السياسيون الفاسدون يحاكمون بشدة ليس فقط لأنهم اخطأوا بشكل شخصي، بل لكون اعمالهم تؤثر على البنية بكاملها، وبهذا يساهمون في كراهية الجمهور للبنية الديمقراطية. وشعور «اذا كانوا هناك في الاعلى يسرقون، فماذا تريدون مني؟»، ولكن احيانا عند وجود سياسيين يستطيعون قول الشيء الصحيح فانهم يساهمون في الحفاظ على هيبة البنية، وهذا ما حدث مع عمير بيرتس.
بيرتس صادق حول اسباب استقالته من الحكومة. اذا كان مؤيدا لحل سياسي وسط، فان اجراءات حكومة نتنياهو لا تتوافق مع مواقفه. وما يعيب استقالته هو السؤال لماذا انضم أصلا الى الحكومة. فقبل الانتخابات فسر خروجه من حزب العمل بأن شيلي يحيموفيتش تقدم خطا صقريا من شأنه الذهاب بها الى ائتلاف نتنياهو.
لا يجب تصنع السذاجة. فالبنية التي بطبيعتها تحتاج الى حلول وسط، فليس غريبا أن يقوم السياسيون باعطاء وعود فارغة. لكن أمر بيرتس خطير جدا لأن هذه ليست المرة الاولى التي يُعرض فيها مكانة السياسي في اسرائيل الى السخرية.
هذا مؤسف حقا، فالسيرة الذاتية لعمير بيرتس تعكس صفقات زعيم سياسي اسرائيلي، مهاجر من المغرب، وقد بنى قوته السياسية في المحيط، وعمل رئيسا لبلدية سدروت لتخفيف التوتر مع الكيبوتسات المحيطة، ونجح في تقديم قناعات حمائمية على شكل شعبي. ايضا خدمته العسكرية تعتبر أمرا أصيلا لدى الزعماء: مثل معظم الاسرائيليين فقد مر بخدمة رمادية في سلاح الذخيرة، وهناك أصيب ايضا كضابط في عام 2005، وفي الوقت الذي ركز فيه زعماء العمل والليكود على أمور الخارجية والأمن احتل بيرتس رئاسة الحزب بأجندة اجتماعية. ومع هذا حصل على نحو من 20 مقعدا. وظهر بأنه يشبه براك اوباما كرئيس – يعتبر رمزا لامكانيات غير محدودة – وكانت زعامته تكفي لتعزيز القناعة بالقدرة على التغيير، رغم أنه كان من الواضح أنه ستواجهه عقبات في الطريق الى تحقيق ذلك.
هذه الآمال تبخرت سريعا وبدلا من وزارة المالية قام بتفضيل وزارة الدفاع في حكومة اولمرت رغم أنه لم تكن له توجهات عسكرية.
كان انتخابه خطأ ليس فقط بسبب نتائج حرب لبنان الثانية (مع أنه يسود الهدوء منذ ذلك الحين في الشمال وهذا متعلق بامور اقليمية ومصالح حزب الله وليس بسلوك الجيش عندما كان بيرتس وزيرا للدفاع)، خطأه الاساسي هو انحرافه عن الوعود بالاهتمام بالامور الاجتماعية والذهاب الى منصب أرفع مكانة. وقد تم تبديل بيرتس في عام 2007، إلا أن حزب العمل لم يتعافى منذ ذلك الحين ولم يتجاوز الـ 15 مقعدا.
محللون يدعون بخصوص استقالة بيرتس بأنه يستطيع التنبؤ بالمستقبل. ومن الممكن أن بيرتس واعٍ وخبير بدرجة كافية كي يبدأ مرحلة أولى في طريق اقامة جسم وسط – يسار. ولكن لن يحدث أي تغيير حقيقي فقط بناءً على الحسابات الرياضية. ومن اجل ذلك هناك حاجة الى قادة قادرين على التأثير، والتنقل الذي قام به بيرتس أفرغه مما يمتلك من صفاته القيادية. بل على العكس فان استقالته تحول «الحقيقة» الى بضاعة سياسية. وبذلك فهو يلوث المحيط السياسي ويضعف ايمان الجمهور بالسياسيين الذين يعدون بعمل تغيير اجتماعي – سياسي.
هآرتس ـ 13/11/2014
آفي شيلون