مشهد سريالي.. السوريون يقتربون من الحدود ولكن ليس للقتال

حجم الخط
0

السوريون في القنيطرة يخاطرون بدخول حقول الغام لجمع الحطب اللازم لتدفئة بيوتهم وطبخ طعامهمعوديد شالومفي الساعة الخامسة مساء بالضبط سُمعت صرخة عالية: ‘هل يمكن الاغلاق؟’ دوّت ضمن الهدوء الريفي للمعبر الحدودي في القنيطرة، لم ينقضه سوى زقزقة سرب عصافير فوق رأس شجرة يُشك أهي مغروسة في ارضنا أم في الارض السورية. ونظر النقيب أدهم رعد قائد المعبر في ساعته ورفع رأسه ورد صائحا: ‘ايجابي، أغلق’. تقدم الجندي الى باب ضخم في الجدار الجديد الذي أُنشىء على طول جزء من الحدود السورية في هضبة الجولان، وسُمعت في الهواء قعقعة اغلاق الباب. بعد ذلك وفي هدوء نموذجي شاهد بالخواء، تدحرج باب كهربائي كبير فوق مساره الى ان لاقى في ضجيج كبير العضادة الحديدية في الجانب الثاني من المعبر، وأُغلق البابان. هذا يوم عمل آخر رتيب في المعبر الحدودي الوحيد بيننا وبين سوريا قد انقضى. صعدنا الى برج المراقبة المطل على ما وراء الحدود. يفصل نحو من 150 مترا وربما أقل بين الباب في الجانب الاسرائيلي ودار الحراس في الجانب السوري. يرفرف علمان لسوريا فوق باب الحديد الكهربائي الجديد الذي يسد المدخل.

هذه هي العبرة التي استُخلصت ونفذت في الجانب السوري على أثر أحداث يوم النكسة في شهر حزيران من العام الماضي حينما وصل أكثر من ألف متظاهر الى المعبر السوري وساروا نحو المعبر الاسرائيلي. ودخل جنود الامم المتحدة الذين يفصلون بمعسكر صغير في منطقة الفصل بين الطرفين، مناطق محصنة وتم وقف المتظاهرين آخر الامر باطلاق نار حية على مبعدة أمتار محدودة عن الجدار. قُتل آنذاك 14 سوريا وجرح 220 وكان درس السوريين تركيب باب كهربائي كما في مدخل لموقف سيارات في مجمع تجاري. واستُخلصت دروس في الجانب الاسرائيلي ايضا، كما يقولون في الجيش الاسرائيلي. فقد أُنشيء في منطقة مجدل شمس جدار كثيف طوله بضعة كيلومترات الى معبر القنيطرة وحُفرت قنوات مضادة للدبابات وجُددت حقول ألغام. وجرى تعزيز الدوريات على الجدار وأُضيفت وسائل مراقبة. وقد تُمتحن جميع هذه الوسائل مرة اخرى اليوم اذا وصلت الى المكان ‘المسيرة العالمية الى القدس’، التي حظيت باسم مسيرة المليون، ويفترض ان تأتي بآلاف من المشاركين الغاضبين الى الحدود.

يقول المقدم ايتسيك نحمياس، نائب قائد لواء الحرمون، ان الأوامر العسكرية قد حُددت منذ حدث الانقضاض السابق على الجدار. ‘أمرنا العسكري هو تحقيق السيادة الاسرائيلية بصورة مطلقة في حين ان التحدي هو إنهاء الامر بلا مصابين، نحن مستعدون لكل احتمال حتى ما يسمى ‘مسيرة المليون’. لن تتكرر حادثة كالتي كانت في يوم النكسة. وأُكرر أن تحقيق سيادتنا سيتم بصورة مطلقة’. تحطيم المنعتبدو مدينة القنيطرة القديمة خاوية تقوم خربة مثل تمثال مهجور مُهمل منذ كانت حرب يوم الغفران. وتبدو قربها أضواء بلدة المُضرية، حيث تنتصب في ظاهرها الغربي غير بعيد عنا مئذنة مسجد تزينها أسلاك مصابيح خضراء. تمر بضع دقائق ويُسمع صوت المؤذن الذي يؤذن للصلاة قويا.

في الصباح الباكر صعدنا في بطء في مركبة ثلج عسكرية الى أعلى مستوى في الحرمون. ارتفعنا الى علو 2000 متر فوق موقع الحرمون بنصف كيلومتر وقطعنا نصف كيلومتر بـ 40 دقيقة. ما تزال طبقة الثلج ثخينة وهي تبلغ في بعض المناطق 3 أمتار. وهذه منطقة مستوية ثلجية رائعة الجمال. لا تكاد سوريا تظهر من خلال السحب الكثيفة لكن يمكن في يوم صاف رؤية ظاهر العاصمة دمشق بوضوح.

سرنا يوما كاملا ذهابا وإيابا على طول الحدود السورية في هضبة الجولان، حيث يوجد 120 كم من النضرة الطبيعية الساحرة مع شعور ببارود في الجو. ذلك الامر لذيذ بين المواقع العسكرية التي يغمرها الثلج على قمة الحرمون، ومواقع الأسلاك في جنوبي الهضبة ومع النقيب رعد، القائد الدرزي الاسرائيلي لمعبر القنيطرة. وعلى هامش الأخبار في المذياع سمعنا تقريرا عن سقوط 30 قتيلا آخر في سوريا.

وراء الحدود احتفوا هذا الاسبوع بمرور سنة على نشوب الانتفاضة على الاسد، وتبدو المظاهرات والقصف بعيدة عن الجانب الاسرائيلي لكن لا توجد شهادة أمن هنا. فقبل شهر فقط حدثت سابقة شحذت التيقظ في الجيش الاسرائيلي: فقد هاجمت قوة لمسلحين من جيش سوريا الحر موقعا للجيش السوري خارج قرية جُبتا الخشب. وتحدثت تقارير عن مصادر اجنبية عن سبعة قتلى من المتمردين ورجال قوات الامن.

حينما تجولنا في المنطقة استطعنا ان ننظر بلا منظار الى قرية جُبتا تلك التي تقع بيوتها الغربية على مبعدة مئات معدودة من الأمتار عن الجدار. وقد حدثت الواقعة نفسها على مبعدة 2 كم فقط عن الحدود وسجل قادة الجيش الاسرائيلي ان الانتفاضة تقترب من المنطقة.

يلاحظون في الجيش الاسرائيلي ضعفا في سيطرة الجيش السوري والنظام على الميدان. اذا كانت حواجز الجيش والشرطة المنتشرة في المنطقة الحدودية تُرى قبل سنة أنها مواقع ينبغي عدم الاقتراب منها بلا إذن فان الحادثة في جُبتا مثل حوادث اخرى تشهد على غير ذلك. ‘في الماضي غير البعيد لم يكن المواطن السوري يتجرأ على مناوأة جندي أو شرطي’، يقول عنصر عسكري رفيع المستوى في تلك المنطقة. ‘ان تحطيم هذا الحظر يهدد الهدوء في المنطقة الحدودية’. يُرى في المعبر الحدودي في القنيطرة ايضا من قريب تأثير الاضطرابات الدامية في سوريا ونتائج الحرب التي أعلنها بشار الاسد على أبناء شعبه المنتفضين. ‘حينما انشأوا الجدار قبل بضعة اشهر تم عمل تجريف. فاقتُلعت اشجار وبقيت في الارض بعضها في حقول ألغام تم تجديدها’، يقول النقيب رعد قائد المعبر. ‘نحن نرى الآن سوريين بسطاء يقتربون من الجدار لجمع هذه الاشجار من اجل التدفئة.’ان السكان في الطرف الثاني في ازمة كبيرة، فالامداد بالكهرباء غير منظم. وقد ساء الوضع جدا من جهة اقتصادية، فلا يوجد ما يكفي من المال للسولار. وهم مستعدون للمخاطرة بدخول حقول ألغام من اجل تدفئة بيوتهم. انهم يقتربون من الجدار حقا، وحينما يصيح بهم جنودنا كي يبتعدوا يردون صائحين: ‘ليس عندنا كهرباء وغاز، نحن جائعون’. انهم محتاجون الى هذه الاشجار. ونحن نراهم يشعلون النار خارج البيوت ويجتمعون حولها للاستدفاء. وهم يطبخون ايضا على هذه النار. توجد هناك ازمة جدية’.’ هل يُبلغ رجال الامم المتحدة ايضا عن هذه التغييرات في تقاريرهم؟’ ‘هذا واضح. فلم يعودوا ينتقلون في سيارة واحدة بل في قوافل فقط. وقد منع النظام السوري رجال الامم المتحدة ايضا من الوصول الى دمشق. كان رجال الامم المتحدة يستطيعون الى ما قبل بضعة اشهر السفر الى دمشق والشراء من الاسواق هناك. وانتهى هذا بالنسبة اليهم لأن النظام لا يريد ان تتجول عناصر اجنبية تحت أنفه وترى ما يحدث هناك حقا’. ستة أمتار من الثلجلا يُرى من القمة الاسرائيلية للحرمون سوى اللون الابيض. وقد ظهر جدار الموقع العسكري الذي زرناه بصعوبة من داخل الثلج، وقد مرت المركبة الثلجية التي انتقلنا فيها من فوقه بالطبع. دخلنا الى الموقع من نافذة احدى الغرف لأن الثلج الذي تراكم سد أبواب الدخول. وفي الخارج أدفأتنا شمس ربيعية لطيفة لكن التدفئة عملت في الداخل.

قادنا المقدم نحمياس في الخنادق الدفاعية للموقع العسكري المحفورة في صخر الجبل الى واحد من مواقع الحراسة. كان الشتاء الاخير صعبا بصورة خاصة. فقد بدأ الثلج يتراكم في بداية كانون الثاني ومنذ ذلك الحين ألّم بالجبل عدد من العواصف قُطعت خلالها المواقع العسكرية اياما معدودة. وانخفضت درجات الحرارة، وقبل نحو من شهر حُطم رقم قياسي، فقد قيست درجة ( 15) درجة مئوية في أعلى مستوى من جبل الشيخ. ‘توجد هنا مناطق يبلغ ارتفاع الثلج فيها 6 أمتار. هذا جنون’، يقول نحمياس. ‘عندنا وسائل تستطيع السير في كل حالة جوية، لكن الضباب يكون احيانا كثيفا جدا بحيث تسير مركبة ألبية أمام المركبة تُمهد لها الطريق. في هذه الايام يمكن ان يستمر سفر يمتد 40 دقيقة، يوما كاملا’. على القمة السورية على مبعدة كيلومتر في الاتجاه الشمالي الشرقي منا يقع موقع ‘هوتيل’ لقوة الامم المتحدة. وتوجد تحته القرية الدرزية السورية مزرعة بيت جن، وتحت موقع الحرمون على مبعدة 400 متر تقريبا تقع القرية الدرزية السورية الخضر. لكن أكثر القرى والبلدات في المنطقة سنية. فـ عرنا وبوكسام وريما كلها تظهر بوضوح من القمة الاسرائيلية. يقول نحمياس: ‘تُرى دمشق بلا منظار. على مبعدة 100 كم الى الشمال منا تقع محطة توليد الطاقة تشرين وتمكن رؤيتها ايضا في الايام الصافية، وحينما ننظر الى الغرب يمكن ان نرى بوضوح جبل ميرون وطبرية. فليس عبثا ان يقال في الحرمون انه عين الدولة’. ‘ما يزال الجيش السوري هنا في معسكراته وفي الانتشار نفسه’، يقول نحمياس. ‘لم يتركوا الخط ويذهبوا للاشتغال بقمع الانتفاضات لكن الواقع ليس هو الواقع الذي كان قبل سنة. أقول دائما لنقباء العمليات منا انهم يستطيعون قضاء سنتين في العمل دون أية حادثة، ومن جهة ثانية يمكن ان يقع قصف في الغد. فسوريا تستطيع ان تقرر الآن أنه يناسبها ان تصرف الانتباه العالمي عما يحدث داخلها وان تُسخن الجبهة معنا. ونحن من جهتنا نتابع ونستعد’. يديعوت 30/3/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية