‘مش عايزين ما بينا حدود.. عايزين مجد الأمة يعود’.. هل يستقيم الحوار السوري الوطني مع الحل الأمني العسكري؟

حجم الخط
0

زهرة مرعي مرّ حتى الآن على الشعب الفلسطيني ثلاثة وستون 15 أيار. لكن المناسبة في سنة 2011 ليست مشابهة للاثنتين وستين سنة التي سبقت، فالذكرى تعود والعرب يشهدون فجراً جديداً. في هذا اليوم من المقرر أن تُحْتَضَنُ فلسطين بأهلها اللاجئين في دول الطوق العربية. عليها يطلون، ومن هوائها يتنشقون، وفي فضائها يهتفون ‘الشعب يريد العودة إلى فلسطين’. من لبنان وحده سيتوجه صبيحة 15 أيار (مايو) أكثر من 20 ألف مواطن لبناني وفلسطيني نحو قرية مارون الراس على الحدود الجنوبية للإطلالة على فلسطين، ولقاء القادمين من حيفا والجليل على مدى ساعات ست. 500 حافلة كبيرة ستقل المطالبين بالعودة من لبنان. كما سارت مظاهرة سيارة كبيرة ضمت الآلاف واستقرت في قرية الكرامة المهدمة في الاغوار على حدود فلسطين. ستفوتني مراقبة هذا الحدث الكبير وتدوين لحظاته المؤثرة، فمقتضيات الطباعة تفترض إنجاز الكتابة في صبيحة الأحد. لكنه طوال يوم الأحد وحتى عشيته سيكون الحدث المؤثر.

هكذا يخطط الفلسطينيون في بلدان الشتات ومؤيدوهم في كل بلدان العالم للانضمام إلى الربيع العربي المتفتح على الحرية، والحقوق الإنسانية، والثورة على استبداد الحكام. فمن جمعة النفير إلى سبت الزئير إلى أحد التحرير هو مشهد تجريبي للشعار الأساس ‘فلسطين ستحرر ونحن من سيحررها’. إذاً بالأمس يفترض أن تكون الطرقات المؤدية إلى فلسطين قد غصت بناسها، من القنيطرة في الجولان السوري، من كل مناطق الأردن إلى أقرب النقاط مع الضفة، من غزة حتى معبر بيت حانون، ومن كوبري السلام في الإسماعيلية سيتوجه شباب ثورة مصر إلى غزة. فالجمعة التي كان مقرراً أن تحمل شعار الوحدة الوطنية في ميدان التحرير في القاهرة وجدت مساحة واسعة لفلسطين. رفرفت أعلام فلسطين، وانطلقت الشعارات والهتافات رنانة وبوضوح تام: ‘تسقط تسقط إسرائيل.. ع الأرض رايحين شهدا بالملايين’. متظاهر يقول لقناة الجزيرة: أرى قبة الصخرة ما بين إصبعي طفل يرفع شارة النصر. ويتابع: القضية الرئيسية للشعب المصري هي فلسطين…’مش عايزين ما بينا حدود عايزين مجد الأمة يعود’. ففي الجمعة الوطنية لم ير المصريون مسافة تفصلهم عن القضية القومية. هكذا قالت الشاشات من ميدان التحرير. لكن للأسف التلفزيون المصري كان غائباً كلياً عن حدث يوم الجمعة. فالمسافة بين مبنى ماسبيرو وميدان التحرير هي بطول المسافة بين الأرض وكوكب المريخ. فإن كانت فلول النظام السابق تقف وراء الأحداث القاتلة في إمبابة، فإن عقلية هذا النظام نفسه لا تزال تحكم الإعلام المصري في ماسبيرو، وهذا ما ظهر جلياً في أكثر من مناسبة.’كلام الناس’ في الأزمة السورية فعل حضاريالحدث السوري موجود في الفضائيات العربية بقوة منذ شرارته الأولى. هو موجود في الخبر، وفي الصورة التي تنقلها كاميرا الهاتف النقال كونها الشاهد الوحيد المتبقي على الحدث اليومي. كما تعقد الفضائيات الكثير من الحوارات والمناقشات حول هذا الحدث، لكن أحدها لم يخل من شك في مضمونه المنحاز كبروباغندا، وحتى بضيوفه. ففي الوقت الذي كنا نحتاج فيه إلى الموضوعية وليس ‘التهويش والتجييش’ صار الإعلام جبهة حرب، وصار بين الإعلام موال ومعارض، رد ورد على الرد. دحض ودحض للدحض. وهكذا دواليك. وهنا لا ننزه بالطبع الإعلام السوري الرسمي الذي يعمل وفق أجندة واضحة، كما يعمل سواه من الفضائيات ‘المناهضة’ له. ولأن تطورات الحدث السوري تخللتها مآس ودماء كثيرة ارتفعت وتيرة الخطاب الإعلامي، وافتقدنا ميزة الحوار الرصين، من طرفي المعارضة والناطقين باسم السلطة أو المقربين منها. وحده برنامج ‘كلام الناس’ من تلفزيون أل بي سي اللبناني أتاح لنا تحليلاً وموقفاً من معارض سوري امتاز ببعد البصر والبصيرة، هو رئيس تحرير ‘لوموند ديبلوماتيك’ بنسختها العربية سمير العيطة. ليس هذا وحسب، بل تخللت البرنامج تقارير وريبورتاجات قالت الكثير عن حال الناس في سورية. كما ساهمت بتسليط الضوء على تفاصيل ليست بمتناول الإعلام الكلاسيكي. على سبيل المثال تلك الأغنية التي أعدها شبان سوريون ثائرون على واقعهم تشرح الواقع الحالي ببساطة: قالوا عنا مندسين.. قالوا عنا مخربين.. قالوا عنا إرهابيين ونسيوا يقولوا سوريين.

ومن التقارير التي تابعناها ما يشير إلى خارطة البطالة في سورية، والعمالة خارجها، ووجود 89 بالمئة من الشعب بدون ضمانات صحية. أما في الخريطة السياسية للواقع السوري على الصعيد السياسي، فالناس منقسمون ما بين الإخوان المسلمين والسلفيين. أما الفئة العلمانية المثقفة فقد وصفها التقرير بـ’أمضت معظم سنواتها في السجون’. في سياق الحوار قابل سمير العيطة صوت لبناني، وموقف يرى في أي تبدل سوري دراماتيكي على صعيد السياسة القائمة حالياً خراباً للبنان. إنه كريم بقرادوني الواثق من أن النظام السوري لن يستمر من دون إصلاحات جوهرية وحقيقية، من ضمنها تعدد الأحزاب وتعدد وسائل الإعلام. ويرى بقرادوني في موقفه الدفاعي عن النظام السوري أنه ناتج عن ‘حبي للبنان فاستقرار لبنان متعلق باستقرار سورية’. في كل الأحوال كان دفاع عدد من السياسيين اللبنانيين عن النظام السوري مدعاة غيظ لدى فريق كبير من المعارضة السورية، إنما في حالة بقرادوني فموقفه معلل، واستنتاجه واقعي بإن النظام في سورية لن يستمر من دون إصلاحات حقيقية من بينها قانونا الانتخابات والأحزاب.

أما في حالة المعارض الرصين والواقعي سمير العيطة، فهو ربما يعني لمعارضين آخرين من سورية أنه يشكل تلك المعارضة الناعمة التي لا تؤذي ولا تجرح. فحالة المعارضين على الشاشات باتت تشنجاً وبعداً عن القراءات الواقعية. العيطة لم يخف موقفاً ولم يساير أو يجامل. فبعد تقرير سرد الإصلاحات حدد موقفه: لا معنى للحديث عن إصلاحات طالما الدبابات في المدن والجيش يفتش من منزل لآخر. لا معنى لقانون الأحزاب طالما الجميع في السجن. لن يذهب أحد للحوار طالما فريق يضع مسدسه على الطاولة. يجب إلغاء الحل الأمني فهو لن ينتصر. أطلب من المتظاهرين في سورية عدم حمل السلاح فكلفة الحرية بصدور عارية أقل منها مع سلاح. في هذه الحلقة كان مارسيل غانم حاضراً ليقول رداً على بقرادوني بأن النظام في سورية تشظى، لكنه لم يتمكن من استفزاز العيطة، بحيث يخرج عن وتيرته الهادئة في سرد الواقع، وبعث رسائل التحذير والتنبيه. ومما قاله العيطة: الوطن في خطر لأن بعض عناصر السلطة اختاروا الحل الأمني. ودعا لسحب الجيش وتشكيل لجان مع الناس لحماية الأمن. أما رسالته الأهم فكانت لبشار الأسد: شعبك أهم من المصالح الشخصية لبعض من حولك ولبعض العائلة. فهل هناك من يسمع قبل فوات الأوان؟

كُشِفت الشخصيتان وزال سحر الغموضطالما تمتعنا بعد انتصار الثورة التونسية برمزين من مواطنيها الأول يصرخ في أحشاء الليل ‘بن علي هرب.. الشعب التونسي ما بيموتش.. بن علي هرب’.. وطالما تماهى الملايين من المواطنين العرب الحالمين بالتغيير الديمقراطي منذ نعومة أظفارهم مع الرمز الثاني، ذلك الرجل الأشيب وهو يقول بحرقة الإنسان المنتشي فرحاً ‘هرمنا هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية’. ففي كل مرحلة من مراحل تاريخنا العربي هناك من تسعفه اللحظة في التعبير عنها واختصارها بما قلّ ودل، فيحلق في أعين وعقول وقلوب الناس ويأسرهم. كانت قناة الجزيرة قد وضعت هاتين الشخصيتين في فاصل خاص يسبق نشرات الأخبار، وكان التمتع بهما وبمضمونهما كشخصيتين مؤثرتين يزداد ويتضاعف مع كل مرة يمران فيها على الشاشة. لقد تحول الرجلان إلى أسطورتين تسعدان الكبار والصغار معاً، وتسعدان بالأخص كل راغب بالتغيير، وكل منشد للحرية. ولكن… كان أن قادتني الصدفة إلى الجزيرة مباشر لأفاجأ بالرجل الأشيب بلحمه وشحمه يتحدث على الشاشة، وبرجل آخر مقابله لم أعرفه من النظرة الأولى، إنما سياق الحوار أفضى لحصيلة أكيدة بأنه صاحب الصوت الذي مزّق صمت الليل ‘بن علي هرب’. إذاً هو اللقاء المباشر مع وجهين بقيا مجهولين، بقيا سراً يشغل البال وهما لم يعودا كذلك اليوم. إنهما أحمد الحسناوي الفرشيشي المالك الحصري لـ’هرمنا’ والمالك الفعلي لمقهى كان يستضيف فيه شباب الفيسبوك. والمحامي عبد الناصر العويني صاحب الحق الحصري لـ’بن علي هرب’. في تلك الاستضافة الطويلة على قناة جزيرة مباشر علمنا أن للرجلين سيرتهما السياسية الطويلة، رغم ذلك الحظر الذي مارسه نظام بن علي طوال سنواته المستبدة.

أما لب القضية التي من أجلها نكتب هذه الكلمات فهي للقول بأن سحر الغموض قد زال عن الشخصيتين، وأن استخدام الجزيرة للرجلين في فواصلها لم يعد له مبرر ولا يحمل في طياته إغراءً. فالجزيرة بنفسها ومن أجل ساعة من الدردشة على الهواء ـ طبعاً مفيدة ـ خسرت ما كانت قد ربحته منذ هروب بن علي. فالسر يكتنز السحر على الدوام. وفي الغموض إغراء ليس من بعده إغراء. كان الرجلان أسطورة. وفي لحظة خاطئة من الجزيرة أصبحا مثلنا، بخلاف الشهرة التي جنياها عربياً وعالمياً. ألم يكن من الأفضل أن يبقى الغموض رفيقهما كي يبقيا رمزين امام الملايين الطامحة للتغيير؟

صحافية من لبنان[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية