مشهد الانتخابات و’المشروع المصري’: تخريب النسيج الاجتماعي وتدهور اقتصادي وانفلات شعبي

حجم الخط
0

د. محمد بريك

هناك إيجابية ـ بلا شك ـ للجدل الدائر حول مشاركة القوى السياسية المصرية في الانتخابات أو مقاطعاتها. هذا الجدل الذي دار ولايزال، داخل كل حزب وحركة على حدة وبين فريقي المقاطعة والمشاركة هو جدل ساخن. وحرارته لها صلة بحراكات أكيدة في حيز الوعي والهمّ الوطنيين لم يسبق لهما مثيل في ثلاثة عقود خلت. ومن دون الانشغال بتحليل العوامل المحلية والكونية التي دفعت لمثل حراكات كهذه نقول: ان الكشف عن، وتوســـعة، هذه الحراكات ولو على مستوى الجدل السياسي هو إيجابية. والأهم أنها فرصة لكل فريق وللمهتمين بالمسألة المصرية عموما أن يتعمّقوا في فهم ما تحتاجه مصر على مستوى المشروع وفي هذه المرحلة، وكذلك جرد حساب للمشاريع السياسية التي تخوضها قوى سياسية بعينها، كحركة الإخوان وجبهة التغيير وكفاية وبعض الأحزاب الرسمية (نذكرها مجازا)، وتحديد آفاقها وإمكاناتها وإمكانية توحدها خلف مشروع وطني جامع فعّال. وليس بالضرورة الانتظار لما ستسفر عنه النتيجة النهائية للانتخابات بعد أيام محدودة للقيام بـ(حساب) كهذا؛ إذ أن ما نقوم به الآن يتناول أنماطا عامة وآفاقا مشاريعية تتعدى نتائج موقفية لحدث مهما تضخّم أو ضُخِّم.

ربما الشعور بأن مصر تعيش في أزمة فقدت فيها الكثير من بنائها السيادي والحضاري ودورها المركزي، الذي صاغته محطات التاريخ والجغرافيا والثقافة والاصطفاء، كان حاضرا منذ النصف الثاني لعهد السادات. وزاد هذا الشعور ما نعلمه من تخريب للنسيج الاجتماعي والعته الاقتصادي تعمقا وتمددا لحالات انفلات شعبي وأزمة قيم وهوية، انتهت بعصاب سياسي ثم.. اغتيال.

وحين أتي مبارك، وبعد فترة سماح تقتضيها مرحلة الابتداء والامساك بأزمّة الوضع، لم يُغيّر شيئا من المنطلقات البنائية لنظام السادات: الانخراط بالترتيب الإقليمي مع إسرائيل، مع تبعية لأمريكا تضبط حدود الحركة في المحيط الجيواستراتيجي، وانفتاح اقتصادي داخلي منفلت من أي قيود ضامنة للعدل الاجتماعي أو حتى نظافة اليد ومكافحة الفساد، وإرهاب سلطوي يضمن بقاء نظام سياسي ليست له شرعية حقيقية، دستورية أو وظيفية. وللحفاظ على الشكل السياسي والخارجي للدولة كانت هناك مجسمات سلطات تنفيذية وتشريعية وقضاء دستوري. ليس معنى هذا أن هذه المجسمات ليست فاعلة بالمطلق؛ إنما هي فاعلة، بالقصور الذاتي، في أطر لا تصطدم مع الخيارات والركائز الأساسية للنظام. ولا يمنع أن يكون في المساحات الجانبية والمتبقية من استخدامات النظام ومجسماته، قضاء مدني فيه شيء من الاستقلالية المقيدة ومشاريع تنموية وأجهزة إعلام وصحة وتعليم وحراك حياتي لمجتمع.. أما الجيش فقد أتمّ النظام الحالي ما شرع فيه النظام السابق من عزله، بخيره وشره عن المشهد السياسي والتنفيذي للدولة، وتفريغه من أي عناصر معارضة أو حتى مستقلة، عبر العديد من التشريعات والإجراءات، ثم السكوت، جزء منه بفعل الترتيب الاستراتيجي السابق ذكره وجزء منه بفعل انهيار الطاقة التعبوية للدولة، عن التدهور الحادث في تماسكه ونوعيته ودوره الاجتماعي الإيجابي. هي دولة إذن بلا مشروع حقيقي، إلا الحفاظ على بقاء النظام والقيام باستحقاقاته الخاصة بالتبعية للخارج والنهب الداخلي وإخصاء أي حراك شعبي حقيقي. وبفعل التقادم الزمني أفرزت متوالية (تخريب مصر) وضعا كارثيا.. تضمحل فيه معالم حياة الجسد الوطني في كل المناحي، حتى لكأنه دُفن منذ زمن، ويُبقي مصر طاردة لأبنائها، بل ويُخَرّب الكثير من بناهم القيمية والوصفية التي حملوها لقرون وأنضجتها مبادئ الإسلام ومشاعر العروبة وتحكّمات المكان وعبقريته. وربما زاد في سوء الوضع وعجّل بالنتائج التي نراها تحوّلات كونية ـ ما بعد الحرب الباردة، وإقليمية ـ انهيار الوضع العربي والتغلغل الإسرائيلي، ونظامية ـ تحول النظام من نظام عسكري تكنوقراطي إلى نظام أمني متحالف مع طبقة فاسدة من رجال الأعمال وبعيدة حتى عن تقاليد عريقة للنظم المستبدة المتماهية مع الأوطان وترى حدودا للتفريط والبيع والإيجار.

هل لهذه التذكرة من فائدة؟ نعم بالتأكيد، إنها أولا تكشف أن المحنة التي تعانيها مصر ليست قاصرة على انزواء عن بعض معالم الحرية الشعبية بل هي مرتبطة بفقدان المشروع وانهيار الدور التاريخي والقدرة التعبوية لأمة تسعى في مسيرة نهضوية محددة، وهي محنة مركبة بين تسلط نظام، عديم الشرعية، على مقدراتها وتخريبه لبناها الاجتماعية والاقتصادية وحتى لقيمها. المشروع المصري إذن ليس مجرد عريضة لتوسعة مجال المشاركة الشعبية والديمقراطية؛ بل هو إعادة بناء دولة، وترميم مشروع ودور تاريخي.. وربما إعادة رسم حلم، بدونه تفقد الشعوب نضارتها وفاعليتها وحظها النهضوي. وثانيا: نستفيد من أن مآسي مصر هي بعينها المنطلقات البنائية لنظامها المستبد الفاسد (التبعية ـ الاستبداد ـ الفساد ـ إحباط الأمل) وليست مجرد خيارات خاطئة أو ناتجة عن الجهل المعتاد في مثل هذه الأنظمة. وهذا معناه أن المعادلة صفرية بين مشروع مصر ونظامها، وهذا ينسف أي إمكانية لدور إصلاحي أو ترقيعي، ويلغي أي حظوظ لتوبة متوهمة لأركان النظام وارتباطاته الدولية والمحلية. وثالثا: تكشف عن طبيعة سيطرة النظام على الأوضاع لصالحه، وديناميكياته المختلفة في إسكات الحراك الشعبي، وهو في طور الهمس وكيفية تفريغ عوارض السخط الشعبي في أطر الدولة المصطنعة ومسرحيات الحياة السياسية والإعلامية. النظام المصري، كأي نظام مستبد، يفهم أن السيطرة المباشرة على المجتمع والوطن بالقوة المباشرة لا يمكن أن تتمدد على كل مفردات المشهد؛ وإلا استحالت الدولة إلى دولة عسكرية صرفة لا يقبل بها واقعها المحيط واختيارات النظام نفسه. تعتمد هذه النظم على عمود فقري أساس عموده القوة الأمنية والمخابراتية ومن ورائه، في الخلفية، قوة عسكرية حاضرة إذا تأزمت الأوضاع وتفجرت. ولكنها تلجأ كذلك إلى صنع أطر وهمية لاستيعاب الحضور الشعبي واستنزاف طاقاته وإهماد عزيمته النضالية.

قد نظن أن صياغة النظام لمسرحية سياسية وأحزاب تابعة له في الباطن وتنافس سياسي وهمي هي كل ما في جعبة النظام، ولكن إطار الدولة نفسه الوظيفي والإعلامي والسياسي والتنفيذي هو من أهم الوسائل. وكذا إفقار المجتمع وتمزيق حدود الأمان الاجتماعي وتهميش الروابط الاجتماعية التقليدية، وتلك الناشئة، والسيطرة عليها.. هي من الوسائل الفعالة كذلك، وآثارها السياسية من إحباط الهم والوعي الوطنيين عند الأمة. والقيمية: من ظهور كل آفات الاستغلالية والاستهلاكية والنفاق الاجتماعي والانتهازية والسطحية والهروب الغيبي أو المكاني حاضرة.

ومن هنا ندرك كم العبث الذي تقترفه أي معارضة جادة حين تشترك في مسرحيات النظام الهزلية تلك من دون أن تمتلك إرادة وإمكانية تحريف المسار لصالح مشروعها النضالي. وكم الجرم الحادث حين تفتقد هذه المعارضة لمشروع تغييري في الأساس، ويكون اقتصار همها على إحراز مكاسب ثانوية، ذاتية أو عامة، حتى لو كانت صادقة في سعيها وباذلة لأجله الغالي والنفيس.. ويُترك للنظام تجيير المنتوج الاستراتيجي لصالحه في الاستمساك بالوضع على حاله، أعني جوانب الوضع المركزي، أما التفاصيل والجوانب الهامشية والشكلية فللنظام المصري خصوصا مرونة فائقة في كيفية الإرخاء والشد والجذب فيها.. أعني كل التفاصيل، حقيقة، في السياسة والإعلام والدين والاقتصاد.

هذا عن أهداف ‘المشروع المصري’ وعوائقه التي يلقيها في وجهه النظام، وتقترفها، في كثير من الأحيان بحسن نية، فصائل الفعل السياسي الحية التي، نظريا، هي من لها الحق والقدرة على حمل هذا المشروع. ولكن ماذا عن مراحله؟

سياسيونا لا يميزون بين مراحل ثلاث أساسية في المشروع السياسي المصري، وكثيرا ما يخلطون بينها ويحذفون مرحلة أو مرحلتين. المرحلة الثالثة (الأخيرة) هي التي تتنافس فيها البرامج السياسية بحرية على تفصيلات الخيارات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وجوانب الحكم الرشيد. وهذه المرحلة التي تنحصر بها أغلب مكونات المعارضة المصرية، الجادّة والزائفة، وتتخيل أن هذا هو مسار الإصلاح الأمثل والدور الوطني الفعال. لكن ما يمنع مصر أن تعيش هذه المرحلة وتتخطى لها الحجب أنه لا توجد في هذه اللحظة مكونات دولة حقيقية ينتج (نظامها السياسي) عن عقد اجتماعي حقيقي. أي أن هذه المرحلة الثانية (الوسيطة) هي تلك التي تعبر عن اختيار الشعب المصري للدولة التي يريد أن يوجد تحت ظلها؛ تلك المرحلة التي لا تضمن المناخ الديمقراطي وطرح الاستبداد وحرية الفرد فحسب؛ بل تحدد كذلك نقاط الهوية (المصرية) كما تراها الأغلبية الساحقة، مثل مسائل الإسلام والعروبة والتوازن بين الأصالة والحداثة ومفهوم العدل الاجتماعي، وتضبط النسق الدستوري والقيمي والتشريعي لهذه الدولة، وتشكّل طبيعة الدور الاستراتيجي المصري في محيطها الجيواستراتيجي والدولي.. وارتباطاته بمشروعها السيادي والنهضوي.

وهذا الدور (المصري) هو الذي يحكم الاستراتيجية المصرية مهما تغيرت تفصيلاتها وخياراتها على اختلاف الحكومات المتعاقبة. وهذه الخاصية’موجودة في كل الدول المعاصرة؛ فإسرائيل وأمريكا والغرب لها محددات (فوق) استراتيجية تمتد عبر الحكومات والأزمنة، قد تتغير بعض الخيارات ولكن تبقى هذه المحددات. مثلا السادات جاء وغير المحددات فوق الاستراتيجية تلك؛ فبعد أن كانت مصر الناصرية، شعاريا على الأقل، تقف على رأس الخط الممانع وتمثل مركز الثقل الرئيسي في الهم التحرري والوحدوي لأمتنا وترى ارتباطا منهجيا وثيقا بين النهضة والوحدة العربية والتحرر السيادي، وأنه لا معنى (للمصرية) كما وصف جمال حمدان، إلا في بوتقة العروبة ورائدة لها.. استحالت لتابع ذليل للأمريكي وحارس أمن على البوابة الاستراتيجية لإسرائيل.. وهكذا.

المهم أن المرحلة الثانية تلك التي يفرز منها عقد اجتماعي حقيقي (يتم تدوينه في الدستور وإن كان’الدستور بحاله لا يعني أكثر من كلمات من دون بقاء معادلة تقرير شكل الدولة لصالح المجتمع ومراكز قوته) قد انتبه إليها بعض النابهين حديثا نسبيا؛ فحركة كفاية بدأت منذ ثلاثة أعوام طرح موضوع المرحلة الانتقالية، وهيكل طرح موضوع الجمعية الوطنية لإنشاء الدستور وكذلك طرحها بشكل ضمني د. البرادعي. وأنا أتخيل أن هذا كان نضجا يتعدى كثيرا أداء جماعة الإخوان المسلمين السياسي.. بالطبع الأحزاب الرسمية، الفلكلورية منها والتابعة، هي خارج خارطتنا الوصفية بالمطلق. وعلى الرغم من أن ما سبق كان تطورا ناضجا؛ فإنه يتغافل عن مشكلة (بسيطة) تمنع الشعب المصري وقواه الحرة من أن تتجه للمرحلة الانتقالية تلك.. خمن ما هي؟ نظام استبدادي فاسد يستولي على الحكم بالقوة البوليسية الغاشمة، ومركز قوته الأساسية هو في عائلة رئاسية محدودة يرتبط بها جناح مخابراتي لإدارة الشأن الخارجي وجناح أمن دولة لتسيير الشأن الداخلي، ويبقى الجيش معزولا عن الشأن العام ـ منذ أيام السادات ـ و باقٍ في الخلفية كأداة تحجيم غير مميزة قابلة للاستدعاء حين تتطور الأمور. أما السلطات الثلاث والحكومة المحلية والجهاز الإداري والحزب الوطني، ومعه الأحزاب الأخرى، فهي تزويقات ولزوم السير الطبيعي للدولة. ولهذا فالمرحلة الأولى (التغييرية) هي أخطر المراحل وأكثرها إلحاحا؛ وهي كيفية إسقاط هذا النظام المستبد التابع للأجنبي والمتمترس بآلته البوليسية والعسكرية والمحتكر لسياسة رأس المال العليا. لم يذكر أي من التنظيمات السياسية الموجودة في مصر، من دون استثناء، أي رؤية أو تصور لكيفية اجتياز هذه المرحلة. نعم هناك فصائل ناشئة ككفاية وحركات الاحتجاج الشبابية أدركت حتمية الهدف التغييري، ونعم بدأت كفاية مبكرا، ثم حراك الدكتور البرادعي، الانفكاك من أسر العمل الإصلاحي الذي يكون محله المرحلة الثالثة للمشروع المصري والإلحاح على المرحلة الثانية الوسيطة. ونعم كذلك بدأت محاولات فتيّة على مستوى التنظير أو الأداء السياسي، سواء بطرح فكرة العصيان المدني أو البدء في حملة للتوقيعات. لكن العصيان المدني هو تكتيك وخط مشاريعي، على الأكثر، وليس استراتيجية، وكذلك التوقيعات. وهناك ضعف في تمييز المراحل التغييرية واستحقاقات كل مرحلة من حيث الأدوات الكلية وطبيعة الاستراتيجية المناسبة. وهناك أكبر فصيل اجتماعي سياسي، جماعة الإخوان المسلمين، مازال ذاهلا عن طبيعة الأهداف التغييرية ومتأرجحا بين مساحات متناقضة من الفعل السياسي (الانخراط في جبهة البرادعي والتوقيعات ثم المشاركة في انتخابات النظام) تؤخر قطار التغييري محطات على أحسن تقدير. المشكلة، كما أراها، تتلخص في أنه حتى لو حصل عموم للوعي بطبيعة الأهداف والمراحل فإن صياغة الاستراتيجيات شأن آخر.

الاستراتيجية تحتاج لبنائين قبلها: بناء الرؤية (الأهداف والمراحل والنسق العام) والبناء النظامي (وجود قيادة فاعلة لمشروع وطني ـ تتوحد أطره الفاعلة ـ خصوصا تلك التي لها امتداد شعبي). من دون هذين البنائين مطلب صياغة استراتيجية، فضلا عن الشروع في تنزيلها، هو أمر متعذر. وأرى ذلك واجب الوقت للنخبة المصرية. ولعل تجربة الانتخابات هذه تكون فرصة جادة لمن كان له سمع وبصر، أن يقيم مساراته السابقة ونهاياتها المفترضة وما قدمت يداه لصالح الوطن أو أخذا من حظوظ مشروع حلمه.

آه.. نعم. تذكرت موضوع الانتخابات، مع أننا بدأنا به، وأودّ أن أختم فيه بقليل وصف. مقاطعة الانتخابات كموقف سياسي مجرد عن رؤية عامة واستراتيجية موصوفة متكاملة لا يمكن أن تكون حلا للوضع الذي تعيشه مصر ويتحقق بها المشروع المنتظر، وكذا المشاركة. فحتى لو كانت المقاطعة إيجابية موصولة بتحريك’القطاعات الشعبية ومحاصرة النظام ولم تكن اكتفاء سلبيا بالانعزال، فإن التغيير، والأهداف الكبرى على وجه العموم، لا تنجزها مواقف حصرية.. بل سلسلة من المواقف والحراكات تتناغم في ما بينها وتقود بعضها للأخرى وينتج عنها آثار تراكمية أو تعاقبية تقود للهدف النهائي بشكل حدي.. وهذا ما نعنيه بوجود الاستراتيجية.

مجرد المشاركة أو المقاطعة لا يكون له أثر سياسي بعينه، بل في الأغلب عشوائي إلا’في حالة’واحدة.. أن يكون هذا الفعل جزءا من استراتيجية عامة تحدد طبيعته وشروطه وأطواره وما يسبقه وما يليه والأثر المقصود منه تحديدا. وهذا ليس في المشاركة والمقاطعة بل في’أي فعل سياسي، إن أردنا أن’نتحدث من منظور استراتيجي. وهذه العشوائية في ترتيب بعض الآثار المناقضة لطبيعة الوسائل هو الذي يجعل البعض محتارين في تقييم موضوع الانتخابات. فالمقاطعة، وإن تأتي من خط سياسي تغييري، قد ترسخ سيطرة النظام وهدوء الأوضاع. والمشاركة من فصيل إصلاحي لا تغييري، كالإخوان المسلمين (بل إن شعارهم هو مشاركة لا مغالبة أي إنهم إذا مشت الأمور على أحسن حال يطمحون فقط في حجز موضع قدم في السيرك المسمى (مجلس الشعب) ثم يشاركون من؟!) أدت إلى استفزاز كبير لدوائر من النظام وأسهمت في إلهاب الأوضاع؛ لكن في ظل نمط الإخوان السياسي العام، سيتم تخطي كل هذا وهدره لصالح مصالح هامشية أو على بساط العجز. كل هذا التناقض الذي حير الكثيرين، آخرهم الأستاذ الجليل فهمي هويدي في مقالته بـ’الشروق’ (كسب الوطن أم خسر) كان من مظاهر حالة الخواء الاستراتيجي تلك.

ولو اتضحت دائرة الرؤية عند الحركة الوطنية المصرية، ونضج بناؤها النظامي، لكننا حينها نغوص غير آبهين في مسارب الاستراتيجية الواسعة.. فنحكي عن عشرين نمطا’على الأقل مقبولا ومطروحا أمام الحركة الوطنية في موقف الانتخابات (أغلبها مع المقاطعة وأقلها مع المشاركة، كما ذكرت)، ويعلو حينها، طنين مناقشاتنا’حول الفرص والإمكانات والآثار المحتملة لكل نمط على بيئات التعبئة الشعبية وفرص التحريك والتمدد الحركي والتجمعات السياسية والنظام وأجنحته والقوى الإقليمية وسيناريوهات الحراك الإقليمي المتوقعة. وكأي مناقشة استراتيجية حصيفة، يكون القرار النهائي عبارة عن’فسيفساء مواقفية’يجمع بينها منظور’فوقي واحد و يخضع، بمرونة فائقة، للمستجدات المفاجئة.

ولكن لابد من التذكير أن التوليف الاستراتيجي لموضوع الانتخابات هذا ليس من ضمنه مشاركة الإخوان هذه المرة، كما قبلها، بسبب نمطها السياسي العام. النمط الذي يخوض به الإخوان الانتخابات هو نمط قاتل لأي مشروع تغييري؛ أن تدخل الحركة الوطنية أو أحد فصائلها، قبل إتمام البناء النظامي والتشعب المجتمعي الكافي لرسم أدوار استقلالية، في مسرح يحكم النظام كل أبعاده ومداخله ومخارجه، وقبل أن تحوز رؤية واضحة واستراتيجية جامعة، ثم تتورط في تفاهم ضمني مع النظام على الحد الأقصى، ثم تنشغل بعد أن يمن عليها النظام ببضعة مقاعد إلا أن يدركه استغباء المستبدّ بالقضايا السياسية والإصلاحية الجزئية على حساب القضايا التغييرية الكبرى.

ولكن الإخوان وغيرهم يشاركون منذ أكثر من ثلاثين عاما.. فما الجديد هنا؟ الجديد أن هناك جديدا في مصر. أزمة انتقال السلطة، والتغيرات المجتمعية الحقيقية الحادثة، والدور الذي قام به النظام في غزة ومحاولاته في تصفية القضية والمقاومة، وبراعم المشروع التغييري البادية لكل عين والمتمثلة في ارتقاء الوعي السياسي ودرجة الاحتجاج حتى في قطاعات بعيدة كل البعد عن التأطير السياسي، والتحولات الإقليمية المرتقبة في حال الحرب مع إيران أو التسوية معها والمؤدية، حتما، إلى انشغال ثمين للإسرائيليين عن التدخل في مشهد التغيير المصري، وانكشاف استخدام النظام الاستراتيجي لمشاركة الإخوان، تحديدا في 2005 ووضوح عبثيتها في ما يتعلق بمقدمات التغيير، وامتلاك النظام بالمطلق لكل مداخل ومخارج العملية السياسية وإصراره على التزوير المطلق وقبول المجتمع الدولي بكل ذلك بامتنان، أقول ان هذه التحولات تجعل لكل صاحب عينين أن يقف ويتأمل، وحتى من عافته موارد النظر فله من طنين الأحداث عبر وشواهد.

كل انتخابات وأنتم بخير.’ باحث مصري في الدراسات الاستراتيجية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية