. يمكن رؤية إشارات إلى ذلك اليوم، حركة الاحتجاجات “أمهات في الجبهة”، وتقديم استئناف بشأن الموضوع، وطرح مطلب المساواة بالخدمة في مركز الاحتجاجات الجماهيرية ضد “الإصلاحات القضائية”. وترى، في هذه الحال، أن الخطر على استمرار الخدمة الإلزامية حقيقي: حتى لو كان الحديث يدور حول تراجُع تدريجي ومتراكم، إلا أنه يمكن أن يؤدي إلى ضرر لا يمكن العودة عنه، وسيكون مدعاة لبكاء أجيال مقبلة. كما ترى أن المساواة في الخدمة، حتى لو لم يكن لدى أي من الأطراف اليوم رؤية للمساواة في الخدمة، وبات الاعتقاد المسيطر هو أنه لا توجد طريقة لتجنيد الحريديم، والمعادلة المسيطرة هي أن الصحيح قيمياً ليس بالضرورة قابلاً للتطبيق سياسياً، فإن قانون التجنيد الجديد يغيّر نقطة الانطلاق بشأن الخدمة العسكرية. وبغياب الأهداف والعقوبات، وعندما تكون الحكومة هي التي تحدد الأعداد، فإن المعنى هو التنازل كلياً، وبشكل تام، عن مشاركة الجمهور الحريدي في تحمُّل أعباء الخدمة العسكرية وقوننة التمييز رسمياً”.

سوق العمل

وتنبه إلى أنه، في هذه الحال، لن يكون لدى طلاب المدارس الدينية أي دافع للتنازل عن سلة الامتيازات الممنوحة لهم، ولن يذهبوا للحصول على مقومات أساسية مطلوبة للاندماج في سوق العمل، وسيبقى هذا الهدف بمثابة كلام موجّه إلى الخارج ليس إلا.

 وتضيف: “في الخلاصة، الرؤية الموجّهة إلى مجموعة مشاريع القوانين المرتبطة بقانون أساس: التعليم التوراتي، هي أنه في مقابل انعدام المساواة الواضح في قانون التجنيد، ستعبّر الدولة عن تقديرها لمن يخدم عسكرياً، وبالأساس للمقاتلين، وتمنحهم امتيازات. يمكن الافتراض أنه بذلك تنوي الحكومة تقليل الانتقادات وتمرير المبادرات جميعها. إن الإشكاليات القيمية البنيوية بدفع مردود مالي في مقابل إلحاق الضرر بمبدأ المساواة وسلب الحريات المنوطة بالخدمة العسكرية، وخاصة الخطر على الحياة، تجعلني أشك كثيراً في قبول الجمهور هذه المعادلة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية