بسبب شفافيته يمكنك أن ترى من خلاله. صلبا كان في رخامته وشقيا بنظرته وأنيقا مثل محارب عاشق، من غير أن يبدو متواضعا أو مقبلا على الكلام. قياسا بصمته المبجل يبدو كل كلام نوعا رثا من الثرثرة غير المكترثة. كانت عزلته تنأى به بعيدا عن اية محاولة حسية لاحتوائه أو الاحتفاء به أو الارتقاء إليه. تنزلق النظرة عليه مثل قطرة مطر من غير أن تثق بانها رأته. لا يزال كما هو في آخر مرة خرج فيها إلى الصيد، امبراطورا مسافرا بهدوء، موته زاده هيبة وخيلاء.
نائم هو منذ الفي سنة، أكثر أو أقل قليلا، بل منذ دقيقتين. لا يهم. لم يمر به الزمن إلا باعتباره زائرا فائضا. فكرته تنأى به بعيدا عن شكلها السابق الذي هو شكله القديم. روما صارت بعيدة. كانت كذلك دائما. بالنسبة له فان أية مدينة يكون في إمكانها أن تهزأ بالموت يمكنها أن تكون روما.
قلت ‘جبيل’ قال ‘بيبلوس’ أليست هي المدينة الأخيرة في الكون؟ الساحل الذي لم تعبئه أغاني البحارة موبقات مهربة. يبتسم مطمئنا إلى ما لم يقله بعد. كان البحر هناك يقود إلى روما. كانت روما هناك. قريبة من العقل غير أن القلب في تلفته لن يراها. لن ينتظرها. حين وقفت على لسان اليابسة شعرت أنني على وشك الانزلاق الى متاهة بحرية غامضة الملامح. كان الامبراطور النائم قد أسرني بموعد جلوسه على الناصية، في الرواق الضيق الذي يبدأ بمخزن المتحجرات البحرية لينتهي بمخزن العاجيات. كانت نوال قد أعدت لنا على الصاج مناقيش بالجبن والزعتر وكان رضوان يداعب باصابع قلقة مفاتيح أبواب يعرف أنها ينبغي أن لا تبقى مغلقة طويلا.
قلت له ‘تبدو بمعطفك الاسود الطويل أشبه ببولشفي عائد الى بيته في اجازة من الحرب’ صرت أنظر إلى ساعتي في انتظار اللحظة التي يشق فيها الامبراطور عتمة الرواق الوردية بثيابه البيضاء. لحظتها سيكون علي أن أثق بأذني. لقد سمعت صوته وهو يتسلل من بين هواء المتحف الى روحي. ‘انا زائر طاريء في مدينتك مثلما أنت في المتحف حيث يستقر ناووسك’ سأقول له. لن يسألني الامبراطور عن ناووسي. الملوك لا يسألون. رضوان يعرف ذلك جيدا. ما وصل إلينا من الشائعات لن يكون صحيحا دائما. بعضها على الاقل. الجنة يدخلها الملوك أيضا. ‘لن يكونوا هناك ملوكا، غير أنهم بطريقة أو بأخرى يحتفظون بمسافة تفصل بينهم وبين الآخرين’ يقول.
لم يمح نوم ذلك الامبراطور في المتحف خيال مملكته.
كنت في جبيل قد رأيته وهو يمشي في الاسواق هابطا من القلعة، تقع نظرته على سمكة بحرية متحجرة، في ذيلها المزرق لا تزال هناك قوة كامنة لم تتحرر. ‘ستقوم القيامة قبل أن تصل تلك السمكة إلى هدفها المنشود’ يقول ويلف رداءه الامبراطوري على جسده ويمشي بطمأنينة أسلافه.
كانت السوق في صباح آخر ايام السنة لا تزال فارغة إلا من عدد يمكن احصاؤه من الحمامات. نساء هبطن من مركب فضائي من أجل أن يشاركن الصيادين تأمل صورة البحر وهي تهتز. مطر ضائع وذنوب مؤجلة. كان الصيادون يجلسون بهدوء في قوارب صغيرة وسط فضاء يذكر بلوحات البريطاني تورنر. ضباب بعيد وزرقة لا تكف عن التثاؤب وشمس لا تترك على العين أثرا من نعاسها.
كان الامبراطور الشاب يظهر ويختفي حتى صرت متمكنا من أسرار لعبته. لن يتركني ضائعا في مدينته. يعرف أن كل حجر من أحجار زهوه يمكنه أن يكون سببا لتيه أبدي. هذه مدينة مناسبة لعيش هانيء غير أنها في الوقت نفسه قد تكون الثغرة التي تغري المرء بدخولها من غير أن تتيح له فرصة للرجوع الى عالمه. هنا يمكن للأبدية أن تمارس صيدها. كل زائر هو فريسة محتملة. ربما يكون ذلك الامبراطور النائم واحدا من صياديها ولن اصدق انه كان ذات يوم فريسة. ولد ليكون لقية يشتد لمعانها كلما مضى الوقت. مرمر من روما الى جانبه حجر كلسي وما بينهما ينشأ حوار صديقين، مادته لغة شعبين وسعادة حضارتين.
كان الفينيقيون هنا من قبل وكان الرومان من بعد ايضا. انطلق قدموس من هنا، من تلك الصخرة التي القيت عليها خطواتي لأقف في انتظار طائر الفينيق.
لم أر يديه. لم أر قامته. لم أر قدميه. الامبراطور العاشق كان يخفي يديه تحت الرخام الابيض. في نظرته حيث يرمي كيوبيد سهمه، بين عصبين متوترين من اعصاب تلك الرخامة يترك حصانه على صخرة جرداء وينسل الى غيمة الشعر. هناك رذاذ كثير يقع على الاشجار. الاشجار طويلة وهناك صيحة طائر ضال تفزع القرويات الذاهبات الى البئر. هناك أعشاب لا تزال خضراء تتسلل خفية الى شق بين جدارين في جبيل، كما لو أنها كانت هناك منذ الازل. أعشاب خالدة تصلح مادة للذكرى. ذكرى حياة كاملة يعيشها المرء كما لو أنه كان فراشة.
‘سوف لن تخطىء طريقك إلي’ قال لي وأنا أودعه بنظرة متسائلة حين غادرت المتحف. لقد انتقلت طمأنينته إلي. لم يسأل عن حاجتي. الملوك لا تسأل. يومها قررت أن أكون مدعوا إلى مائدته في اللحظة التي سأصل فيها إلى جبيل. سأقدس صيفك في هذا الشتاء الرقيق. أمشي إليك حافيا لتصعد أشعارك إلى جسدي من خلال قدمي. المراكب هناك تنتظر. على شاطىء جبيل مراكب كثيرة تنتظر جنودا لن يغادروا المدينة التي أخذتهم الى غرف النوم. كنتُ واحدا منهم. على الأسرة نساء طويلات وناعمات مثل خطوط هبطت من السماء. كانت المراكب تصلح أن تكون مادة للقطة طويلة عن الانتظار. ‘توقعت أن تأتي وحيدا’ يقول لي وهو ينظر إلى الساحرتين اللتين كانت برفقتي وإلى رضوان الذي بدا غير مكترث. كان علي أن أرتكب خطأ من أجله. غير أن جماله كان يخيفني. جماله كان يعذبني. غالبا ما يحمل الجمال بين طيات جسده شيئا من التشنج الذي لا يخلو من الشعور باللذة. للجمال حراسه اليقظون. أفكر بحارس رامبرنت الليلي وأنا احاول ان اقطف بحذر زهرة من بستانه، أخفيها في سلتي واهرع مسرعا الى الشارع. هناك حيث لا أمل في العودة إلى الصمت. من المقبرة البيضاء الى السوق مسافة الفين من السنوات، هي في حقيقتها التفاتة وعل قطبي صار بعد نأي يجرب أن يلقي خطواته الملكية على خشب رطب.
مشيت في أزقة جبيل برفقة صبيها. كان العاشق لا يزال نائما هناك، في المتحف. يلقي المرء من اعلى الصخور نظرة على البحر لتمتزج بأمواجه. يوم آخر ستمر ساعاته ليبدو العالم كما لو أنه ينقص. دقيقة ناقصة مثل سنتمتر ناقص. الجمال يتسرب من اليابسة لتلتهمه المخلوقات البحرية. تحت الماء طبقات من العيش. مدن مأهولة ومناديل ملونة تركها العشاق معقودة بأغصان شجر مائي متخيل، غير أن اليد صارت تلمسه. منذ أن وقعت قدمي على أرض الامبراطور صرت أكتفي بتخيله حيا. لم تكن صيغة الماضي مناسبة للحديث عنه. سيغفر لي أبيضه الانتشاء بحضوره، بما تبقى من مزاجه الذي لا يزال ورديا، بقبلته التي لا تزال تتنقل بين شفاه الصبايا والصبيان. هي ذي صورته تنوء بما تتخيله نظرتي. لم يكن علي اختراع جغرافيا وهمية لحركته. على أرضه كنت أمشي لأقتفي أثر خطواته. لن يكون مطلوبا منه أن يكون حاضرا إلا من خلالي. كنتُ هادريان بعيني مارغريت يورسنار.
سينتحب وهو يقول ‘مات صاحبي’ كما لو أنني سمعته يقول ‘مات حصاني العزيز’. كان الامبراطور يتمنى لو انه كان ذلك الصاحب. لو انه مات بدلا من الحصان. الموت يمكن تحمله، اما الم الفقدان فلا. قال لي محمود زيباوي ‘قد يكون هادريان فعلا’. ولم يثن على فراستي. كان الرجل يعرف هادريانه وهو يحرص على أن يستثنيه من خبث الفراسة.
‘لتكن جميلا مثل هادريان’ دعاء مناسب للامهات، للنبيات، لعاشقات الوحي ومحبات الالوهة. كان النائم صبيا، غير أنه كان امبراطورا جعله العشق مكتشف مجرات في سماء لم يصل ضوء نجومها إلينا بعد. لا يمكنه سوى أن يكون هنا. جبيل تستحق أن يمر بها. غيرأن التاريخ لا يلصح مادة للشعر، إلا بطريقة رثة. لذلك فقد مشيت في أزقة جبيل بقدمي هادريان. كان علي أن أستحضره وقد أصابتني يورسنار بلوثته. من قبل كانت روما وحدها هادريان. الآن صارت كلمدينة مر بها الرومان تخبيء لي لقاء شاعريا بهادريان جديد ينبعث من أعماقي. لم يضع الامبراطور النائم تاجا على رأسي. كان رأسه هناك في المتحف ينظر إلى السقف مطمئنا ولم يكن القصف قد بدأ بعد.
اديب عراقي