من المؤكد أن قراءة الواقع العربي من منظور إشكالية الفهم، تعتبر في حد ذاتها التحدي الأكثر إحراجا بالنسبة للمهتم، بالنظر للتعقيدات الفادحة التي تطال علاقة الطرفين ببعضهما، ذلك أن التفاعل العملي والموضوعي مع مقتضيات الواقع، تستدعي أساسا الإحاطة بإواليات اشتغاله، أي بمجموع القوانين الضمنية المتحكمة في ما يثيره من إشكاليات. غير أن هذه الإحاطة قد تغدو في حكم المستحيل، كلما أمست قوانينها منفلتة وعصية على التعيين والتحيين. وهو ما يحفز الباحث على تجريب ما أمكن من المناهج، المؤهلة لتقديم أجوبة مقنعة، حول ما تطرحه علاقة الفهم بالواقع من تساؤلات. وهو السياق الذي تنتظم فيه حلقات متداخلة ومتشابكة، من المقولات، المراوحة بين المنحى المادي والمثالي.
ومن نافل القول، إن خصوصية الواقع المجتمعي تتشكل بناء على مستويات الفهم المتبادلة بين مكوناته البشرية، وأيضا انسجاما مع نوعية الفهم المؤطرة لحركية هذا الواقع. فالهوية الحضارية للشعوب تتشكل على أساس تكامل طرفي هذه العلاقة المزدوجة، والمجسدة أولا: في توافر شرط التفاهم/التواصل المعرفي، القائم بين أعضائه، الذي يفترض فيه أن يتميز بأسسه العقلانية، الناظمة لأهم المقومات السياسية والاقتصادية والثقافية، المؤثرة في هيكلة الواقع، وبناء خصوصيته. وثانيا: في توافر شرط فهم القوانين التي تنتظم بها حركية هذه المقومات. وفي خضم التجاذبات القائمة بين مختلف زوايا النظر، تظل واردة وبإلحاح، إشكالية التساؤل عن حدود مقاربة إيقاعات التغيرات والتحولات التي تطال الواقع المجتمعي، بوصفها إشكالية علمية؟ أي إشكالية يأخذ بموجبها الواقع ذاته، شكل مختبر متعدد الاختصاصات، تراوح مداخله بين الانفتاح والانغلاق، على ما يجد من مقاربات تنظيرية ومعرفية.
وفي حالة ما إذا نحن سلمنا بأن الحق في الوجود، المتوجس من مختلف أنواع المضايقات المتربصة بها، هو الأصل في الحركية التي يتميز بها كل واقع مجتمعي، فإننا سوف نجد أنفسنا في مفترق تجاذبات صاعقة وملتبسة في آن. تجاذبات تسعى جاهدة إلى استيعاب الواقع العربي خارج المقولات التقليدية والمتداولة، من قبيل مقولة الصراع الطبقي، وفاعلية وسائل الإنتاج والعلاقة «الجدلية» القائمة بين البنيات الفوقية والتحتية، بمجموع ما يندرج في معجمها من مقولات ومفاهيم أمست هي أيضا بحاجة ماسة إلى إعادة التعريف، الفهم، والتقويم. ذلك أن الهيمنة المطلقة التي يمارس بها منطق النهب حضوره واستحواذه على المشهد، تستحث الفهم على البحث عن مداخل جديدة لتقصي مضايق أهم المفاهيم التي أمست مشحونة بالمزيد من الغموض والالتباس. على غرار مفاهيم الصراع، الهيمنة، العدالة، الحرية وغيرها.
ضمن هذا السياق تحديدا، سوف تنبجس إشكالية التكيف، بوصفها إشكالية «الإكراه» بامتياز، التي تمسك قوانينها بتلابيب الذات، ملزمة إياها بالتنازل عن اختياراتها المسبقة والمفكر فيها. ذلك أن الإكراه من هذا المنطلق، يقوم بتحييد الممارسة العقلانية، الناتجة في السياق الطبيعي، عن الوعي الحر بآلية اشتغال الظواهر التي على أساسها تأخذ الاختيارات الفردية والجماعية مسارها التلقائي. بمعنى أن الإكراه، يفكك القوانين النظرية المستنبطة عادة من حركية الواقع العقلاني، ليفرض قوانينه الخاصة به، والتي غالبا ما تتسم بانفلاتها وغموضها، وصعوبة تأطيرها، باعتبارها مملاة بسلطة القهر والإخضاع، أسوة بأغلب القوانين والتشريعات الجاري بها العمل في الواقع العربي.
لنا أن نتخيل حدود السوداوية، التي يتخبط المشهد العربي في متاهاتها، بموازاة مشهد آخر مضاد، يتوسطه هودج الذكاء الاصطناعي المثقل بوعده ووعيده، والمقبل من أزمنة ما بعد العقل، وأزمنة ما بعد الفهم، وما بعد التأويل.
فالإكراه حينما يأخذ شكل قانون يلزم الخاضعين كافة له، بالإذعان إلى مطلب «التكيف» فإنه يساهم بذلك في تكريس وترسيخ منطق تبريري، يخلو من مقومات الفهم والاستدلال، خلوه من أي عامل تحفيزي يساعد الفرد أو الجماعة، في اتخاذ هذا القرار أو ذاك، وتلك هي مأساوية المشهد بعينها.
ومن الواضح أن قطع دابر أي إمكانية للفهم، يحرم الذات من الفوز بأهم المقومات المؤثرة في بلورة خصوصيتها، كما يحرمها من حظوة الإعلان عن انكشافها بوصفها ذاتا معنية بالاقتراب الفعلي والملموس، من أفياء كينونتها المحجبة. والأمر يتعلق هنا بغياب الدليل المفضي إلى التعرف على هوية الأفراد، بما يترتب عنه من غياب تام لفرصة «التعرف» على هوية الواقع الذي يغدو – تبعا لذلك – عصيا على المقاربة العلمية، بمفهومها المتعارف عليه في الدراسات القطاعية والمتخصصة، بمعنى أن غياب الوعي بآليات اشتغال الممارسة الحياتية، لا يمكن إلا أن يؤدي في نهاية المطاف، إلى غياب الوعي بآليات اشتغال الواقع ككل.
والجدير بالذكر أن تعوّد الذات على الاستسلام المزمن، إلى إكراهات التكيف القسري، يقطع صلتها بالممارسة العقلانية المؤطرة عادة بقوانين الفهم والتفسير والتأويل. ولنا أن نطرح مع القارئ ذلك السؤال المؤرق، المستفسر عن الصيغة الممكنة التي تسمح لنا إلى حد ما، بـ»فهم» واقع لا تستجيب مكوناته البشرية والوظيفية لمقاربات الرؤية العلمية؟ وهو السؤال الذي قد يجد بعض أجوبته في الخطاب الإبداعي، أكثر مما قد يجده في الخطابات السياسية الاقتصادية، أو السوسيوثقافية، باعتبار أن الإبداع يبحث عن ضالته، حيث تصطخب أجواء اللامعقول، وحيث تتلذذ العناصر بجمالية التمويه والتضليل، وحيث يتسلى «الشيء» بالتخفي وراء ما لا يحصى ولا يعد من الأقنعة، التي تضيع معها السبل المفضية إلى مداخل الحقيقة.
وهي حيثيات تصدق على الواقع العربي، الذي يحق اعتباره مهدا حقيقيا وموضوعيا لإنتاج كل التصورات المنتمية إلى ما يتعارف عليه بالواقعية السحرية، التي تتجاوز غرائبيتها وعجائبيتها مجموع ما يدعي احتكاره فنانو أمريكا اللاتينية وأدباؤها. وبصرف النظر عن الأهمية الكبرى التي يتميز بها هذا النموذج، من منطلق الرؤية الإبداعية، إلا أنه يبدو مثقلا ببؤسه وفجاجته، حالما نضعه في ميزان الخطاب السياسي، الاقتصادي أو الحضاري. باعتبار أن التعامل معه ضمن هذه الخطابات، يقتضي توافره على المؤشرات الموضوعية الفاعلة في تأطير وفهم سردياته وثوابته، على أسس عقلانية ومعرفية. الشي الذي نكاد نفتقده جملة وتفصيلا بالنسبة للواقع العربي، نتيجة خضوعه لتأثير خلطة سحرية، قوامها تخلف متوج بأشواكه، ومعاناة تاريخية من ضراوة قهر يحكم قبضته على الجسد والروح. فضلا عن التجهيل الممنهج، الذي يشل كل مبادرة محتملة، تساهم في تنشيط ملكة الفكر والعقل.
وكلها عوامل، من شأنها صقل مهارات هجينة، يمكن اختزالها في الاستجابة الآلية التي تبديها الذات المجتمعية، تجاه ما تمليه عليها «سلطة الإكراه» من اختيارات ومصائر.
ثم لنا أن نتخيل حدود السوداوية، التي يتخبط المشهد العربي في متاهاتها، بموازاة مشهد آخر مضاد، يتوسطه هودج الذكاء الاصطناعي المثقل بوعده ووعيده، والمقبل من أزمنة ما بعد العقل، وأزمنة ما بعد الفهم، وما بعد التأويل.
شاعر وكاتب من المغرب