الفعل الإبداعي بأي شكل من أشكاله يتطلب فاعل ووسيط ومتلقي هذا الفعل، فمن دون متلق سيكون هذا النص حبيس الرفوف المهملة في منتوج الثقافة العامة للمجتمع. وهذا الإهمال إما يكون إهمالا متعمدا بقصدية التهميش، أو إهمالا غير مقصود ناتجا عن الاهتمام بما هو مركزي بالنسبة للوعي العام للثقافة والمثقفين وقرائهم بأي مجتمع ما. والتهميش دوما يصحب الأصوات الجديدة، مع عدم انتفاء تهميش حالات إبداعية متميزة ومعروفة من باب الغيرة أو الحسد أو من باب الدفاع عن المكانة والمكان الذي يشغله من يقوم بفعل التهميش، أو ناتجا عن تهميش الجسد الرقابي المؤسساتي في أي بلد. وقد يكون أبسط ما تفعله المؤسسة هو حرمان هذا المبدع من ان يكون ضمن الخريطة الثقافية للبلد بحجج واهية كالنسيان أو عدم كفاءته، وهذه قضية محتاجة إلى استفاضة أكثر.
ولكن دعوني أتحدث عن التهميش غير المؤسساتي بالمعنى الرسمي للكلمة، وهو تهميش المثقفين لبعضهم البعض، وللأصوات الإبداعية الجديدة خصيصا. فما ان يظهر كتاب جديد لكاتب اقتحم الوسط الثقافي، فإن الساحة الثقافية في الكويت، تحديدا، تقابله بصمت قاتل، ومميت. على سبيل المثال ينتظر الكاتب لمدة طويلة ردة فعل إيجابية، أو قراءة لو حتى كانت انتقادية من دون ان يحدث ذلك. وهذا الأمر يجعلهم أكثر تقبلا للنقد من الكتاب المعروفين، لأنهم لا يجدون بدا من القبول بأي قراءة تنتج عن أعمالهم، ولسبب آخر يعود إلى ان بعضا منهم غير متمكنين من الثقافة والاطلاع بمعناه الواسع والملم بتفاصيل عملهم السردية. لذا قبول النقد والانتقاد تحديدا يكون له دلالتان: حاجتهم المعنوية لأي قراءة إبداعية لهم، وعدم تمكنهم من أدواتهم السردية. ولا يعني هذا ان الذين أكثر شهرة منهم هم الأكثر تمكنا معرفيا، ولكن في شريحة كبيرة منهم كانت الظروف والحظ قد لعبت الدور الكبير. كما ان لدينا كتابا براعتهم تكمن في الأداء الأدبي، بتقليد أعمال إبداعية لاقت شهرة، يتم تغيير الموضوع والملامح الفيزيائية للمكان مع السير على ذات الطريق في بناء الفضاء السردي.
نعود للكتاب المهمشين، الذين يهمشون من قبل المثقفين لدوافع متعددة، أهمها بالنسبة لي كما لاحظت من خلال مراقبتي للوسط الثقافي طوال فترة كتابتي النقدية، هو النظرة التقليدية للجديد، والمحدث، فالجديد هو الضعيف وغير المتمكن. والجديد أيضا هو هامش من الممكن ان يتحول ويخطف الضوء من المركز القديم، لذا محاربة الجديد هي نوع من الدفاع عن النفس بالمقام الأول، وعدم ثقة القديم بنفسه، مع عدم تطويرالمثقف لنفسه فلو كان متطورا، سيكون متماشيا مع انتاج الثقافة الحديثة ولا يخشى من زحزحة الأصوات الجديدة له. نرجسية المثقف ومزاجيته تلعب دورا هو الأخطر بالموضوع، فهذا المثقف قد يلعب بشكل خفي ومنظم معتمدا على شبكاته الثقافة الممتدة من الخليج إلى المحيط في عدم السماح للكاتب الجديد في الظهور على المنابر الثقافية المتعددة، وكأن المثقفين المتمركزين بالمركز الثقافي يقومون بشبكة قوية من الصعب اختراقها، لذا نجد الأجيال اللاحقة تقوم بأدوار الرضوخ والنفاق لآباء الثقافة حتى يعبروا في مسالك الثقافة ويحتلوا محلا هامشيا في الثقافة. وقد يحتاج بعض المثقفين النرجسيين تلميع صورهم الإنسانية في تبني الأصوات الثقافية الجديدة، ليضمنوا ان يكون لهم مطبلون من الوسط الثقافي من أجيال متعاقبة لتأكيد صفة الإبداعية متعددة الأذواق والمخاطبة لجميع الأجيال، ولسبب آخر أكثر أهمية من السابق يكمن بأن المثقفين المتبؤين مثلهم كراسي المجد الثقافي، يتعاملون مع الآخرين بفوقية وتعال واعتبار أنفسهم مؤسسات ثقافية مستقلة، لا تتعامل مع من مثلها إلا ببروتوكولات رسمية تقلل من طقوس المجاملة الفائضة والاعتراف بالآخر الثقافي والمكافئ. هؤلاء المثقفون يلتفتون للأجيال الجديدة لحاجتهم لهم في مدحهم والتطبيل لهم، لذا نجدهم يكتبون عنهم في أماكن وصحف ومجلات غير معروفة، وكأن الهامش رسم له ان يكون مكانا لهم. حقيقة ان موضوع التهميش الثقافي وللأصوات الجديدة تحديدا بحاجة إلى دراسة جادة ومناقشات علنية بمؤتمرات وأوراق بحثية جادة ورصينة فكثير من الممارسات الثقافية بقيت في حيز السرديات الشفهية ولم يكتب لها ان تحرر بشكل جدي. كما أعتقد ان الأمر ليس مقترنا بحقل الأدب والكتابة الإبداعية بل هو موجود بعديد من الحقول الفنية والمعرفية ومجالات الحياة المختلفة، تبعا لأخلاقيات البشر المتعددة، ولكن المفارقة المدوية في المجال الأدبي ان خطابه العام والظاهري إنساني يخفي بباطنه ممارسات لا إنسانية تصدر عن دعاة الإنسانية.
«هناك حيث الرف العالي» كتاب للروائي الكويتي حمد الحمد قام بممارسة إبداعية وأخلاقية جمالية، تجاه كتب من يراهم وضعوا في الرف العالي بعيدا عن التناول والتداول الثقافي، معزولين عن دائرة الضوء، فقام بمشروع كتابي عظيم ونبيل بنفس الوقت عن كتابات الإبداعات الشبابية السردية في الكويت وغيرها من النصوص المعروفة تحت اسم مستعار بجريدة الجريدة هو حمد الناصر. وبالطبع، قد تكون الكتابة تعكس نبل الموقف لئلا يظهر أمام الكتاب الشباب بموقف الأب المنقذ والمثال بصفته الأدبية حمد الحمد. وأيضا كي يرتاح من صداع تدخلات المثقفين وتوجيهات اللوم والعتب عن الكتابات الشبابية، بل انهم سيلقون عليه تهمة جاهزة كأبي الأدب الرديء، مثلما كانت تأتيني معاتبات من بعضهم على كتابتي عن بعض النصوص الشبابية، على اعتبار اني أكتب عن أصوات شبابية لم يسمع بها أحد رغم جدارتها واستحقاقها.
جمع الحمد هذه المقالات المنشورة بجريدة الجريدة الكويتية في كتاب، ووضح هدفه منذ البداية بقوله:
«على يقين ان ما أدونه في هذا الكتاب ليس تحليلا أو نقدا أكاديميا، إنما انطباعات وعرض ورأي ليس إلا، وكذلك ليس حصرا لكل ما صدر في الكويت من أعمال للفترة المشار إليها، ولكن فقط ما توفر لي في مكتبتي، مع هدف ورغبة كامنة من جانبي في تسليط ضوء على كتاب الجيل الجديد أخفقت صحفنا في تسليط الأضواء عليهم بالقدر المطلوب كما يرى أي متابع». (ص:)
بقراءة هذه الأسطر القليلة تتضح لنا عدة أمور هامة، أهمها نزوعه إلى الكتابة عن الجيل الجديد، وتسليط الضوء على تجارب لم تجد فرصتها في الانتشار. كما انها قراءات، على حد قوله، خاضعة لخبرة حمد الحمد كقارئ وكاتب أكثر من انها قراءات منهجية، ولكن بتأمل ملاحظاته النقدية الموجهة للنصوص يتضح انه من خلال تمرسه الثقافي ككاتب وكقارئ نضج نظراته النقدية في كثير من المواضع من مثل تصحيح إحدى المعلومات التاريخية برواية «الطير الأبابيل» لعبدالوهاب الحمادي، ونقده لمبالغة نظرة سعود السنعوسي في رواية «ساق البامبو» للمجتمع الكويتي غير المتقبل للأبناء المنتسبين لأمهات خادمات آسيويات، إذ يرى الحمد ان هناك بعض الحالات التي شهدت تقبل وتعايش بين هؤلاء الأبناء المهجنين، وأسرهم الكويتية. أيضا قام بوضع بعض الملاحظات الدقيقة على بعض النصوص ولكن بعين المحب المشجع وبلغة رحيمة ورفيقة بكتاب النصوص تناسب ذوي القلوب المؤلفة من الكتاب.
من أكثر النصوص المؤثرة في الكتاب هو تجربة الكاتب الحمد مع مؤلف رواية «رجل بألف رجل» للكاتب الشاب محمد سامي السالم، الذي رحل في سن مبكرة جدا، رسم له الحمد بورتريه جميلا ومشرقا يبين نضال الشاب، وهو لم يتخرج من مرحلة الثانوية بعد، من أجل ان يترك له أثرا قبل ان يرحل عن الحياة وهو في سن السابعة عشرة.
خطوة إنسانية رائعة من الحمد، وننتظر المزيد من الصفحات الثقافية في عمل مشاريع كتابية عن كتابات شبابية حديثة لتطوير منتوجهم الإبداعي بشكل جديد، لإيماني الشديد باستحقاقهم من الناحية الإنسانية وانهم هم من سيشكلون خارطتنا الإبداعية المستقبلية رضينا أم أبينا.
ـ حمد الحمد، «هناك حيث الرف العالي»، آفاق، الطبعة الأولى، 2013م.
كاتبة واكاديمية كويتية
سعاد العنزي